⚖️ إشراف وبناء قاعدة البيانات: أ / محمد عاطف محمد (محامٍ ومطور برمجيات)
شعار الموسوعة
موسوعة الأحكام القضائية المصرية
محكمة النقض • الدستورية العليا • مجلس الدولة
الرجوع إلى صفحة البحث الرئيسية

الطعن رقم 201 لسنة 23 قضائية

المحكمة الدستورية العليا 2002-12-15 سنة المكتب الفني: 10
ملخص / وقائع الدعوى: دستور

المبادئ القانونية المستخلصة

⚖️ شريعة اسلامية - الطلاق
⚖️ المادة 20 من القانون رقم 1 لسنة 2000 ببعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية - عدم مخالفته المادة الثانية من الدستور
⚖️ التنظيم التشريعي للخلع - مقاصده - دعوى التطليق للخلع - عدم قابلية الحكم فيها للطعن عليه
⚖️ دستور - سلطة المشرع التقديرية في تنظيم الحقوق - ضوابطها - مبدأ المساواة - حق التقاضي
⚖️ المادة الثانية - مبادئ الشريعة الاسلامية - الأحكام القطعية - الاجتهاد - الأحكام الظنية - اجتهاد ولى الأمر
⚖️ شريعة اسلامية - علاقة زوجية - قوامها - الطلاق - حق الزوجة في طلب التطليق - الخلع - مفهومه - أصل شرعته - أحكامه التفصيلية - الحكمة من تقريره

نص وأسباب ومنطوق الحكم

🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة السيد المستشار الدكتور / ماهر البحيري (رئيس المحكمة) وعضوية السادة المستشارين: علي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي وعبد الوهاب عبد الرازق والدكتور حنفي علي جبالي ومحمد عبد العزيز الشناوي والسيد عبد المنعم حشيش وحضور السيد المستشار / عادل عمر شريف (رئيس هيئة المفوضين) وحضور السيد / ناصر أمام محمد حسن (أمين السر)
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة. وحيث إن الوقائع على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل فى أن المدعى عليها الثالثة كانت قد أقامت الدعوى رقم 532 لسنة 2000 أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية للأحوال الشخصية بطلب الحكم بخُلعها من زوجها المدعى؛ طلقةً بائنةً مقابل ردها عاجل الصداق والشبكة، وتنازلها عن مؤخر الصداق، على سندٍ من أن المدعى كان قد تزوجها بصحيح العقد الشرعى المؤرخ25/7/1997، وقد دبّ الخلاف بينهما إلى حد لم تعد تطيق الحياة معه وأصبحت تخشى من أن تُغضب الله إزاء كراهيتها لزوجها وعدم رغبتها فى معاشرته . وعرضت محكمة الموضوع الصلح على الطرفين فرفضته المدعى عليها الثالثة وقبله المدعى، فقررت المحكمة ترشيح حكمين، وإذ باشرا مهمتهما، وقدما تقريراً يوصى بخُلعها منه بعد أن تبين لهما استحالة العشرة بينهما، واستعدادها للتنازل عما لها من حقوق لديه ، دفع المدعى بعدم دستورية القانون رقم 1 لسنة 2000 المشار إليه، والمادة (20) منه، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة. وحيث إن المدعى ينعى على القانون رقم 1 لسنة 2000 المشار إليه عدم عرض مشروعه على مجلس الشورى باعتباره من القوانين المكملة للدستور، مما يخالف أحكام المادتين (194 و195) من الدستور. وحيث إن هذا النعى غير صحيح ، ذلك أنه وأياً كان وجه الرأى فى اعتبار القانون الطعين من القوانين المكملة للدستور فالثابت أن مشروعه قد عُرض على مجلس الشورى؛ وتمت الموافقة عليه بعد أن جرت مناقشته فى دور الانعقاد الحادى والعشرين للمجلس؛ أولاً: بجلستيه التاسعة والعاشرة المعقودتين بتاريخ 25/12/1999 ثم بجلستيه الحادية عشرة والثانية عشرة المعقودتين بتاريخ 26/12/1999، حسبما جاء بمضابط تلك الجلسات وكتاب المستشار أمين عام مجلس الشورى رقم 100 بتاريخ 10/12/2000. وحيث إن المادة (20) من القانون رقم 1 لسنة 2000 المشار إليه تنص على أن: "للزوجين أن يتراضيا فيما بينهما على الخُلع، فإن لم يتراضيا عليه وأقامت الزوجة دعواها بطلبه وافتدت نفسها وخالعت زوجها بالتنازل عن جميع حقوقها المالية الشرعية وردت عليه