الطعن رقم 203 لسنة 20 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
2002-4-14
سنة المكتب الفني: 10
ملخص / وقائع الدعوى:
المصلحة الشخصية المباشرة
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ دستور - اثر رجعى
⚖️ دستور - لوائح تنفيذية
⚖️ دعوى دستورية - المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها
⚖️ شريعة اسلامية - اجتهاد
⚖️ عقد الايجار - الاماكن غير السكنية - امتداده - اجتهاد
⚖️ عقد الايجار - امتداده - الموازنة بين مصالح المستأجرين وحقوق المؤجرين
⚖️ عقد الايجار - الاماكن غير السكنية - امتداده - وفاة المستأجر
⚖️ امتداد عقد ايجار الأماكن غير السكنية بعد وفاة المستأجر الأصلي - الأراء الفقهية - سلطة المشرع في تحقيق مصالح العباد
⚖️ دستور - ملكية خاصة - صونها - تنظيمها - وظيفة اجتماعية - تشريع - علاقات ايجارية
⚖️ دستور - شريعة اسلامية - الأصول الثابتة - الأحكام الظنية - اجتهاد
⚖️ دستور - نظام اشتراكي - مبدأ تكافؤ الفرص - مبدأ المساواة
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة السيد المستشار الدكتور / محمد فتحي نجيب (رئيس المحكمة)
وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح والدكتور حنفي على الجبالي ومحمد عبد العزيز الشناوي
وحضور السيد المستشار / سعيد مرعي عمرو (رئيس هيئة المفوضين)
وحضور السيد / ناصر أمام محمد حسن (أمين السر)
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة. حيث إن الوقائع على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 1254 لسنة 1997 مدنى كلى المنصورة ضد المدعى عليهم من الرابع حتى الرابع عشر بطلب الحكم بإخلائهم من العين المؤجرة لمورثهم بعقد الإيجار المؤرخ 1/11/1986 وتسليمها، وقال بياناً لدعواه أنه بعد وفاة المستأجر الأصلى قام الورثة بوضع يدهم على المحل ولذا أقام الدعوى بطلباته سالفة البيان. وإذ حكمت محكمة الدرجة الأولى برفضها، فقد أقام الاستئناف رقم 411 لسنة 50 ق أمام محكمة استئناف المنصورة، وأثناء نظره دفع بعدم دستورية القانون رقم 6 لسنة 1997، وبعد تقدير المحكمة لجدية دفعه صرحت للمدعى بإقامة دعواه الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة. وحيث إن المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية تنص على ما يلى: " يستبدل بنص الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، النص الآتى: فإذا كانت العين مؤجرة لمزاولة نشاط تجارى أو صناعى أو مهنى أو حرفى، لا ينتهى العقد بموت المستأجر ويستمر لصالح الذين يستعملون العين من ورثته فى ذات النشاط الذى كان يمارسه المستأجر الأصلى طبقاً للعقد، أزواجاً وأقارب حتى الدرجة الثانية، ذكوراً وإناثاً من قصّر وبلّغ، يستوى فى ذلك أن يكون الاستعمال بالذات أو بواسطة نائب عنهم. واعتباراً من اليوم التالى لتاريخ نشر هذا القانون المعدّل، لا يستمر العقد بموت أحد أصحاب حق البقاء فى العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلى دون غيره ولمرة واحدة ". كما ينص صدرالمادة الرابعة على أنه:" تسرى أحكام هذا القانون على الأماكن المؤجرة لغير أغراض السكنى، التى يحكمها القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه والقانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والقوانين الخاصة بإيجار الأماكن الصادرة قبلهما". وتنص المادة الخامسة على أنه:" ينشر هذا القانون فى الجريدة الرسمية، ويعمل به من اليوم التالى لتاريخ نشره، عدا الفقرة الأولى من المادة الأولى منه فيعمل بها اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه ". وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية، لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، لما كان ذلك, وكانت الدعوى الموضوعية تقوم على مدى أحقية المدعى فى إخلاء العين محل النزاع من المدعى عليهم من الرابع إلى الرابع عشر بعد وفاة مورثهم المستأجر الأصلي، دون أن يمتد إليهم عقد إيجار تلك العين رضاء، فإن مصلحته الشخصية المباشرة تنحصر فى الطعن على نص الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 بعد إبدالها