الطعن رقم 36 لسنة 73 قضائية
سوابق قضائية - النقض المدني
2005-5-8
ملخص / وقائع الدعوى:
حق
نص وأسباب ومنطوق الحكم
📌 المبدأ / الفقرة (1)
النص فى المادة السادسة من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 75 لسنة 1963 المعدل بالقانون 10 لسنة 1986 على أن "تنوب هذه الهيئة عن الدولة بكافة شخصيتها الإعتبارية العامة فيما يرفع منها أو عليها من قضايا لدي المحاكم على إختلاف أنواعها ودرجاتها ولدي الجهات الأخرى التى خولها القانون إختصاصاً قضائياً..." ومجلس الشورى هو تنظيم دستوري تنوب عنه الهيئة لكنها لا تنوب عن رئيس مجلس الشورى بصفته ممثل المجلس الأعلى للصحافة والذى يعتبر هيئة مستقلة ليست من الهيئات العامة. لما كان ذلك، وكان الطعن قد أقيم من هيئة قضايا الدولة والتى لا تنوب عن رئيس مجلس الشوري بصفته رئيس المجلس الأعلي للصحافة فإنه يكون قد أقيم من غير ذى صفة ومن ثم غير مقبول.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
إذ كان انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير وأدواته حقاً مكفولاً لكل مواطن وأن يتم التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول - كأصل عام - دون إعاقتها أو فرض قيود مسبقة على نشرها وهي حرية يقتضيها النظام الديمقراطي وليس مقصوداً بها مجرد أن يعبر الناقد عن ذاته، ولكن غايتها النهائية الوصول إلي الحقيقة من خلال ضمان تدفق المعلومات من مصادرها المتنوعة وعبر الحدود المختلفة وعرضها في آفاق مفتوحة تتوافق فيها الآراء في بعض جوانبها أو تتصادم في جوهرها ليظهر ضوء الحقيقة جلياً من خلال مقابلتها ببعض وقوفاً على ما يكون منها زائفاً أو صائباً منطوياً على مخاطر واضحة أو محققاً لمصلحة مبتغاة ومن غير المحتمل أن يكون انتقاد الأوضاع المتصلة بالعمل العام تبصيراً بنواحي التقصير فيه مؤدياً إلى الإضرار بأيه مصلحة مشروعة فلا يجوز أن يكون القانون أداة تعوق حرية التعبير عن مظاهر الإخلال بأمانة الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة أو مواطن الخلل في أداء واجباتها سواء في وقت شغلها أو كانت عن عمل متعلق بها يقتضي الحال إبرازه، فمن الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها ومن ثم كان منطقياً بل وأمراً محتوماً أن ينحاز الدستور إلي حرية النقاش والحوار فى كل أمر يتصل بالشئون العامة ولو تضمن انتقاداً حاداً للقائمين بالعمل العام، إذ لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً ولو كان معززاً بالقانون ولأن حوار القوة إهدار لسلطان العقل ولحرية الإبداع وهو في كل حال يولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه بما يعزز الرغبة في قمعها ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها مما يهدد فى النهاية أمن الوطن واستقراره. وعلى ذلك فإن إنتقاد القائمين بالعمل العام وإن كان مريراً يظل متمتعاً بالحماية التي كفلها الدستور لحرية التعبير عن الآراء بما لا يخل بالمضمون الحق لهذه الحرية أو يجاوز الأغراض المقصودة من إرسائها وليس جائزاً بالتالي أن تفترض في كل واقعة جري إسنادها إلى أحد القائمين بالعمل العام أنها واقعة مزيفة أو أن سوء القصد قد خالطها، كذلك فإن الآراء التي يتم نشرها فى حق أحد منهم لا يجوز تقييمها منفصلة عما توجبه المصلحة العامة ويتاح لكل مواطن فرصة مناقشتها واستظهار وجه الحق فيها.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