الصداق الذى أعطاه لها، حكمت المحكمة بتطليقها عليه. ولا تحكم المحكمة بالتطليق للخُلع إلا بعد محاولة الصلح بين الزوجين، وندبها لحكمين لموالاة مساعى الصلح بينهما، خلال مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وعلى الوجه المبين بالفقرة الثانية من المادة (18) والفقرتين الأولى والثانية من المادة (19) من هذا القانون، وبعد أن تقرر الزوجة صراحةً أنها تبغض الحياة مع زوجها وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما وتخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض. ولا يصح أن يكون مقابل الخُلع إسقاط حضانة الصغار، أو نفقتهم أو أى حق من حقوقهم. ويقع بالخُلع فى جميع الأحوال طلاق بائن. ويكون الحكم فى جميع الأحوال غير قابل للطعن عليه بأى طريق من طرق الطعن ". وحيث إن المدعى ينعى على المادة (20) المطعون عليها مخالفتها للدستور؛ لمناقضتها لأحكام الشريعة الإسلامية التى تشترط قبول الزوج للخُلع، فضلاً عن أن ما قررته من عدم قابلية الحكم الصادر بالخُلع للطعن بأى طريق؛ فيه إهدار لحق التقاضى الذى كفله الدستور للناس كافة. وحيث إنه عن النعى بمخالفة النص الطعين لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن المقرر فى قضاء هذه المحكمة، أن المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى سنة 1980 إذ نصت على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، فإن مقتضى ذلك أنه لا يجوز لنص تشريعى يصدر فى ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يمتنع الاجتهاد فيها لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية ثوابتها التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً، وليست كذلك الأحكام الظنية فى ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معاً، فهذه تتسع دائرة الاجتهاد فيها تنظيماً لشئون العباد، وضماناً لمصالحهم التى تتغير وتتعدد مع تطور الحياة وتغير الزمان والمكان، وهو اجتهاد وإن كان جائزاً ومندوباً من أهل الفقه، فهو فى ذلك أوجب وأولى لولى الأمر، يبذل جهده فى استنباط الحكم الشرعى من الدليل التفصيلى، ويُعمل حكم العقل فيما لا نص فيه ؛ توصلاً لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بعباده، وتسعها الشريعة الإسلامية التى لا تضفى قدسية على آراء أحد من الفقهاء فى شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة المصلحة الحقيقية للجماعة التى لا تناقض المقاصد العليا للشريعة، ويكون اجتهاد ولى الأمر بالنظر فى كل مسألة بخصوصها بما يناسبها؛ إخماداً للثائرة، وإنهاءً للتنازع والتناحر، وإبطالاً للخصومة، مستعيناً فى ذلك كله بأهل الفقه والرأى، وهو فى ذلك لا يتقيد بالضرورة بآراء الآخرين، بل يجوز أن يُشرِّع على خلافها، وأن ينظم شئون العباد فى بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة، بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله؛ وكان حقاً عليه عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً، فلا يُضيّق على الناس، أو يُرهقهم من أمرهم عُسراً؛ وإلا كان مصادماً لقوله تعالى "ما يريد الله ليجعل عليكم فى الدين من حرج ". وحيث إنه لما كان الزواج قد شُرع فى الأصل ليكون مؤبداً، ويستمر صالحاً، وكانت العلاقة الشخصية بين الزوجين هى الصلة التى تجعل الحياة الزوجية صالحة فيبقى الزواج بها، لذلك فقد حرص الشارع عز وجل على بقاء المودة وحث على حسن العشرة، ولكن عندما تحل الكراهية محل المودة والرحمة، ويشتد الشقاق ويصعب الوفاق، فقد رخص سبحانه وتعالى للزوج أن ينهى العلاقة بالطلاق يستعمله عند الحاجة وفى الحدود التى رسمها له الشارع الحكيم، وفى مقابل هذا الحق الذى قرره جل شأنه للرجل فقد كان حتماً مقضياً أن يقرر للزوجة حقاً فى طلب التطليق