بالقانون رقم 6 لسنة 1997، وكذلك ما تضمنته المادة الخامسة من القانون المشار إليه، وأحكام اللائحة التنفيذية للقانون المتعلقة بهاتين المادتين. وحيث إن المدعى ينعى على القانون رقم 6 لسنة 1997 مخالفة أحكام المادتين (187، 188) من الدستور، لعدم صدوره بموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب رغم ما نصت عليه المادة الخامسة من أثر رجعى، كما ينعى على اللائحة التنفيذية للقانون مخالفتها المادة (144) من الدستور، لصدورها بقرار من رئيس الجمهورية، فى حين أن القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ناط بوزير الإسكان إصدار اللوائح التنفيذية المتعلقة بهذا القانون. وحيث إن هذا النعى مردود فى وجهه الأول، بأن الثابت من مضبطة الجلسة الخمسين لمجلس الشعب المعقودة بتاريخ 24 مارس سنة 1997 والمرفقة بالأوراق، أنه عند الا قتراع على مشروع القانون رقم 6 لسنة 1997 محل الطعن، أوضح رئيس المجلس أن أحكامه تسرى بأثر رجعى مما يتطلب طبقاً للمادة (187) من الدستور توافر أغلبية خاصة الأمر الذي يقتضي عملاً بالمادة (305) من اللائحة الداخلية للمجلس أن يكون أخذ الرأي النهائي عليه نداءً بالاسم، وبعد ذلك نودي على الأسماء التي أثبتت فى ملحق المضبطة ثم أعلن رئيس المجلس أن أخذ الرأي النهائي أسفر عن موافقة (279) عضواً على مشروع القانون. لما كان ذلك، وكان عدد أعضاء مجلس الشعب فى تلك الدورة التشريعية (454) عضواً طبقاً لما جاء بكتاب السيد أمين عام مجلس الشعب المؤرخ 31 مارس سنة 2002، وكان قد توافر بذلك لهذا القانون وهو تشريع فى غير المواد الجنائية ما تتطلبه المادة (187) من الدستور من موافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب على سريان أحكامه بالنسبة للماضي، فإن ما ينعاه المدعى بشأن مخالفته أحكام الدستور يكون على غير أساس. والنعى فى وجهه الثاني مردود أيضاً، ذلك أن الدستور حدد على سبيل الحصر الجهات التي تختص بإصدار اللوائح التنفيذية، فقصرها على رئيس الجمهورية أو من يفوضه فى ذلك أو من يعينه القانون لإصدارها؛ بحيث يمتنع على من عداهم ممارسة هذا الاختصاص الدستوري وإلا وقع عمله اللائحي مخالفاً لنص المادة (144) المشار إليها. متى كان ذلك، وكان القانون رقم 6 لسنة 1997 لم يعهد إلى جهة معينة بإصدار القرارات اللازمة لتنفيذه، فإن صدور اللائحة المطعون عليها بقرار من رئيس الجمهورية فى الحدود التي رسمتها المادة (144) فى شأن اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين لا ينطوى على ثمة مخالفة دستورية، ويكون النعى بأكمله فى غير محله. وحيث إن المدعى ينعى على النصوص المطعون فيها محددة نطاقاً على النحو سالف البيان مخالفة المواد (2، 4، 7، 8، 32، 34) من الدستور بقالة تعارضها مع أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وإهدارها حق الملكية، وإخلالها بمبدأ التضامن الاجتماعي، كما ينعى عليها أيضاً مخالفتها المواد (38، 40، 44، 64) من الدستور. وحيث إن النعى بمخالفة النصوص الطعينة لحكم المادة الثانية من الدستور مردود، ذلك أن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن النص فى المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى سنة 1980 على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتجلى عن دعوة المشرع كي يتخذ من الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً فيما يسنه من تشريعات تصدر بعد العمل بالتعديل الدستوري المشار إليه، فلا يجوز منذ ذلك التاريخ لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التي لا تحتمل اجتهاداً, ومن ثم لا يُقبل إقرار أية قاعدة قانونية تخالفها. وليست كذلك الأحكام الظنية فى ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معاً، وهى التي تتسع لدائرة الاجتهاد يسطع فيها تنظيماً لشئون العباد، وضماناً لمصالحهم، وهو اجتهاد وإن كان حقاً لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق مقرراً لولى الأمر، يبذل جهده فى استنباط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، ويعمل حكم العقل فيما لا نص فيه توصلاً لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بعباده، وتسعها