إذ كفل الدستور للصحافة استقلالها، وخولها أن تعبر عن رسالتها في حرية وأن تعمل على تكوين الرأي العام وتوجيهه بما يحقق للجماعة قيمها ومصالحها الرئيسية ويصون للمواطنين حرياتهم وحرماتهم ويعزز وفاءهم بواجباتهم (المادتين 207، 208 من الدستور) وأن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون (مادة 47 من الدستور) ثم عني أكثر بإبراز الحق فى النقد الذاتي والنقد البناء باعتبارهما ضمانات لسلامة البناء الوطني مستهدفاً بذلك توكيد أن النقد وإن كان فرعاً من حرية التعبير إلا أنه يتعين أن يكون ضرورة لازمة لا يقوم بدونها العمل الوطني وحق المواطن في أن يعلم وأن يكون قادراً علي النفاذ إلى الحقائق الكاملة المتعلقة بالعمل العام فى شتي مجالاته المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
اشترط المشرع لإباحة النقد (الحق في النقد الذاتي والنقد البناء) ألا يكون منطوياً على آراء معدومة القيمة كتلك التي تكون غايتها الوحيدة شفاء الأحقاد والضغائن الشخصية والمسيطر عليها الهوى النفسي والضعف الإنساني أو تلك الماسة بشخص صاحب الأمر أو العمل بغية التشهير به والحط من كرامته بما دل عليه نص الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات من أن انتقاد القائم بالعمل العام وإن كان مطلعاً بأعبائه يعتبر أمراً مباحاً بشروط من بينها إثبات الناقد لحقيقة كل فعل أسنده إليه وأن يكون النشر في إطار المقومات الأساسية للمجتمع والحفاظ على الحريات والواجبات العامة واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وعدم الإعتداء على شرفهم وسمعتهم واعتبارهم أو انتهاك محارم القانون وهي قيود تستلزمها الوقاية من سطوة أقلام قد تتخذ من الصحف أو غيرها من وسائل التعبير أداة للمساس بالحريات أو النيل من كرامة الشرفاء إن سباً أو قذفاً أو إهانة أو غير ذلك من أفعال يتأبي على المشرع إقرارها تحت ستار حرية الصحافة وقدسيتها.
📌 المبدأ / الفقرة (5)
محكمة الموضوع لها - مراقبة في ذلك من محكمة النقض - الحق في الإطلاع على المقال موضوع النشر وتحديد معنى ألفاظه لمعرفة ما إذا كان المقصود منه النفع العام أو مجرد الإضرار بالأشخاص المطعون عليهم مع الأخذ في الإعتبار عدم رصد كل عبارة احتواها المطبوعة وتقييمها منفصلة عن سياقها بمقاييس صارمة، ذلك أن ما قد يراه إنسان صواباً في جزئية بذاتها قد يكون هو الخطأ بعينه عند آخرين، كما يجوز التسامح في تقدير عبارات النقد وحملها على محمل حسن النية طالما أنها لم تكن من قبيل قارص الكلم أو خادشة للناموس والإعتبار وكان الدافع في استعمالها المصلحة العامة.
📌 المبدأ / الفقرة (6)
إذ كانت الصحيفة الطاعنة وممثلها وهو في ذات الوقت كاتب المقال محل المسائلة قد تمسك أمام محكمة الموضوع بأن عبارات المقال منفردة أو مجتمعة لا توحي للمتلقي في موضوعها أو صورتها التي نشرت بها ما يفيد الإساءة إلي شخص المطعون ضده الأول ولا تخرج عن حدود النقد المباح وتحرى كاتبها الصدق غير متنافر مع ما أثبته حكم محكمة القيم في القضية رقم ... لسنة ... ق حراسات في حق المطعون ضده الأول إبان أن كان يباشر اختصاص وزير الاقتصاد في الدولة بما لا يجوز معه تقييمها بعيداً عما توجبه المصلحة العامة في أعلي درجاتها متعلقاً برسم السياسة الاقتصادية الحالية مقارنة بما كانت عليه من قبل إلا أن الحكم المطعون فيه لم يلتفت لهذا الدفاع أو يأبه لمصدره وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه اقتصر في نسبة الخطأ إلى الصحيفة الطاعنة بأن أورد نقل عبارات المقال بطريقة منفردة وفى غير اتساق بقوله "أن الثابت من مطالعة