لأسباب عدة، كما قرر لها حقاً فى أن تفتدى نفسها فترد على الزوج ما دفعه من عاجل الصداق وهو ما عُرِفَ بالخُلع. وفى الحالين، فإنها تلجأ إلى القضاء الذى يطلقها لسبب من أسباب التطليق، أو يحكم بمخالعتها لزوجها، وهى مخالعة قال الله تعالى فيها: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون " الآية رقم 229 من سورة البقرة بما مؤداه أن حق الزوجة فى مخالعة زوجها وافتداء نفسها مقابل الطلاق قد ورد به نص قرآنى كريم قطعى الثبوت، ثم جاءت السنة النبوية الكريمة لتُنزل الحكم القرآنى منزلته العملية، فقد روى البخارى فى الصحيح عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبى _ صلى الله عليه وسلم _ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت فى دين ولا خلق، إلا أنى أخاف الكفر فى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم وأزيد، فقال لها أما الزيادة فلا، فردت عليه حديقته، فأمره؛ ففارقها. وقد تعددت الروايات فى شأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها الرواية السابقة ومنها أنه أمره بتطليقها، وفى رواية أخرى أنه طلقها عليه، وكان ثابت بن قيس غير حاضر، فلما عرف بقضاء رسول الله قال: رضيت بقضائه. فالخُلع إذاً فى أصل شرعته من الأحكام قطعية الثبوت لورود النص عليه فى كل من القرآن والسنة. أما أحكامه التفصيلية فقد سكت عنها العليم الخبير جل شأنه لحكمة قدرها وتبعه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فى ذلك، ولذا فقد اجتهد الفقهاء فى شأن هذه الأحكام، فمنهم من ذهب إلى لزوم موافقة الزوج على الخُلع، قولاً بأن ما ورد بالحديث الشريف من رد الحديقة والأمر بالمفارقة ، كان من قبيل الندب والإرشاد؛ فلا يقع الطلاق بالخُلع إلا بموافقة الزوج، على حين ذهب فريق آخر إلى أن الأمر بالمفارقة كان أمر وجوب؛ فيقع الخُلع إما برضاء الزوجين، أو بدون موافقة الزوج وذلك بحكم ولى الأمر أو القاضى، فكان لزاماً حتى لا يشق الأمر على القاضى أن يتدخل المشرع لبيان أى من الرأيين أولى بالاتباع، وهو ما نحا إليه النص المطعون فيه؛ فأخذ بمذهب المالكية وأجاز للزوجة أن تخالع إذا ما بغضت الحياة مع زوجها وعجز الحكمان عن الصلح بينهما فيخلعها القاضى من زوجها بعد أخذ رأى الحكمين، على أن تدفع إليه ما قدمه فى هذا الزواج من عاجل الصداق. وليس ذلك إلا إعمالاً للعقل بقدر ما تقتضيه الضرورة بما لا ينافى مقاصد الشريعة الإسلامية وبمراعاة أصولها؛ ذلك أن التفريق بين الزوجين فى هذه الحالة، من شأنه أن يحقق مصلحة للطرفين معاً، فلا يجوز أن تُجبر الزوجة على العيش مع زوجها قسراً عنها؛ بعد إذ قررت أنها تبغض الحياة معه، وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما، وأنها تخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض، مما حدا بها إلى افتدائها لنفسها وتنازلها له عن جميع حقوقها المالية الشرعية وردها الصداق الذى أعطاه لها. والقول باشتراط موافقة الزوج يؤدى إلى إجبار الزوجة على الاستمرار فى حياة تبغضها؛ وهو ما يبتعد بعلاقة الزواج عن الأصل فيها، ألا وهو السكن والمودة والتراحم، ويجعل الزوج، وقد تخفف من كل عبء مالى ينتج عن الطلاق، غير ممسك بزوجته التى تبغضه إلا إضراراً بها، وهو إضرار تنهى عنه الشريعة الإسلامية، وتتأذى منه العقيدة الإسلامية فيما قامت عليه من تكامل أخلاقى وسمو سلوكى، ويتنافى مع قاعدة أصولية فى هذه الشريعة وهى أنه لا ضرر ولا ضرار. وحيث إنه لما تقدم، فإن النص الطعين يكون قد نهل من أحكام الشريعة الإسلامية منهلاً كاملاً، فقد استند فى أصل قاعدته إلى حكم قطعى الثبوت، واعتنق فى تفاصيله رأى مذهب من المذاهب الفقهية، بما يكون معه فى جملته موافقاً لأحكام هذه الشريعة السمحة، ويكون النعى عليه مخالفتها ومن ثم مخالفة المادة الثانية