الشريعة الإسلامية التي لا تضفى قدسية على آراء أحد من الفقهاء فى شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة المصلحة الحقيقية التي لا تناقض المقاصد العليا للشريعة، فالآراء الاجتهادية لا تجاوز حجيتها قدر اقتناع أصحابها بها، ولا يساغ بالتالي اعتبارها شرعاً مقرراً لا يجوز نقضه، وإلا كان ذلك نهياً عن التأمل والتبصر فى دين الله تعالى وإنكاراً لحقيقة أن الخطأ محتمل فى كل اجتهاد، ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس بالضرورة أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفاً لأقوال كثيرة أمتد العمل بها زمناً. وحيث إنه ليس ثمة نص قطعي يقرر حكماً فاصلاً فى شأن جواز امتداد عقد إيجار الأماكن غير السكنية بعد وفاة المستأجر الأصلي إلى ورثته، ومن ثم يكون سبيل الاجتهاد فى هذا الشأن طليقاً طالما التزم مقاصد الشريعة العليا. آية ذلك أن غالبية مذاهب جمهور الفقهاء " المالكية والشافعية والحنابلة " قد اتفقت على أن وفاة المستأجر لا ينفسخ بها عقد الإيجار، لأنه تملك بهذا العقد من المنافع ما يورثه لورثته عند وفاته، فيقومون مقامه فى استيفاء ما ورثوه من منافع، فى حين أن الأحناف ومن سايرهم خالفوا هذا الرأي، والخلاف بين الرأيين إن هو إلا تعبير عن جواز الاجتهاد، وجواز الخلاف فيما هو أقرب لتحقيق مصالح الناس بحسب ظروف الزمان والمكان، وإذا كان المقرر فى قضاء المحكمة الدستورية العليا أنه يجوز لولى الأمر أن يشترع على خلاف اجتهادات السابقين، وأن ينظم شئون العباد تبعاً لما طرأ على مصالحهم من تغيير وتطوير، ومن ثم كان حقاً عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن مؤثماً, وألا يشترع حكماً يضيق على الناس أو يرهقهم من أمرهم عنتاً. وإذا كانت النصوص المطعون فيها لا تخالف على ما تقدم نصاً قطعياً فى أمر عقد الإيجار، فإنه لم يعد هناك ما يسوغ القول بمخالفتها للمادة الثانية من الدستور. وحيث إن من المستقر عليه فى قضاء هذه المحكمة أن الدستور حرص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفى الحدود وبالقيود التى أوردها، إلا أن تلك الملكية لم تعد حقاً مطلقاً يتأبى على التنظيم التشريعى، بل غدا تنظيمها لازماً، ضماناً لأداء وظيفتها الاجتماعية التى يتحدد نطاقها ومرماها وفقاً لطبيعة الأموال محلها، والأغراض التى ينبغى توجيهها إليها، وبذلك يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المنافع دون أن تتنافر، وإذا كانت الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز على وجه الخصوص فى مجال العلائق الإيجارية، فقد كان خليقاً بالمشرع أن يتدخل لأداء هذه الوظيفة، مراعاة لخصائص الأعيان المؤجرة وطبيعة المصالح التى تتزاحم من حولها، وضرورة موازنتها لمواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المعدة لمباشرة الأنشطة التجارية أو الصناعية أو المهنية أو الحرفية، المقابلة للزيادة المطردة فى الطلب عليها، بما يضمن التوفيق بينها، حفظاً لمصلحة الجماعة وتأميناً للاستقرار الاجتماعى، وهو فى ذلك يؤثر المصالح الأولى بالرعاية والأجدر بالحماية. متى كان ذلك، وكان البين من نصوص القانون رقم 6 لسنة 1997، التى انتظمت العلاقة الإيجارية بين المؤجر ومستأجر الأماكن غير السكنية، أنها تؤلف تدبيراً فيه مزاوجة بين حقوق المؤجرين ومصالح المستأجرين، فقد قصر المشرع امتداد عقد إيجار تلك الأماكن على زوج وأقارب المستأجر الأصلى حتى الدرجة الثانية فقط، وأثقل ذلك الامتداد بقيود عدة، حينما استلزم أن يكون شغل الورثة المذكورين للعين المؤجرة مرتبطاً بحاجتهم إليها بوصفها مكاناً يباشرون فيه ذات المهنة أو الحرفة أو ذات النشاط الذى كان يباشره مورثهم الأصلى، سواء كان ذلك بأنفسهم أو بمن ينوب عنهم، ضماناً لأن يكون شغلهم للعين ناشئاً عن ضرورة حقيقية لاستمرار مورد رزقهم ومصدر عيشهم، وتأكيداً فى الوقت ذاته على تواصل نشاط هذه المراكز الحرفية والصناعية والتجارية، مما يوفر استثماراً أفضل للأموال المرصودة عليها، ويحفظ المردود الاقتصادي العائد منها, ولم يغفل المشرع الضرورة التى تفرضها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدولة, فقد