الطعن رقم 47 لسنة 22 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
2002-2-10
سنة المكتب الفني: 10
ملخص / وقائع الدعوى:
دعوى دستورية
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ دعوى دستورية - المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها
⚖️ إعماله - أشكاله الإجرائية - تعددها
⚖️ المحاكمة المنصفة - ضمانة الدفاع - صلتها بالحرية الشخصية
⚖️ حق الدفاع - سيادة القانون - ضمانة الدفاع
⚖️ رقابة دستورية - مناطها - مخالفة دستورية - تطبيق التشريع
⚖️ سلطة المشرع التقديرية في تنظيم الحقوق - حدودها - تنظيم حق التقاضي - محاكمة الأحداث
⚖️ مبدأ المساواة - اختلاف المراكز القانونية - تمييز مبرر
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة السيد المستشار الدكتور / محمد فتحي نجيب (رئيس المحكمة)
وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله و علي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي
وحضور السيد المستشار / سعيد مرعي عمرو (رئيس هيئة المفوضين)
وحضور السيد / ناصر أمام محمد حسن (أمين السر)
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة. حيث إن الوقائع على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد اتهمت الحدث (ابن المدعى) بارتكاب جناية هتك عرض، وقدمته للمحاكمة أمام محكمة جنح مركز الفيوم لمعاقبته بالمواد المبينة بأمر الإحالة. وأثناء نظر الدعوى دفع المتهم بعدم دستورية المواد (121 و122 و124) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع ، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية ، فقد أقام المدعى الدعوى الماثلة. وحيث إن المادة (121) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996 تنص على أن " تشكل محكمة الأحداث من ثلاثة قضاة . ويعاون المحكمة خبيران من الأخصائيين أحدهما على الأقل من النساء ويكون حضورهما إجراءات المحاكمة وجوبياً. وعلى الخبيرين أن يقدما تقريرهما للمحكمة بعد بحث ظروف الطفل من جميع الوجوه وذلك قبل أن تصدر المحكمة حكمها . ويعين الخبيران المشار إليهما بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع وزير الشئون الاجتماعية وتحدد الشروط الواجب توافرها فيمن يعين خبيراً بقرار من وزير الشئون الاجتماعية. ويكون استئناف الأحكام الصادرة من محكمة الأحداث أمام محكمة استئنافية تشكل بكل محكمة ابتدائية من ثلاثة قضاة . اثنان منهما على الأقل بدرجة رئيس محكمة . ويراعى حكم الفقرتين السابقتين فى تشكيل المحكمة " . كما تنص المادة (122) من القانون ذاته على أن " تختص محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر فى أمر الطفل عند اتهامه فى إحدى الجرائم أو تعرضه للانحراف. كما تختص بالفصل فى الجرائم المنصوص عليها فى المواد من (113) إلى (116) والمادة (119) من هذا القانون. واستثناء من حكم الفقرة السابقة يكون الاختصاص لمحكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بحسب الأحوال، بنظر قضايا الجنايات التى يتهم فيها طفل جاوزت سنه خمس عشرة سنة وقت ارتكابه الجريمة متى أسهم فى الجريمة غير طفل واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليه مع الطفل. وفى هذه الحالة يجب على المحكمة قبل أن تصدر حكمها أن تبحث ظروف الطفل من جميع الوجوه. ولها أن تستعين فى ذلك بمن تراه من الخبراء ". كما تنص المادة (124) على أن " يتبع أمام محكمة الأحداث فى جميع الأحوال القواعد والإجراءات المقررة فى مواد الجنح ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ". وحيث إن من المقرر وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن المصلحة فى الدعوى الدستورية