الطعن رقم 2330 لسنة 26 قضائية
أحكام القضاء الإداري
1973-2-27
سنة المكتب الفني: 27
ملخص / وقائع الدعوى:
قرار ادارى
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ مصلحة في الدعوي
⚖️ ما يدخل في إختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري
⚖️ قرار إداري
⚖️ الإجراءات السابقة علي رفعها - التظلم الوجوبي
⚖️ عيوب القرار الإداري - عيب عدم الإختصاص - انعدام القرار
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
دائرة منازعات لأافراد والهيئات برئاسة السيد الاستاذ المستشار / حسنين رفعت - نائب رئيس مجلس الدولة ، وعضوية السيدين الاستاذين / احمد سعد الدين قمحة ومحمد جلال عبد الحميد - المستشارين
📌 المبدأ / الفقرة (1)
فيما يتعلق بالدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى فأن مبنى هذا الدفع أن القرار المطعون عليه لا يدخل في عداد القرارات الإدارية التي تنشى المراكز القانونية والتي يختص القضاء الإدراى بنظر الطعون التي تقام بطلب إلغائها وأن القرار المذكور لا يعدو أن يكون قرارا تنفيذيا لمركز قانوني أستقر من قبل بمقتضى القوانين التي تنظم الاستيراد وتحرم التهريب وكذلك بمقتضى القرار الصادر من مجلس الوزراء في 19 من يناير سنة 1972 متضمنا حظر وتقييد استيراد السلع الكمالية التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء. وهذا الدفع مردود لسببين: أما السبب الأول فهو أن القرار المطعون عليه قد صدر مستندا في ديباجته وفى مبناه إلى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين والذي أجاز لوزير التموين في المادة الأولى منه أن يتخذ بقرارات يصدرها بموافقة لجنة التموين العليا ضمانا لتموين البلاد ولتحقيق العدالة في التوزيع والتدابير الواردة في المادة المذكورة ومنها فرض القيود على إنتاج أية مادة أو سلعة وتداولها واستهلاكها وقد صدر القرار المطعون عليه في صورة قواعد عامة مجردة تحظر على تجار القطاع الخاص أن يعرضوا للبيع أو يحوزوا بقصد الاتجار أية سلعة من السلع الاستهلاكية الواردة بالجدول المرافق للقرار ومن ثم فإن القرار المذكور هو من القرارات الإدارية اللائحية التي يختص القضاء الإداري بنظر الطعون التي تقام بطلب إلغائها، وأية ذلك أن المادة الأولى من المرسوم بقانون السالف الذكر قد تضمنت تفويضا تشريعيا لوزير التموين في إصدار قرارات إدارية شكلا تشريعية موضوعا تخوله تقييد الإنتاج والتداول والاستهلاك بالنسبة إلى أية مادة أو سلعة إذا أستدعى ذلك ضمان تموين البلاد وتحقيق العدالة في التوزيع وقد أستند القرار المطعون عليه إلى هذا التفويض فحظر على تجار القطاع الخاص الاتجار في بعض السلع الاستهلاكية المستوردة وقرر العقوبة التي توقع على من يخالف أحكامه. أما القواعد القانونية التي تنظم الاستيراد سواء ما جاء منها في القانون رقم 9 لسنة 1959 أم في القانون رقم 95 لسنة 1963 فهي مقطوعة الصلة بالقواعد التي أتنظمها القرار المطعون عليه ومجال أعمالها متميز عن مجال أعمال الأحكام الواردة في ذلك القرار، فالقانون رقم 9 لسنة 1959 إنما ينظم القواعد الخاصة باستيراد السلع بوجه عام سواء ما يستورد منها للاستعمال الشخصي أم للاتجار والقانون رقم 95 لسنة 1963 يقضى بقصر استيراد السلع بقصد الاتجار أو التصنيع على شركات وهيئات القطاع العام أما القانون رقم 77 لسنة 1960 فهو يفرض عقوبات معينة على تهريب المواد الممنوع استيرادها أو تصديرها أو المعلق استيرادها أو تصديرها على استيفاء شروط معينة، هذا والقرار محل الطعن في الدعوى هو كما سلف القول ينظم قواعد الاتجار في أنواع معينة من السلع المستوردة ومن ثم فمجال أعماله يختلف عن مجال أعمال كل من القوانين السالفة الذكر وبالتالي فهو يستقل بإنشاء أحكام موضوعية متميزة وليس مجرد إجراء تنفيذي لأحكام مقررة من قبل. وأما السبب الثاني فهو أن القرار المطعون