من الدستور نعياً غير صحيح بما يوجب رفضه. وحيث إن الأصل فى السلطة التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق- ومن بينها حق التقاضى المقرر بنص المادة (68) من الدستور - هو إطلاقها ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، منها أن هذا التنظيم ينبغى ألا يؤدى إلى إجراء تمييز تحكمى فيما بين أصحاب المراكز القانونية المتكافئة بلا أساس موضوعى يبرره، كما أنه ليس كل تقسيم تشريعى يعتبر منافياًُ لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن يُنظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه بالمادة (40) من الدستور إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض واتصال هذه الوسائل منطقياً بها، إذ لا يتصور أن يكون التقسيم التشريعى منفصلاً عن هذه الأغراض التى يتغياها المشرع. لما كان ذلك وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قصر التقاضى على درجة واحدة لا يناقض الدستور، وإنما يدخل فى إطار السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، فإن ذلك مؤداه أن الوقوف بالتقاضى عند درجة واحدة استناداً إلى أسس موضوعية، لا ينتقص من حق التقاضى الذى يكفله الدستور للناس كافة. وحيث إن التنظيم التشريعى للخلع طبقاً للنص المطعون فيه هو تنظيم متكامل ينفرد بكونه وحدةً لا تتجزأ فى جميع عناصرها ومقتضياتها الشرعية، قصد به المشرع دفع الضرر ورفع الحرج عن طرفى العلاقة الزوجية، إذ يرمى إلى رفع الظلم عن الزوجات اللاتى يعانين من تعنت الأزواج عندما يستحكم النفور ويستعصى العلاج كما يرفع عن كاهل الأزواج كل عبء مالى يمكن أن ينجم عن إنهاء العلاقة الزوجية، فالتنظيم يقوم على افتداء الزوجة نفسها بتنازلها عن جميع حقوقها المالية الشرعية، ورد عاجل الصداق الذى دفعه الزوج لها ، المثبت فى عقد الزواج أو الذى تقدره المحكمة عند التنازع فيه، وإقرارها بأنها تبغض الحياة مع زوجها وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة بينهما، وتخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض، فإذا لم يوافق الزوج على التطليق، فإن المحكمة تقوم بدورها فى محاولة للصلح بين الزوجين ثم تندب حكمين لموالاة ذلك، دون التزام على الزوجة بأن تبدى أسباباً لا تريد الإفصاح عنها، ومن ثم لا تبحث المحكمة أسباباً معينة قانونية أو شرعية، أو تحقق أضراراً محددة يمكن أن تكون قد لحقت بها، فإن لم يتم الوفاق، وعجز الحكمان عنه؛ تتحقق المحكمة من رد الزوجة لعاجل الصداق بعد أن تستوثق من إقراراتها، ثم تحكم بالخُلع؛ الذى تقع به طلقة بائنة، أخذاً بما أجمع عليه فقهاء المسلمين، ومن ثم يكون أمراً منطقياً أن ينص المشرع على أن الحكم الصادر بالخُلع فى جميع الأحوال يكون غير قابل للطعن عليه بأى طريق من طرق الطعن، تقديراً بأن الحكم يُبنى هنا على حالة نفسية وجدانية تقررها الزوجة وحدها، وتُشهد الله وحده على بغضها الحياة مع زوجها وخشيتها هى دون سواها ألا تقيم حدود الله، ومن ثم تنتفى كليةً علة التقاضى على درجتين، حيث تعطى درجة التقاضى الثانية فرصة تدارك ما عساها تخطئ فيه محكمة أول درجة من حصر للوقائع أو استخلاص دلالتها، أو إلمام بأسباب النزاع، أو تقدير لأدلته، أو إنزال صحيح حكم القانون عليه، بما مؤداه أن دعوى التطليق للخُلع تختلف فى أصلها ومرماها عن أية دعوى أخرى، حيث تقتضى أن يكون الحكم الصادر فيها منهياً للنزاع برمته وبجميع عناصره، بما فى ذلك ما قد يُثار فيها من نزاع حول عاجل الصداق الواجب رده، والقول بغير ذلك يفتح أبواب الكيد واللدد فى الخصومة التى حرص المشرع على سدها ويهدم التنظيم من أساسه، فلا يحقق مقاصده الشرعية والاجتماعية المنشودة. ومتى كان ما تقدم، فإن النص الطعين فيما قرره من عدم قابلية الحكم الصادر بالخُلع للطعن عليه بأى طريق من طرق الطعن يكون قائماً على أسس موضوعية تسانده وينهض أيضاً مبرراً لمغايرته فى هذا الشأن عما سواه من أحكام تصدر بالتطليق للضرر أو لغيره من أسباب، ومن ثم فلا يكون النص الطعين، فيما تضمنه من عدم قابلية الحكم الصادر بالخُلع للطعن عليه بأى طريق من طرق الطعن، منتقصاً من حق التقاضى أو مارقاً عن مبدأ المساواة. وحيث إن النص الطعين لا يخالف أى حكم آخر من أحكام الدستور. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية المادة (20) من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2000 فيما نصت عليه من أن الحكم الصادر بالخُلع غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن المادة الثانية من الدستور ـ بعد تعديلها في سنة 1980 ـ إذ نصت على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فإن مقتضى ذلك أنه لا يجوز لنص تشريعي يصدر في ظله أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام هي وحدها التي يمتنع الاجتهاد فيها لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية ثوابتها التي لا تحتمل تأويلا أو تبديلا، وليست كذلك الأحكام الظنية في ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معا، فهذه تتسع دائرة الاجتهاد فيها تنظيما لشئون العباد، وضمانا لمصالحهم التي تتغير وتتعدد مع تطور الحياة وتغير الزمان والمكان، وهو اجتهاد وإن جاز مندوبا من أهل الفقه، فهو في ذلك أوجب وأولى لولى الأمر، يبذل جهده في استنباط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، ويعمل حكم العقل فيما لا نص فيه؛ توصلا لتقرير قواعد علمية يقتضيها عدل الله ورحمته بعباده، وتسعها الشريعة الإسلامية التي لا تضفى قدسية على آراء أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة المصلحة الحقيقية التي لا تناقض المصالح العليا للشريعة، ويكون اجتهاد ولي الأمر بالنظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها؛ إخمادا للثائرة، وإنهاء للتنازع والتناحر، وإبطالا للخصومة، مستعينا في ذلك كله بأهل الفقه والرأي، وهو في ذلك لا يتقيد بالضرورة بآراء الآخرين، بل يجوز أن يشرع على خلافها، وان ينظم شئون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة، بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله؛ وكان حقا عليه عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثما، فلا يضيق على الناس، أو يرهقهم من أمرهم عسرا؛ وإلا كان مصادما لقوله تعالى "ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج".
📌 المبدأ / الفقرة (2)
وحيث إنه لما كان الزواج قد شرع ـ في الأصل ـ ليكون مؤبدا، ويستمر صالحا، وكانت العلاقة الشخصية بين الزوجين هي الصلة التي تجعل الحياة الزوجية صالحة فيبقى الزواج بها، لذلك فقد حرص الشارع ـ عز وجل ـ على بقاء المودة وحث على حسن العشرة، ولكن عندما تحل الكراهية محل المودة والرحمة، ويشتدد الشقاق ويصعب الوفاق، فقد رخص سبحانه وتعالى للزوج أن ينهي العلاقة بالطلاق يستعمله عند الحاجة وفى الحدود التي رسمها له الشارع الحكيم.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
وفى مقابل هذا الحق الذي قرره جل شأنه للرجل فقد كان مقضيا أن يقرر للزوجة حقا في طلب التطليق لأسباب عدة، كما قرر لها حقا في أن تفتدي نفسها فترد على الزوج ما دفعه من عاجل الصداق وهو ما عرف بالخلع. وفى الحالين، فإنها تلجأ إلى القضاء الذي يطلقها لسبب من أسباب التطليق، أو يحكم بمخالعتها لزوجها، وهى مخالعة قال الله تعالى فيها: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلى يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون" ـ الآية رقم (229) من سورة البقرة ـ بما مؤداه أن حق الزوجة في مخالعة زوجها وافتداء نفسها مقابل الطلاق قد