وهى شرط لقبولها مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعى يدور حول اتهام الحدث وحده بارتكاب جناية هتك عرض وإحالته إلى محكمة جنح الأحداث لمحاكمته، وكان المدعى يرمى من وراء دفعه بعدم الدستورية أن تتم محاكمة الحدث المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات بتشكيلها العادى مع تطبيق الإجراءات المنصوص عليها فى مواد الجنايات، فإن نطاق الدعوى الماثلة يتحدد فيما ورد بنص الفقرتين (1،2) من المادة (121) والفقرة الأولى من المادة (122) والمادة (124) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكام حوتها النصوص الطعينة. وحيث إن المدعى ينعى على النصوص السالفة محددة نطاقاً على النحو المتقدم إخلالها بضمانات المحاكمة المنصفة وحق الدفاع، فضلاً عن إهدار مبدأ المساواة أمام القانون، وقال شرحاً لذلك أن محاكمة الحدث المتهم بجناية رغم جسامة العقوبة تتم أمام قضاة المحكمة الابتدائية الأقل خبرة من المستشارين الذين يحاكم أمامهم غيرهم من المتهمين فى الجنايات، ولا يقدح فى ذلك على ما يرى المدعى وجود خبيرين أحدهما على الأقل من النساء ضمن تشكيل محكمة الأحداث، إذ كشف التطبيق العملى عن تقاعس هؤلاء الخبراء عن أداء عملهم على نحو فعال، كما أن النص على تطبيق القواعد والإجراءات أمام محكمة الجنح عند محاكمة الحدث ، دون تطبيق القواعد والإجراءات المنصوص عليها أمام محكمة الجنايات، يمكن أن يؤدى إلى توكيل محام مبتدئ ليست لديه الخبرة الكافية للدفاع عن الحدث، هذا بالإضافة إلى أنه عند محاكمة المتهمين بارتكاب جناية يؤدى تطبيق النصوص الطعينة إلى الإخلال بمبدأ المساواة من وجهين أولهما: التمييز بين المتهم الحدث وغيره إذ يحاكم الأول أمام محكمة الجنح بينما يحاكم الثانى أمام محكمة الجنايات، وثانيهما: بين المتهم الحدث المسند إليه ارتكاب جناية بمفرده، وبين الحدث الذى تزيد سنه على خمس عشرة سنة إذا اتهم بارتكاب جناية ساهم فيها غير حدث، إذ يحاكم الأول أمام محكمة الجنح بينما يحاكم الثانى أمام محكمة الجنايات. وحيث إن المحاكمة المنصفة والحق فى التقاضى وضمانة الدفاع، وإن كان لكل منها مجاله إلا أنها ترتبط جميعاً برباط وثيق باعتبارها أسساً رئيسية فى إدارة العدالة، وقد كفل الدستور فى مادته السابعة والستين الحق فى المحاكمة المنصفة، بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وهو حق نص عليه الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى مادتيه العاشرة والحادية عشرة التى تقرر أولهما : أن لكل شخص حقاً مكتملاً ومتكافئاً مع غيره فى محاكمة علنية ومنصفة، تقوم عليها محكمة مستقلة ومحايدة ، تتولى الفصل فى حقوقه والتزاماته المدنية، أو فى التهمة الجنائية الموجهة إليه، وتردد ثانيتهما فى فقرتها الأولى : حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية فى أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته فى محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه وهى قواعد استقر العمل على تطبيقها فى الدول الديمقراطية، وتقع فى إطارها مجموعة من الضمانات الأساسية تكفل بتكاملها مفهوماً للعدالة، يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها فى الدول المتحضرة، فتتصل بتشكيل المحكمة، وقواعد تنظيمها، وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها، كما أنها تعتبر فى نطاق الاتهام الجنائى، وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى نص الدستور فى المادة (41) على أنها من الحقوق الطبيعية التى لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه. وحيث إنه فى مجال إعمال حق التقاضى ، فإن المشرع وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة غير مقيد بأشكال إجرائية محددة تمتد إلى المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك أن التنظيم الإجرائى للخصومة القضائية، لا يمكن أن يعكس أنماطاً جامدة موحدة لإطار الفصل فيها، وإلا كان ذلك إغراقاً فى الشكلية ولو كان عقمها بادياً، وإنما يتعين دوماً أن يفاضل المشرع بين صور هذا التنظيم ، ليختار منها ما يكون مناسباً لخصائص المنازعات التى يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً، فتتعدد بالتالى الأشكال التى يقتضيها إنفاذ حق التقاضى، وبما لا إخلال فيه بأبعاده التى كفلها الدستور، وعلى الأخص من زاوية ضماناته الرئيسية التى تمثل إطاراً حيوياً لصون الحقوق على اختلافها. وحيث إن ضمانة الدفاع التى كفلها الدستور بنص المادة (69)، لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضى والمحاكمة المنصفة، وقد نظم الدستور فى إطار من سيادة القانون ضمانة الدفاع محدداً بعض جوانبها، كافلاً إنفاذها باعتبارها مفترضاً أولياً لصون حقوق الأفراد وحرياتهم، بل إن الدستور فى الفقرة الثانية من المادة سالفة الإشارة قد نص على أن يكفل القانون لغير القادرين مالياً وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم، ليؤمن بذلك حق المعوزين فيما يعينهم على صون حقوقهم وحرياتهم. وحيث إن البين من استقراء أحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996 أن الباب الثامن منه قد خصص لبيان المعاملة الجنائية للأحداث والتى تسرى على من لا يجاوز الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة أو عند وجوده فى إحدى حالات التعرض للانحراف، فقرر امتناع المسئولية الجنائية للطفل دون السابعة، وبالنسبة لمن تجاوزها ولما يبلغ الخامسة عشرة فلا يوقع عليه سوى تدابير احترازية معينة، واستبعد تطبيق بعض العقوبات على من بلغ الخامسة عشرة ولم يتجاوز السادسة عشرة، كما منع تطبيق عقوبات معينة على من بلغ السادسة عشرة ولم يتجاوز الثامنة عشرة، وخول المحكمة المختصة إعمال المادة السابعة عشرة من قانون العقوبات بالنزول بالعقوبة على النحو الوارد بها، وأوجب ندب محام للدفاع عن الحدث إن كان متهماً بجناية وأجاز ذلك إن كان متهماً فى جنحة، وقد جاءت هذه الأحكام استرشاداً بمضمون ما حوته المواثيق الدولية المعنية بالأطفال ومن بينها الإعلان العالمى لحقوق الطفل واتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمى لبقاء الطفل وحمايته ونمائه، واستهدفت أحكام القانون المشار إليه على ما أفصحت عنه مذكرته الإيضاحية أن يتضمن باباً للمعاملة الجنائية للطفل يرسم أبعادها ويحدد نطاقها ويضع ضوابطها الموضوعية والإجرائية مستهدفاً بها فى جميع الأحوال وقاية الطفل من خطر الانحراف والجناح وإصلاح سلوكه وتقويمه والبعد به عن شبهات الإجرام ومظانه، وإدراكاً لحقيقة ثابتة هى أن الطفل لا يطرق باب الإجرام لشر متأصل فى نفسه وإنما الغالب أنه يكون ضحية الظروف الاجتماعية والبيئية التى تحيط به، لذلك أخذ المشرع بنظرية الخطورة الاجتماعية وهى نظرية علمية معروفة تنبه إلى مختلف العوامل الداخلية والخارجية التى تؤثر على الطفل وقد تؤدى إلى وقوعه فى الجريمة، فيتعين أن يعامل الطفل بأساليب الإصلاح والوقاية أكثر مما يعامل بالأساليب الجنائية التى تتضمن معنى الإيلام والعقاب. وحيث إنه بالنسبة لتشكيل المحكمة المختصة بمحاكمة الأحداث فإنه يبين من استعراض نصوص الباب الثامن من قانون الطفل المتعلقة بالمعاملة الجنائية له، أن المشرع وعلى نهج ما أخذت به كثير من الدول المتحضرة وما كان عليه الحال فى التشريعات السابقة، بشأن الأحداث قد أخذ بمبدأ تخصص القضاة عند محاكمة الأحداث، لتحقيق كل صور الرعاية لهم، وراعى