عليه وإن كان قد أورد في ديباجته القرار الصادر من رئيس مجلس الوزراء رقم 128 لسنة 1972 بحظر استيراد السلع الاستهلاكية الكمالية إلا أن هذا القرار الأخير لا يصلح سندا للقرار الأول بحيث يسوغ القول بأن القرار المطعون عليه قد صدر تنفيذا لقرار رئيس مجلس الوزراء فقرار رئيس مجلس الوزراء ينظم استيراد السلع الاستهلاكية بقصد الاتجار في تلك السلع ومن ثم فالمجال التشريعي لكل من القرارين متميز عن الآخر وإن كان ثمة صلة بينهما من الناحية الاقتصادية هذا بغض النظر عن مدى صحة استناد قرار رئيس مجلس الوزراء إلى الدستور. وإذا كان القرار المطعون عليه ومن قبيل اللوائح التفويضية إلا انه ليس ثمة شك في إن هذا النوع من اللوائح يدخل كما سلف القول في عداد القرارات الإدارية التي يختص القضاء الإدراى بنظر الدعاوى التي تقام بطلب إلغائها وذلك أخذا بالمعيار الشكلي إلى استقام الفقه والقضاء الإداريان على اتخاذه أساس لتعريف القرار الإداري وبالتالي لانعقاد الاختصاص بمراقبة مشروعيته لمجلس الدولة وقوام هذا النظر أن اللائحة وإن كانت عملا تشريعيا من حيث الموضوع بحكم كونها تنتظم قواعد ملزمة تتسم بصفتي العمومية والتجريد إلا إنها من ناحية الشكل قرار إداري بحكم كونها عملا قانونيا صادرا من السلطة التنفيذية وبالتالي فهي قابلة للطعن بدعوى الإلغاء، والرقابة القضائية التي يسلطها القضاء الإداري على اللائحة شانها شأن الرقابة التي يسلطها على القرار الإداري بوجه عام إنما تتمثل في وزنها بميزان المشروعية للتعرف على مدى مطابقتها لأحكام القانون نصا وروحا. وبناء على ما سلف بيانه يكون الدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى غير قائم على أساس سليم من القانون متعينا رفضه.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
فيما يختص بالدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرط الصفة ولانتفاء شرط المصلحة فإن شرط الصفة متوافر بما أوضحه المدعون من أنهم يتجرون في السلع المستوردة وما ورد في صحيفة الدعوى عن أسماء المحال التجارية التي يتجر فيها بعضهم وهو أمر لم تدحضه إدارة قضايا الحكومة وأما عن شرط المصلحة فأن مبنى الدفع الذي أبدته إدارة قضايا الحكومة هو أن المصلحة في دعوى الإلغاء تستمد وجودها من مركز خاص لصاحب الشأن يربطه بالقرار المطعون عليه بحيث يكون من شان هذا القرار المساس بمركزه القانوني وانه ليس ثمة قاعدة قانونية تخول للمدعين الحق في استيراد السلع الأجنبية والاتجار فيها وحال دونهم وإياها القرار المطعون عليه، وإنه لن يترتب على إلغاء ذلك القرار السماح للمدعين بالاتجار في السلع المذكورة طالما أن حظر استيرادها يقتضى بحكم اللزوم حظر الاتجار فيها، وهذا الدفع مردود بأن الدعوى الماثلة هي طعن بالإلغاء في القرار الصادر من وزير التموين والتجارة الداخلية بحظر الاتجار في السلع الاستهلاكية المستوردة والاتجار في السلع الكمالية المستوردة لم يكن محظورا قبل صدور القرار المطعون عليه ومن ثم تظهر مصلحة المدعين جلية في طلب إلغاء ذلك القرار أما عن الأحقية في استيراد السلع الأجنبية فليست محل طلب وارد في الدعوى وبناء على ذلك يكون الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرط الصفة ولانتفاء شرط المصلحة غير سليم متعينا رفضه.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