ورد به نص قرآني كريم قطعي الثبوت، ثم جاءت السنة النبوية الكريمة لتنزل الحكم القرآني منزلته العملية، فقد روى البخاري في الصحيح عن عكرمة بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أنى أخاف الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : "أفتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم وأزيد، فقال لها أما الزيادة فلا، فردت عليه حديقته، فأمره؛ ففارقها. وقد تعددت الروايات في شأن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منها الرواية السابقة ومنها أنه أمره بتطليقها، وفى رواية أخرى أنه طلقها عليه، وكان ثابت بن قيس غير حاضر، فلما عرف بقضاء رسول الله قال: رضيت بقضائه. فالخلع إذن في أصل شرعته من الأحكام القطعية الثبوت لورود النص عليه في كل من القرآن والسنة. أما أحكامه التفصيلية فقد سكت عنها العليم الخبير جل شأنه ـ لحكمة قدرها ـ وتبعه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، ولذا فقد اجتهد الفقهاء في شأن هذه الأحكام، فمنهم من ذهب إلى لزوم موافقة الزوج على الخلع، قولا بأن ما ورد بالحديث الشريف من رد الحديقة والأمر بالمفارقة، كان من قبيل الندب والإرشاد؛ فلا يقع الطلاق بالخلع إلا بموافقة الزوج، على حين ذهب فريق آخر إلى أن الأمر بالمفارقة كان أمر وجوب؛ فيقع الخلع إما برضاء الزوجين، أو بدون موافقة الزوج وذلك بحكم ولى الأمر أو القاضي، فكان لزاما ـ حتى لا يشق الأمر على القاضي ـ أن يتدخل المشرع لبيان أي من الرأيين أولى بالإتباع، وهو ما نحا إليه النص المطعون فيه؛ فأخذ بمذهب المالكية وأجاز للزوجة أن تخالع إذا ما بغضت الحياة مع زوجها وعجز الحكمان عن الصلح بينهما فيخلعها القاضي من زوجها بعد أخذ رأي الحكمين، على أن تدفع إليه ما قدمه في هذا الزواج من عاجل الصداق. وليس ذلك إلا إعمالا للعقل بقدر ما تقتضيه الضرورة بما لا ينافى مقاصد الشريعة الإسلامية وبمراعاة أصولها؛ ذلك أن التفريق بين الزوجين في هذه الحالة، من شأنه أن يحقق مصلحة للطرفين معا، فلا يجوز أن تجبر الزوجة على العيش مع زوجها قصرا عنها؛ بعد إذ قررت أنها تبغض الحياة معه، وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما، وأنها تخشى إلا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض، مما حدا بها إلى افتدائها لنفسها وتنازلها عن جميع حقوقها المالية الشرعية وردها الصداق الذي أعطاه لها. والقول باشتراط موافقة الزوج يؤدى إلى إجبار الزوجة على الاستمرار في حياة تبغضها؛ وهو ما يبتعد بعلاقة الزواج عن الأصل فيها، ألا وهو السكن والمودة والتراحم، ويجعل الزوج، وقد تخفف من كل عبء مالي ينتج عن الطلاق، غير ممسك بزوجته التي تبغضه إلا إضرارا بها، وهو إضرار تنهي عنه الشريعة الإسلامية، وتتأذى منه العقيدة الإسلامية فيما قامت عليه من تكامل أخلاقي وسمو سلوكي، ويتنافى مع قاعدة أصولية في هذه الشريعة وهي أنه لا ضرر ولا ضررا.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
وحيث أنه لما تقدم، فإن النص الطعين يكون قد نهل من أحكام الشريعة الإسلامية منهلا كاملا، فقد استند في أصل قاعدته إلى حكم قطعي الثبوت، واعتنق في تفاصيله رأي مذهب من المذاهب الفقهية، بما يكون معه في جملته موافقا لأحكام هذه الشريعة السمحة، ويكون النعي عليه مخالفتها ومن ثم مخالفة المادة الثانية من الدستور نعيا غير صحيح بما يوجب رفضه.
📌 المبدأ / الفقرة (5)
وحيث أن الأصل في السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق ـ ومن بينها حق التقاضي المقرر نص المادة (68) من الدستور ـ هو إطلاقها ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، منها أن هذا التنظيم ينبغي ألا يؤدي إلى إجراء تمييز تحكيمي فيما بين أصحاب المراكز القانونية المتكافئة بلا أساس موضوعي يبرره.