فى تشكيل محكمة الأحداث فى القانون الحالى زيادة الضمانات المقررة للأحداث بأن جعل تشكيل هذه المحكمة من ثلاثة قضاة بدلا من قاض واحد فى القانون السابق ، وخصها كأصل عام بمحاكمة الحدث المتهم بجناية، باعتبار أن إجرام الحدث وفقاً للنظريات الحديثة التى اعتنقها المشرع يغلب عليه الطابع الاجتماعى ولا ينطوى على خطورة إجرامية متأصلة، كما أن القاضى لا يجلس مجلس القضاء إلا بعد بلوغه سناً معينة واكتسابه الخبرات العلمية والعملية التى تؤهله للفصل فى مثل هذه القضايا، خاصة مع أخذ المشرع بالاتجاهات الجنائية الحديثة التى تبتعد بالعقوبة المقررة للحدث عن قصد الإيلام والردع بجعلها وسيلة لوقايته من خطر الانحراف تمهيداً لإعادته عضواً صالحاً فى مجتمعه، كما ضم إلى تشكيل محكمة الأحداث اثنين من الخبراء أحدهما على الأقل من النساء، حتى يكون تواجدهما أثناء المحاكمة عاملاً فعالاً فى تفهم مشاكل كل حدث وحلها، كما أن هذا التواجد الدائم لهذين الخبيرين يضمن للقاضى الاستعانة بهما كلما اقتضى الأمر ذلك، فضلاً عما يمكن أن يؤدى إليه تواجدهما ضمن تشكيل المحكمة من بث الأمن والطمأنينة فى نفس الحدث، ومن جهة أخرى فإن الحكم بغض النظر عن درجة المحكمة التى أصدرته هو عنوان الحقيقة، لا يصدر إلا بعد مواجهه الحدث بالتهمة وتحقيق دفاعه تحقيقاً كاملاً، فضلاً عن جواز الطعن بالاستئناف فيما تصدره محكمة الأحداث من أحكام سواء فى الجنايات أو الجنح. وحيث إنه بالنسبة للإجراءات المتبعة أمام محكمة الأحداث حتى لو كان الحدث متهماً بجناية فإنما تهدف إلى تبسيط إجراءات المحاكمة وسرعة الفصل فى الادعاء دون إخلال بالحق فى الدفاع، وللحد من تأثير طول الإجراءات وما قد تتركه من آثار على نفسية الحدث ومستقبله. وحيث إن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة تعتبر حداً لها، كما جرى قضاء هذه المحكمة على أنه ليس ثمة تناقض بين حق التقاضى كحق دستورى، وبين تنظيمه تشريعياً، بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم وسيلة إلى حظر حق التقاضى أو إهداره، فإن مؤدى ما تقدم، أن محكمة الأحداث بتشكيلها المنصوص عليه فى القانون واختصاصها بنظر الجنايات التى يتهم فيها الحدث وعلى نحو ما أفصحت عنه النصوص الطعينة محددة نطاقاً على نحو ما سلف تعتبر القاضى الطبيعى وفقا للرؤية الحضارية لإجرام الأحداث وجنوحهم، وقد تغيا المشرع من تقرير هذه النصوص مصلحة عامة مشروعة تقوم على أسس موضوعية تبرر ما تضمنته من أحكام، ومن ثم فإن قالة الإخلال بضمانة المحاكمة المنصفة، وحق الدفاع، تكون على غير أساس، ولا ينال من النتيجة المتقدمة ما أثاره المدعى، من أن تواجد الخبيرين ضمن تشكيل محكمة الأحداث لا يشكل ضمانة كافية، إذ يكشف الواقع عن تقاعس الخبراء عن أداء الأعمال المنوطة بهم، ذلك أن الرقابة التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا فى شأن دستورية النصوص القانونية، مناطها مخالفة هذه النصوص للدستور، ولا شأن لها بكيفية تطبيقها عملاً. وحيث إنه بالنسبة للنعى بمخالفة نص المادة (122) سالفة الذكر لمبدأ المساواة، فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أنه لا يجوز للمشرع إجراء تمييز بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة التى تتحدد وفقاً لشروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون، فالمساواة لا تعنى أن تعامل فئات المواطنين على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة ، فليس صحيحاً القول بأن كل تقسيم تشريعى يعتبر منافياً لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها، إذ لا يتصور أن يكون التقسيم التشريعى منفصلاً عن الأغراض التى يتغياها المشرع. وحيث إنه وقد سبق