فيما يختص بالدفع بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى المدعين الأخيرين استناداً إلى أن دعواهما قد أقيمت بعد انقضاء ستين يوما على تاريخ نشر القرار المطعون عليه فإن هذا الدفع مردود بان القرار المطعون عليه هو قرار لائحي كما سلف القول وطلب إلغاء اللائحة المعيبة لا يتقيد بميعاد وذلك اعتباراً بأن اللائحة هي تشريع من الناحية الموضوعية وبذلك يتجدد أثرها كلما استجدت مناسبة لتطبيقها ومن ثم وجب أن تكون على الدوام متسقة مع أحكام القوانين القائمة وخاضعة في نصوصها لتلك الأحكام، فإذا خرجت عليها وكان خروجها صارخا أصبحت عملا ماديا عديم الأثر وفى الحالتين لا يتقيد الطعن عليها بميعاد. يضاف إلى ما تقدم أن القرار المطعون عليه وإن كان قد نشر في 11 من مارس سنة 1972 إلا أنه نص في مادته الأخيرة على أن يعمل به اعتباراً من أول مايو سنة 1972 ومن ثم فهو لم تتوافر فيه مقومات النفاذ إلا من هذا التاريخ الأخير، وإذ كان المدعيان الأخيران قد أقاما دعواهما بطلب إلغائه بمقتضى الصحيفة المودعة بجلسة المرافعة يوم 6 من يونيه سنة 1972 فإن دعواهما تكون قد أقيمت في الميعاد وبالتالي يكون الدفع بعدم قبول الدعوى بالنسبة إليهما في غير محله متعينا رفضه.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
ويبين من استظهار النصوص التي إنتظمها المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين أنها جاءت تجميعا للتشريعات التموينية التي صدرت تباعا منذ قيام الحرب العالمية الثانية إما في صورة مراسيم بقوانين أو في صورة أوامر عسكرية كانت تصدر لمواجهة الظروف الاقتصادية التي نشأت عن قيام الحرب المذكورة فلما رؤى إلغاء الأحكام العرفية بمناسبة انتهاء الحرب استلزم الأمر الإبقاء على تلك التشريعات لما تبين من أن الظروف التي تمر بها البلاد كانت ما تزال تتطلب أن تحتفظ وزارة التموين بالسلطات المخولة لها بمقتضى التشريعات المذكورة ولهذا صدر المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 مستوعبا في نصوصه أحكاما خاصة ببعض المواد والسلع التي رأت الوزارة ضرورة استمرار العمل بها لمواجهة حالة التموين مع تضمينه نصا عاما في المادة الأولى منه يمنح وزير التموين تفويضا تشريعيا بإصدار القرارات اللازمة لمواجهة مفاجآت الظواهر الاقتصادية بما يحقق ضمان تموين البلاد بالمواد والسلع اللازمة وتحقيق العدالة في توزيعها كذلك صدر فى الوقت ذاته المرسوم بقانون رقم 96 لسنة 1945 ( الذي أستبدل به فيما بعد المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950) منتظما في نصوصه الأحكام الخاصة بالتسعير الجبري وتحديد الأرباح، ومع تطور النظام الاقتصادي للبلاد أخذا بالمبدأ الاشتراكي أصبحت أحكام هذين القانونين من الأدوات الفعالة التي تستخدمها الدولة في توجيه اقتصاديات البلاد نحو عدالة التوزيع.
وإذا كان فقه القانون الجنائي لا يؤيد التفويض في التجريم وذلك أخذا بقاعدة الشرعية في مجال التجريم والعقاب واعتبارا بأن التجريم يجب أن يبقى منوطا بالسلطة التشريعية لما فيه من مساس بالحرية الشخصية. إلا أن هذه القاعدة قد تأثرت بالاتجاه الحديث نحو إشراك السلطة التنفيذية مع السلطة التشريعية في مجال التشريع ولهذا فأن فقه القانون الجنائي أصبح يجيز التفويض التشريعي في القوانين الجنائية التي تصدر في المجال الاقتصادي وذلك اعتبارا بأن التشريع في هذا المجال يتطلب عنصر المرونة في الأداة المشرعة حتى تستطيع مواجهة الظروف الاقتصادية الطارئة بما يتوافر لها من الخبرة والدراية الفنية، وأخذا بهذا النظر نص الدستور المصري على أنه " لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون " وهو ما يسمح بالتفويض التشريعي في مجال التجريم والعقاب وإنما يستلزم الأمر في هذا الشأن ضمانا للحرية الشخصية أن يرسم المشرع المبادىء العامة في التجريم وفى تعيين العقوبة ثم يرسم للسلطة المفوضة الحدود التي تمارس فيها اختصاصها من حيث تحديد عناصر الجريمة وذلك بما يكفل حصر نطاق التفويض وإعمال قاعدة شرعية التجريم ومن المسلم أن للمحاكم أن تبحث في قانونية اللوائح في هذه الحالة سواء من ناحية الشكل أو من ناحية الموضوع لكي تتحقق من صدورها من الجهة التي فوضت في إصدارها وفى نطاق الحدود المرسومة بالقانون وإذ كان التفويض في التجريم هو استثناء من المبدأ العام فانه يجب أن يمارس بالقدر الضروري لتحقيق الغاية المبتغاة.