المقال المنشور بجريدة ...... الصادر بتاريخ ../../.... تحت عنوان ...... وناشره المستأنف ضده أنه يتضمن عبارات تعرض بالمستأنف وتغض من قدره وتحط من كرامته بما لا يستدعيه موجبات النقد فقد تضمن المقابل عبارات "هل تذكرون واحداً اسمه .... وتمت إقالته بعد الطعنات القاتلة التي أسال بها دماء اقتصادنا عامداً متعمداً هذا الواحد" من أصاب مصر بسوء ما استحق أن يولد ..... وبهت الذي كفر" ومن ثم يكون المستأنف ضده قد أساء استعمال الحق في حرية الرأي وحرية النقد مستوجباً لمسئوليته" وكان هذا الذي استخلصه الحكم وأقام عليه قضاءه بإلزام الصحيفة الطاعنة وكاتب المقال بالتعويض المحكوم به إستخلاص غير سائغ ولا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها آية ذلك مخالفته لما تدل عليه نصوص المواد الأولي والثالثة والثامنة من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن "تنظيم الصحافة" من أن الصحافة سلطة شعبية تمارس رسالتها بحرية وباستقلال وتستهدف تهيئة المناخ لنمو المجتمع وارتقائه بالمعرفة المستنيرة وبالإسهام في الإهتداء إلى الحلول الأفضل في كل ما يتعلق بمصالح الوطن وصالح المواطنين من خلال حرية التعبير وممارسة النقد ونشر الأنباء وللصحفي حق الحصول على المعلومات والإحصاءات والأخبار المباح نشرها طبقاً للقانون من مصادرها سواء كانت هذه المصادر جهة حكومية أو عامة، كما يكون للصحفي حق نشر ما يتحصل عليه منها وكذلك نشر الأحكام العلنية أو موجز كاف عنها (المادة 189 من قانون العقوبات)، كما غُم عليه فهم دفاع الطاعنة الوارد بأسباب النعي ولم يبرزه أو يعني بتحقيقه رغم جوهريته وله مصدر قضائي هو عنوان الحقيقة إذ ورد بحكم محكمة القيم المقدم ضمن أوراق الدعوى في القضية رقم ... لسنة ... ق حراسات ما يدل على أن زمام السياسة الاقتصادية إبان كان المطعون ضده الأول قائدها كانت على غير مرام والأخطاء فيها فادحة وافترضت تلك المحكمة لعلاجها أن يتولى أمرها أشخاص مشهود لهم باستقامة القصد فضلاً عن العلم والخبرة وتناولت تصرفات المطعون ضده الأول في قسوة العبارة أو وضعها في النسق الصحيح حتى وإن تنكب كاتبها الوسيلة طالما كان مبتغاه المصلحة العامة، فضلاً عن أن استعمال الحق لا يكون غير مشروع إلا إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير وهو ما لا يتحقق إلا بانتفاء كل مصلحة من استعمال الحق ولما كانت عبارات المقال محل المسائلة لا تقوم على فكرة شائنة وإنما جرى استعمالها في ألفاظ مشكلة ومحملة ومجازية والأولى موضوعة لأكثر من معنى والثانية هي الألفاظ التي لا تدل بذاتها علي المراد منها ولا توجد قرائن تعين على ذلك والثالثة هي الألفاظ التي تستعمل في غير معناها الأصلي دون إفصاح عن المعنى المقصود وبالتالي ما كان للحكم أن يعزل بعض العبارات أو الألفاظ عن بقيتها طالما أن لها في اللغة أكثر من معنى وكان مدلولها بحسب ما استظهره الحكم يقطع بعدم إنحراف كاتبها عن حقه المكفول في إعلاء شأن مصر ورفعتها من الناحية الاقتصادية والتسامح في تقدير عبارات النقد وحملها على محمل حسن النية ما دامت قاصرة على الرأي في ذاته غير ممتدة إلى شخص المطعون ضده الأول فيكون استخلاص الحكم فى نسبة الخطأ إلى الطاعنة غير سائغ ومقام على ما لا يكفي لإثبات إنحرافها وبما يدخلها في حدود النقد المباح البعيد عن المسئولية وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون معيباً بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال مما جره إلي الخطأ في تطبيق القانون.