بيان أن لإجرام الأحداث طبيعة خاصة وأن التدابير الاحترازية والعقوبات التى يجوز توقيعها عليهم لا تستهدف الإيلام بقدر ما تبغى التقويم، إذ أن سقوطهم فى هوة الإجرام لا يرجع فى الغالب إلى نفوس شريرة بقدر ما يكون نتيجة لظروف بيئية واجتماعية ساهمت فى دفعهم إلى ذلك، ومن ثم فإن المركز القانونى للحدث الذى يتهم فى جناية يختلف عن مركز غير الحدث المتهم بذات الجناية، مما ينهض مبرراً منطقياً لاختلاف المحكمة المختصة بمحاكمة كل منهما وكذلك اختلاف الإجراءات المتبعة فى المحاكمة فتغدو محكمة الأحداث بتشكيلها والإجراءات المتبعة أمامها وفقاً للقانون هى القاضى الطبيعى لمحاكمة الأول، بينما تكون محكمة الجنايات أو أمن الدولة العليا حسب الأحوال هى القاضى الطبيعى لمحاكمة الثانى، أما فى حالة ارتكاب الحدث جناية أسهم فيها غير حدث فقد نصت المادة (122/2) على اختصاص محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بالفصل فى هذه الجريمة ولكن النص وضع تحفظات تتمثل فى أن يكون عمر الحدث جاوز الخامسة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، وأن يقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية على الطفل ومن أسهم فى الجريمة من غير الأحداث، كما أوجبت على المحكمة أن تبحث قبل إصدار حكمها ظروف الطفل من جميع الوجوه ولها الاستعانة فى ذلك بمن تراه من الخبراء، وغنى عن البيان أنه لا يمكن أن يوقع على الطفل عقوبة استبعد قانون الطفل توقيعها عليه وفقاً لعمره، وليس من شك أن حسن إدارة العدالة الجنائية يوجب فى هذه الحالة أن تتم المحاكمة أمام محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا نظراً لوحدة الواقعة. ولم يكن منطقياً على الإطلاق أن يحاكم غير الحدث فى هذه الحالة أمام محكمة الأحداث التى تستهدف إجراءاتها توفير رعاية اجتماعية للحدث ابتغاء تقويمه والحفاظ على مستقبله، ومن ثم يختلف المركز القانونى للحدث الذى يرتكب الجناية وحده ، عن الحدث الذى تجاوز عمره الخمس عشرة سنة وارتكب الجناية مع غير حدث واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليهما معاً فيكون التمييز بين الحالتين مبرراً دستورياً وبالتالى لا تكون النصوص الطعينة مارقة عن مبدأ المساواة القانونية. وحيث إن خلاصة ما تقدم جميعه أن النصوص الطعينة لا تمس قواعد المحاكمة المنصفة ولا تخل بحق الدفاع ولا تنتقص من حق التقاضى، ولا تنتهك مبدأ المساواة أمام القانون، كما أنها لا تخالف أى أحكام أخرى فى الدستور، مما يتعين معه القضاء برفض الدعوى. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية نصوص المواد أرقام (121، 122، 124) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
من المقرر - وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - أن المصلحة في الدعوى الدستورية - وهي شرط لقبولها - مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازما للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعي يدور حول اتهام الحدث وحده بارتكاب جناية هتك عرض وإحالته إلى محكمة جنح الأحداث لمحاكمته، وكان المدعي يرمي من وراء دفعه بعدم الدستورية أن تتم محاكمة الحدث المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات بتشكيلها العادي مع تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في مواد الجنايات، فإن نطاق الدعوى الماثلة يتحدد فيما ورد بنص الفقرتين (1، 2 ) من المادة (121) والفقرة الأولى من المادة (122) والمادة (124) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكام حوتها النصوص الطعينة.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