📌 المبدأ / الفقرة (6)
ليس كل تنظيم تشريعي يعتبر منافيا لمبدأ المساواة، بل يتعين دوما أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون ـ المنصوص عليه بالمادة (40) من الدستور ـ إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض واتصال هذه الوسائل منطقيا بها، إذ لا يتصور أن يكون التقسيم التشريعي منفصلا عن هذه الأغراض التي يتغياها المشرع. لما كان ذلك وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قصر التقاضي على درجة واحدة لا يناقض الدستور، وإنما يدخل في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيمه الحقوق، فإن ذلك مؤداه أن الوقوف بالتقاضي عند درجة واحدة استنادا إلى أسس موضوعية، لا ينتقص من حق التقاضي الذي يكفله الدستور للناس كافة.
📌 المبدأ / الفقرة (7)
التنظيم التشريعي للخلع ـ طبقا للنص المطعون فيه ـ هو تنظيم متكامل ينفرد بكونه وحدة لا تتجزأ في جميع عناصرها ومقتضياتها الشرعية، قصد به المشرع دفع الضرر ورفع الحرج عن طرفي العلاقة الزوجية، إذ يرمى إلى رفع الظلم عن الزوجات اللاتي يعانين من تعنت الأزواج عندما يستحكم النفور ويستعصى العلاج كما يرفع عن كاهل الأزواج كل عبء مالي يمكن أن ينجم عن إنهاء العلاقة الزوجية، فالتنظيم يقوم على افتداء الزوجة بنفسها بتنازلها عن جميع حقوقها المالية الشرعية، ورد عاجل الصداق الذي دفعه الزوج لها، المثبت في عقد الزواج أو الذي تقدره المحكمة عند التنازع فيه، وإقراراها بأنها تبغض الحياة مع زوجها وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة بينهما، وتخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا لا بغض، فإذا لم يوافق الزوج على التطليق، فإن المحكمة تقوم بدورها في محاولة للصلح بين الزوجين ثم تندب حكمين لموالاة ذلك، دون التزام على الزوجة بأن تبدي أسبابا لا تريد الإفصاح عنها، ومن ثم لا تبحث المحكمة أسبابا معينة قانونية أو شرعية، أو تحقيق أضرارا محددة يمكن أن تكون قد لحقت بها، فإن لم يتم الوفاق، وعجز الحكمان عنه؛ تحقق المحكمة من رد الزوجة لعاجل الصداق بعد أن تستوثق من إقراراتها، ثم تحكم بالخلع؛ الذي تقع به طلقة بائنة، أخذا بما أجمع عليه فقهاء المسلمين، ومن ثم يكون أمرا منطقيا أن ينص المشرع على أن الحكم الصادر بالخلع في جميع الأحوال يكون غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، تقديرا بأن الحكم يبنى هنا على حالة نفسية وجدانية تقررها الزوجة وحدها، وتشهد الله وحده على بغضها الحياة مع زوجها وخشيتها هي دون سواها إلا تقيم حدود الله، ومن ثم تنتفي كلية علة التقاضي على درجتين، حيث تعطي درجة التقاضي الثانية فرصة تدارك ما عساها تخطئ فيه المحكمة أول درجة من حصر للوقائع أو استخلاص دلالتها، أو إلمام أسباب النزاع، أو تقدير لأدلته، أو إنزال صحيح حكم القانون عليه، بما مؤداه أن دعوى التطليق للخلع تختلف في أصلها ومرماها عن أية دعوى أخرى، حيث تقضى أن يكون الحكم الصادر فيها منهيا للنزاع برمته وبجميع عناصره، بما في ذلك ما قد يثار فيها من نزاع حول عاجل الصداق الواجب رده، والقول بغير ذلك يفتح أبواب الكيد واللدد في الخصومة التي حرص المشرع على سدها ويهدم التنظيم من أساسه، فلا يحقق مقاصد الشرعية والاجتماعية المنشودة.ومتى كان ما تقدم، فإن النص الطعين فيما قرره من عدم قابلية الحكم الصادر بالخلع للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن يكون قائما على أسس موضوعية تسانده وينهض أيضا مبررا لمغايرته ـ في هذا الشأن ـ عما سواه من أحكام تصدر بالتطليق للضرر أو لغيره من أسباب، ومن ثم فلا يكون النص الطعين، فيما تضمنه من عدم قابلية الحكم الصادر بالخلع للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، منتقصا من حق التقاضي أو مارقا من مبدأ المساواة.