جاء بتقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ومكتب لجنة الإسكان والمرافق والتعمير المشكلة بمجلس الشعب لدراسة مشروع القانون: " أن عدد الوحدات الايجارية القائمة التي سيشملها تطبيق النص تصل إلى 776 ألف وحدة إيجاريه وكل منها تمثل نشاط أسرة بأكملها، أى ما يقترب من ثلاثة ملايين مواطن ". وبذلك فإن أي تشريع يتعلق بهذه الوحدات سوف يمس قطاعات عريضة من المنتفعين بهذه الأنشطة، ويتعداهم إلى فئات أوسع من المرتبطين بنشاطهم أو المنتفعين بهذا النشاط، وهو ما ينجم عنه تداعيات بالغة الخطورة من الكساد والبطالة والتشريد. ولم يكتف المشرع بالاعتبارات المتقدمة وإنما جهد لتحقيق التوازن فى العلاقة الايجارية والمساواة بين طرفيها وعدم مضارة المؤجرين، فقد تضمنت نصوص القانون المذكور زيادة القيمة الايجارية للعين عقب نشر القانون، ثم توالى الزيادة بعد ذلك بصفة دورية، وهو ما راعى فيه المشرع مصالح المؤجر. كما أن الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 تضمنت النص على عدم استمرار العقد بموت أحد من أصحاب حق البقاء فى العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلي دون غيره ولمرة واحدة فقط، ومن ثم يكون ما ذهب إليه المدعى بشأن إهدار النصوص المطعون فيها لحق الملكية مفتقداً لأساسه. وحيث إن ما يثيره المدعى بشأن مخالفة النصوص الطعينة لمواد الدستور أرقام (4, 7، 8، 38، 40، 44، 64) فهو مردود بأن ما قرره الدستور من تأسيس النظام الاشتراكي الديمقراطي على الكفاية والعدل وبناء مصر لمجتمعها وفقاً لمفهوم العدالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، لا يعنى الإخلال بحق المشرع فى مباشرة سطلته التقديرية فى مجال تنظيم الحقوق اتباعاً لضوابط الدستور، وهو ما يقوم به بالمفاضلة بين البدائل المتاحة، مرجحاُ من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التى قصد حمايتها. كما أن مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه فى المادة (8) من الدستور يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها، ويجرى إعماله عند التزاحم عليها، وغاية الحماية الدستورية أن تتقرر أولوية المنتفعين بها وفق أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام. لما كان ذلك، وكان مبدأ المساواة أمام القانون الذى تضمنه نص المادة (40) من الدستور يفترض تماثل المراكز القانونية فى نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعى، ومعاملتها على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التى يتمتعون بها. لما كان ما تقدم, وكانت النصوص الطعينة لا صلة لها بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها، كما أن تلك النصوص تناولت تنظيم بعض جوانب العلاقة الإيجارية لأغراض مشروعة ووفق أسس موضوعية تنأى عن التمييز المنهى عنه بين المخاطبين بها، كما أن ذات النصوص لا تتضمن مساساً بالمواد (38، 44، 64) من الدستور المتعلقة بقيام النظام الضريبى على العدالة الاجتماعية، وحرمة المساكن وسيادة القانون، فإن النعى عليها يكون حرياً بالالتفات عنه. وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكانت نصوص القانون المطعون عليها بالصيغة التى اشترعها المشرع لا تناقض أحكام الدستور، فإنه يتعين الحكم برفض الدعوى. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى, وبمصادرة الكفالة, وألزمت المدعى المصروفات, ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الأولي من المادة الأولي وصدر المادة الرابعة والمادة الخامسة من القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 وببعض الأحكام الخاصة بإيجار الأماكن غير السكنية واللائحة التنفيذية للقانون المذكور.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