المحاكمة المنصفة والحق في التقاضي وضمانة الدفاع، وإن كان لكل منها مجاله إلا أنها ترتبط جميعا برباط وثيق باعتبارها أساسا رئيسيا في إدارة العدالة، وقد كفل الدستور في مادته السابعة والستين الحق في المحاكمة المنصفة، بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفس، وهو حق نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته العاشرة والحادية عشرة التي تقرر أولهما: أن لكل شخص حقا مكتملا ومتكافئا مع غيره في محاكمة علنية ومنصفة، تقوم عليها محكمة مستقلة ومحايدة، تتولى الفصل في حقوقه والتزاماته المدنية، أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، وتردد ثانيتهما في فقرتها الأولى: حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية في أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته في محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه وهي قواعد استقر العمل على تطبيقها في الدول الديمقراطية، وتقع في إطارها مجموعة من الضمانات الأساسية تكفل بتكاملها مفهوما للعدالة، يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها في الدول المتحضرة، فتتصل بتشكيل المحكمة، وقواعد تنظيمها، وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها، كما أنها تعتبر في نطاق الاتهام الجنائي، وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التي نص الدستور في المادة (41) على أنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
في مجال إعمال حق التقاضي، فإن المشرع - وعلي ما جرى به قضاء هذه المحكمة - غير مقيد بأشكال إجرائية محددة تمتد إلى المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك أن التنظيم الإجرائي للخصومة القضائية، لا يمكن أن يعكس أنماطا جامدة موحدة لإطار الفصل فيها، وإلا كان ذلك إغراقا في الشكلية ولو كان عقمها باديا، وإنما يتعين دوما أن يفاضل المشرع بين صورة هذا التنظيم، ليختار منها ما يكون مناسبا لخصائص المنازعات التي يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائيا، فتتعدد بالتالي الأشكال التي يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده التي كفلها الدستور، وعلى ألأخص من زاوية ضماناته الرئيسية التي تمثل إطارا حيويا لصون الحقوق على اختلافها.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
ضمانات الدفاع التي كفلها الدستور بنص المادة (69)، لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي والمحاكمة المنصفة، وقد نظم الدستور في إطار سيادة القانون ضمانة الدفاع محددا بعض جوانبها، كافلا إنفاذها باعتبارها مفترضا أوليا لصون حقوق الأفراد وحرياتهم، بل إن الدستور في الفقرة الثانية من المادة سالفة الإشارة قد نص على أن يكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم ليؤمن بذلك حق المعوزين فيما يعينهم على صون حقوقهم وحرياتهم.
📌 المبدأ / الفقرة (5)
الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة تعتبر حدا لها، كما جرى قضاء هذه المحكمة على أنه ليس ثمة تناقض بين حق التقاضي كحق دستوري، وبين تنظيمه تشريعيا، بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم وسيلة إلى حظر حق التقاضي أو إهداره فإن مؤدى ما تقدم، أن محكمة الأحداث بتشكيلها المنصوص عليه في القانون واختصاصها بنظر الجنايات التي يتهم فيها الحدث- وعلى نحو ما أفصحت عنه النصوص الطعينة محددة نطاقا على نحو ما سلف- تعتبر القاضي الطبيعي وفقا للرؤية الحضارية لإجرام الأحداث وجنوحهم، وقد تغيا المشرع من تقرير هذه النصوص مصلحة عامة مشروعة تقوم على أسس موضوعية تبرر ما تضمنته من أحكام، ومن ثم فإن قالة الإخلال بضمانة المحاكمة المنصفة، وحق الدفاع، تكون على غير أساس.