وفى خصوص الدعوى الماثلة فانه عملا بنص المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 فإن لوزير التموين والتجارة الداخلية أن يصدر القرارات التي تفرض القيود على إنتاج المواد والسلع اللازمة لتموين البلاد أو على تداولها أو استهلاكها وذلك متى كان فرض القيود أمرا يتطلبه ضمان تموين البلاد وتحقيق العدالة في توزيع تلك المواد والسلع على أفراد الشعب بما يقطع السبيل أمام فرص الاستغلال غير المشروع، كذلك فإن للوزير أن يصدر قرارات بالاستيلاء على كميات من المواد والسلع متى كان هذا الاستيلاء تدعو إليه ظروف معينة لضمان تموين البلاد بتلك المواد والسلع، وفرض القيود على نشاط معين من الأنشطة إنتاجا كان أم تداولا وكذلك الاستيلاء على أية كمية من المواد أو السلع لا يعدو أن يكون عملية تنظيم للتجارة التموينية وترتيبا لأوضاعها ورسما للحدود الواجبة الإتباع في ممارستها بحيث تجرى تلك الممارسة في إطار منضبط تتحقق به الغاية المنشودة في ضمان عدالة التوزيع ويمتنع معه كل جنوح أو شطط، وعملية التنظيم هذه إنما تجد حدها الطبيعي في بقاء النشاط مباحا ولا يمكن أن تجاوز ذلك الحد إلى تحريم ممارسة النشاط أصلا، فالنص على عبارة " فرض القيود " يحمل في دلالته معنى تقتضيه هذه العبارة هو أن يظل النشاط في ذاته قائما ومباحا حتى يمكن أن يرد عليه القيد. كذلك فإن الاستيلاء كما نظمه القانون ليس من شأنه أن يأتي على أصل النشاط وإنما هو إجراء وقتي لا يتخذ إلا إذا قامت دواعيه وينتهي أثره بانتهاء ما اقتضاه ويبقى النشاط الذي ورد الاستيلاء على بعض السلع التي يتجر فيها قائما وخاضعا للتنظيم فحسب، والقول بغير ذلك يحمل معنى إجازة مصادرة النشاط بقرار يصدر من الوزير وهو أمر خارج عن سلطته التي فوض فيها علاوة على أن القانون لم يتناوله أصلا.
ومتى كان ذلك وكان القرار المطعون عليه قد قضى بالحظر المطلق على تجار القطاع الخاص في الاتجار بالسلع المستوردة الموضحة بالجدول المرافق للقرار اعتبارا من التاريخ الذي عينه لذلك وفرض عقوبة جنائية توقع على من يخالف هذا الحكم فان القرار المذكور يكون قد خرج على حدود التفويض من حيث مجاوزته فرض القيود إلى تقرير الحظر المطلق.
وليس يغير من هذا النظر أن يكون القرار المذكور قد اختص بالحظر أنواعا معينة من السلع دون غيرها ذلك أن فرض القيود إنما يعنى تنظيم النشاط أي تنظيم تداول السلع التموينية على وجه يضمن توفيرها لحاجات الاستهلاك ويحقق العدالة في توزيعها ومن ثم فلا يتسع هذا التنظيم لتجريم الاتجار في بعض السلع إذ يكون ذلك بمثابة مصادرة جزئية للنشاط وليس تنظيما لطريقة ممارسته.
وبناء على ما تقدم يكون القرار المطعون فيه قد صدر ممن لا ولاية له في إصداره خارجا على حدود التفويض الوارد في القانون ومن ثم يعتبر معدوما ويتعين الحكم بإلغائه.