حيث إن المصلحة الشخصية المباشرة ـ وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية ـ مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية، لازما في الفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، لما كان ذلك، وكانت الدعوى الموضوعية تقوم على مدى أحقية المدعى في إخلاء العين محل النزاع من المدعى عليهم من الرابع إلى الرابع عشر بعد وفاة مورثهم المستأجر الأصلي، دون أن يمتد إليهم عقد إيجار تلك العين رضاء، فإن مصلحته الشخصية المباشرة تنحصر في الطعن على نص الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 بعد إبدالها بالقانون رقم 6 لسنة 1977، وكذلك ما تضمنته المادة الخامسة من القانون المشار إليه، وأحكام اللائحة التنفيذية للقانون المتعلقة بهاتين المادتين.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
حيث إن الثابت من مضبطة الجلسة الخمسين لمجلس الشعب المعقودة بتاريخ 24 مارس سنة 1997 والمرفقة بالأوراق، أنه عند الاقتراع على مشروع القانون رقم 6 لسنة 1997 محل الطعن، أوضح رئيس المجلس أن أحكامه تسرى بأثر رجعي مما يتطلب طبقا للمادة (187) من الدستور توافر أغلبية خاصة الأمر الذي يقتضى عملا بالمادة (305) من اللائحة الداخلية للمجلس أن يكون أخذ الرأي النهائي عليه نداء بالاسم، وبد ذلك نودي على الأسماء ـ التي أثبتت في ملحق المضبطة ـ ثم أعلن رئيس المجلس أن أخذ الرأي النهائي أسفر عن موافقة (279) عضوا على مشروع القانون. لما كان ذلك، وكان عدد أعضاء مجلس الشعب في تلك الدورة التشريعية (454) عضوا طبقا لما جاء بكتاب السيد أمين عام مجلس الشعب المؤرخ 31 مارس سنة 2002، وكان قد توافر بذلك لهذا القانون ـ وهو تشريع في غير المواد الجنائية ـ ما تتطلبه المادة (187) من الدستور من موافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب على سريان أحكامه بالنسبة للماضي.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
الدستور حدد على سبيل الحصر الجهات التي تختص بإصدار اللوائح التنفيذية، فقصرها على رئيس الجمهورية أو من يفوضه في ذلك أو من يعينه القانون لإصدارها؛ بحيث يمتنع على من عداهم ممارسة هذا الاختصاص الدستوري وإلا وقع عمله اللائحي مخالفا لنص المادة (144) المشار إليها. متى كان ذلك، وكان القانون رقم 6 لسنة 1997 لم يعهد إلى جهة معينة بإصدار القرارات اللازمة لتنفيذه، فإن صدور اللائحة المطعون عليها بقرار من رئيس الجمهورية في الحدود التي رسمتها المادة (144) في شأن اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين لا ينطوي على ثمة مخالفة دستورية.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا ـ أن النص في المادة الثانية من الدستور ـ بعد تعديلها في سنة 1980 ـ على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتجلى عن دعوة المشرع كي يتخذ من الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا فيما يسنه من تشريعات تصدر بعد العمل بالتعديل الدستوري المشار إليه، فلا يجوز منذ ذلك التاريخ لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التي لا تحمل اجتهادا، ومن ثم لا يقبل إقرار أية قاعدة قانونية تخالفها. وليست كذلك الأحكام الظنية في ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معا، وهي التي تتسع لدائرة الاجتهاد يسطع فيها تنظيما لشئون العباد، وضمانا لمصالحهم.
📌 المبدأ / الفقرة (5)
الاجتهاد وإن كان حقا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكو ن هذا الحق مقررا لولي الأمر، يبذل جهده في استنباط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، ويعمل حكم العقل فيما لا نص فيه توصلا لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بعباده، وتسعها الشريعة الإسلامية التي لا تضفي قدسية على آراء أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة المصلحة الحقيقة التي لا تناقض المقاصد العليا للشريعة، فالآراء الاجتهادية لا تجاوز حجيتها قد اقتناع أصحابها بها، ولا يساغ بالتالي اعتبارها شرعا مقررا لا يجوز نقضه، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى وإنكار لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد، ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس بالضرورة أحق بالإتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء أكثرها ملائمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لأقوال كثيرة أمتد العمل بها زمنا.