📌 المبدأ / الفقرة (6)
ما أثاره المدعي، من أن تواجد الخبيرين ضمن تشكيل محكمة الأحداث لا يشكل ضمانة كافية، وإذ يكشف الواقع عن تقاعس الخبراء عن أداء الأعمال المنوطة بهم، مردود بأن الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية النصوص القانونية، مناطها مخالفة هذه النصوص للدستور، ولا شأن لها بكيفية تطبيقها عملا.
📌 المبدأ / الفقرة (7)
جرى قضاء هذه المحكمة على أنه لا يجوز للمشرع إجراء تمييز بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة التي تتحدد طبقا لشروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون، فالمسألة لا تعني أن تعامل فئات المواطنين على ما بينهم من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، فليس صحيحا القول بأن كل تقسيم تشريعي يعتبر منافيا لمبدأ المساواة، بل يتعين دوما أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض، واتصال هذه الوسائل منطقيا بها، إذ لا يتصور أن يكون التقسيم التشريعي منفصلا عن الأغراض التي يبتغيها المشرع وقد سبق بيان أن لإجرام الأحداث طبيعة خاصة وأن التدابير الاحترازية والعقوبات التي يجوز توقيعها عليهم لا تستهدف الإيلام بقدر ما تبغي التقويم، إذ أن سقوطهم في هوة الإجرام لا يرجع- في الغالب- إلى نفوس شريرة بقدر ما يكون نتيجة لظروف بيئية واجتماعية ساهمت في دفعهم إلى ذلك، ومن ثم فإن المركز القانوني للحدث الذي يتهم في جناية يختلف عن مركز غير الحدث المتهم بذات الجناية، مما ينهض مبررا منطقيا لاختلاف المحكمة المختصة بمحاكمة كل منهما وكذلك اختلاف الإجراءات المتبعة في المحاكمة فتغدو محكمة الأحداث بتشكيلها والإجراءات المتبعة أمامها وفقا للقانون هى القاضي الطبيعي لمحاكمة الأول، بينما تكون محكمة الجنايات أو أمن الدولة العليا حسب الأحوال هى القاضي الطبيعي لمحاكمة الثاني، أما في حالة ارتكاب الحدث جناية أسهم فيها غير حدث فقد نصت المادة (122/2) على اختصاص محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بالفصل في هذه الجريمة ولكن النص وضع تحفظات تتمثل في أن يكون عمر الحدث جاوز الخامسة عشر وقت ارتكاب الجريمة، وأن يقتضي الأمر رفع الدعوى الجنائية على الطفل ومن أسهم في الجريمة من غير الأحداث، كما أوجبت على المحكمة أن تبحث - قبل إصدار حكمها - ظروف الطفل من جميع الوجوه ولها الاستعانة في ذلك بمن تراه من الخبراء، وغني عن البيان أنه لا يمكن أن يوقع على الطفل عقوبة استبعد قانون الطفل توقيعها عليه وفقا لعمره، وليس من شك أن حسن إدارة العدالة الجنائية يوجب في هذه الحالة أن تتم المحاكمة أمام محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا نظرا لوحدة الواقعة، ولم يكن منطقيا على الإطلاق أن يحاكم غير الحدث في هذه الحالة أمام محكمة الأحداث التي تستهدف إجراءاتها توفير رعاية اجتماعية للحدث ابتغاء تقويمه والحفاظ على مستقبله، ومن ثم يختلف المركز القانوني للحدث الذي يرتكب الجناية وحده، وعن الحدث الذي تجاوز عمره الخمس عشرة سنة وارتكب الجناية مع غير حدث واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليهما معا فيكون التمييز بين الحالتين مبررا دستوريا وبالتالي لا تكون النصوص الطعينة مارقة عن مبدأ المساواة القانونية.