📌 المبدأ / الفقرة (6)
حيث إنه ليس ثمة نص قطعي يقرر حكما فاصلا في شأن جواز امتداد عقد إيجار الأماكن غير السكنية بعد وفاة المستأجر الأصلي إلى ورثته، ومن ثم يكون سبيل الاجتهاد في هذا الشأن طليقا طالما التزم مقاصد الشريعة العليا. آية ذلك أن غالبية مذاهب جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة" قد اتفقت على أن وفاة المستأجر لا ينفسخ بها عقد الإيجار، لأنه تملك بهذا العقد من المنافع ما يورثه لورثته عند وفاته، فيقومون مقامه استيفاء ما ورثوه من منافع، في حين أن الأحناف ومن سايرهم خلفوا هذا الرأي، والخلاف بين الرأيين إن هو إلا تعبير عن جواز الاجتهاد، وجواز الخلاف فيما هو أقرب لتحقيق مصالح الناس بحسب ظروف الزمان والمكان، وإذا كان المقرر ـ في قضاء المحكمة الدستورية العليا ـ أنه يجوز لولي الأمر أن يشترع على خلاف اجتهادات السابقين، وأن ينظم شئون العباد تبعا لما طرأ على مصالحهم من تغيير وتطوير، ومن ثم كان حقا عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن مؤثما، وألا يشترع حكما يضيق على الناس أو يرهقهم من أمرهم عنتا. وإذا كانت النصوص المطعون فيها لا تخالف ـ على ما تقدم ـ نصا قطعيا في أمر عقد الإيجار، فإنه لم يعد هناك ما يسوغ للقول بمخالفتها للمادة الثانية من الدستور.
📌 المبدأ / الفقرة (7)
حيث إن ـ من المستقر عليه في قضاء المحكمة الدستورية العليا ـ أن الدستور حرص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء وفى الحدود وبالقيود التي أوردها، إلا أن تلك الملكية لم تعد حقا مطلقا يتأبى على التنظيم التشريعي، بل غدا تنظيمها لازما، ضمانا لأداء وظيفتها الاجتماعية التي يتحدد نطاقها ومرماها وفقا لطبيعة الأموال محلها، والأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبذلك يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المنافع دون أن تتنافر، وإذا كانت الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز على وجه الخصوص في العلائق الإيجارية، فقد كان خليقا بالمشرع أن يتدخل لأداء هذه الوظيفة، مراعاة لخصائص الأعيان المؤجرة وطبيعة المصالح التي تتزاحم من حولها، وضرورة موازنتها لمواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المعدة لمباشرة الأنشطة التجارية أو الصناعية أو المهنية أو الحرفية، المقابلة للزيادة المطردة في الطلب عليها، بما يضمن التوفيق بينها، حفاظا لمصلحة الجماعة وتأمينا للاستقرار الاجتماعي، وهو في ذلك يؤثر المصالح الأولى بالرعاية والأجدر بالحماية. متى كان ذلك، وكان البين من نصوص القانون رقم 6 لسنة 1997، التي انتظمت العلاقة الإيجارية بين المؤجر ومستأجر الأماكن غير السكنية، أنها تؤلف تدبيرا فيه مزاوجة بين حقوق المؤجرين ومصالح المستأجرين، فقد قصر المشرع امتداد عقد إيجار تلك الأماكن على زوج وأقارب المستأجر الأصلي حتى الدرجة الثانية فقط، وأثقل ذلك الامتداد بقيود عدة، حينما استلزم أن يكون شغل الورثة المذكورين للعين المؤجرة مرتبطا بحاجتهم إليها بوصفها مكانا يباشرون فيه ذات المهنة أو الحرفة أو ذات النشاط الذي كان يباشره مورثهم الأصلي، سواء كان ذلك بأنفسهم أو بمن ينوب عنهم، ضمانا لأن يكون شغلهم للعين ناشئا ضرورة حقيقية لاستمرار مورد رزقهم ومصدر عيشهم، وتأكيدا في الوقت ذاته على تواصل نشاط هذه المراكز الحرفية الصناعية التجارية، مما يوفر استثمارا أفضل للأموال المرصودة عليها، ويحفظ المردود الاقتصادي العائد منها، ولم يغفل المشرع الضرورة التي تفرضها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فقد جاء بتقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ومكتب لجنة الإسكان والمرافق والتعمير المشكلة بمجلس الشعب لدراسة مشروع القانون: "أن عدد الوحدات الإيجارية القائمة التي سيشملها تطبيق النص تصل إلى 776 ألف وحدة إيجارية وكل منها تمثل نشاط أسرة بأكملها، أي ما يقترب من ثلاثة ملايين مواطن". وبذلك فإن أي تشريع يتعلق بهذه الوحدات سوف يمس قطاعات عريضة من المنتفعين بهذه الأنشطة، ويتعداهم لأي فئات أوسع من المرتبطين بنشاطهم أو المنتفعين بهذا النشاط، وهو ما ينجم عنه تداعيات بالغة الخطورة من الكساد والبطالة والتشريد. ولم يكتف المشرع بالاعتبارات المتقدمة وإنما جهد لتحقيق التوازن في العلاقة الإيجارية والمساواة بين طرفيها وعدم مضارة المؤجرين، فقد تضمنت نصوص القانون المذكور زيادة القيمة الإيجارية للعين عقب نشر القانون، ثم توالى الزيادة بعد ذلك بصفة دورية، وهو ما راعى فيه المشرع مصالح المؤجر. كما أن الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 تضمنت النص على عدم استمرار العقد بموت أحد من أصحاب حق البقاء في العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلي دون غيره ولمرة واحدة فقط، ومن ثم يكون ما ذهب إليه المدعى بشأن إهدار النصوص المطعون فيها لحق الملكية مفتقدا لأساسه.
📌 المبدأ / الفقرة (8)
ما قرره الدستور من تأسيس النظام الاشتراكي الديمقراطي على الكفاية العدل وبناء مصر لمجتمعها وفقا لمفهوم العدالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، لا يعني الإخلال بحق المشرع في مباشرة سلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق إتباعا لضوابط الدستور، وهو ما يقوم به بالمفاضلة بين البدائل المتاحة، مرجحا من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد حمايتها.
📌 المبدأ / الفقرة (9)
مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليها في المادة (8) من الدستور يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويجرى إعماله عن التزاحم عليها، وغاية الحماية الدستورية أن تتقرر أولوية المنتفعين بها وفق أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام.
📌 المبدأ / الفقرة (10)
مبدأ المساواة أمام القانون الذي تضمنه نص المادة (40) من الدستور يفترض تماثل المراكز القانونية في نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي، ومعاملتها على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التي يتمتعون بها. لما كان ما تقدم، وكانت النصوص الطعينة لا صلة لها بفرض قائمة يجرى التزاحم عليها، كما أن تلك النصوص تناولت تنظيم بعض جوانب العلاقة الإيجارية لأغراض مشروعة ووفق أسس موضوعية تنأى عن التمييز المنهي عنه بين المخاطبين بها، كما أن ذات النصوص لا تتضمن مساسا بالمواد (38، 44، 64) من الدستور المتعلقة بقيام النظام الضريبي على العدالة الاجتماعية، وحرمة المساكن، وسيادة القانون، فإن النعي عليها يكون حريا بالالتفات عنه.
📌 المبدأ / الفقرة (11)
ومن ثم يكون سبيل الاجتهاد في هذا الشأن طليقا مادام التزم مقاصد الشريعة العليا.
📌 المبدأ / الفقرة (12)
البين من نصوص القانون رقم 6 لسنة 1997، التي انتظمت العلاقة الإيجارية بين المؤجر ومستأجر الأماكن غير السكنية، أنها تؤلف تدبيرا فيه مزاوجة بين حقوق المؤجرين ومصالح المستأجرين.
📌 المبدأ / الفقرة (13)
أن الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1997 تضمنت النص على عدم استمرار العقد بموت أحد من أصحاب حق البقاء في العين إلا لصالح المستفيدين من ورثة المستأجر الأصلي دون غيره ولمرة واحدة فقط.