الطعن رقم 1 لسنة 5 قضائية
المحكمة العليا
1974-6-29
سنة المكتب الفني: 1
ملخص / وقائع الدعوى:
دستورية
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة المستشار بدوى إبراهيم حمودة رئيس المحكمة وعضوية المستشارين محمد عبد الوهاب خليل وعادل عزيز زخارى وعمر حافظ شريف نواب رئيس المحكمة وحسين زاكى وأحمد طوسون حسين ومحمد بهجت عتيبة وحضور المستشار محمد كمال محفوظ مفوض الدولة والسيد/ سيد عبد البارى إبراهيم أمين السر
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
ومن حيث إن المدعى يطلب الحكم بعدم دستورية المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 إستنادا إلى الأسباب الآتية : -
( أولا ) : إن ما تقضى به هذه المادة من حبس المدين بدين النفقة لإكراهه عل ادانة يتضمن إعتداء على الحرية الشخصية التى تكفلها المادة 41 من الدستور الى تنص على أن الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس كما يتنافى مع كرامة الفرد وهى الانعكاس الطبيعى لكرامة الوطن علفى ما أكدته وثيقة إعلان الدستور .
( ثانيا ) إن النص المطعون فيه يحل بمبدأ المساواة ، وهو مبدأ دستورى أصيل نصت عليه المادة 40 من الدستور وذلك من وجهتين : أولهما أنه طبقا لحكام لائحة ترتيب المحاكم الشرعية تنفذ الأحكام الصادرة بالطاعة قهرا ولو باستعمال القوة ( المادة 345 ) من اللائحة ، كما تنفذ أحكام النفقات ونحوها عن طريق الحبس تطبيقا للمادة 347 من اللائحة ، وقد عدلت وزارة العدل عن تنفيذ أحكام الطاعة بطريق الإكراه حفظا لكرامة الزوجة وذلك بقرار أصدره وزير العدل فى حين إستمر تنفيذ أحكام النفقات بطريق الحبس وهذه التفرقة بين الرجل الذى تنفذ عليه أحكام النفقة بطريق الحبس وبين المرأة التى بطل تنفيذ احكام الطاعة عليها بطريق الإكراه يخل بمبدأ المساواة . وثانيهما انه طبقا لأحكام قانون المرافعات المدنية و التجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 تطبق أحكام الكتاب الرابع الخاص بالإجراءات المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية ( المواد من 868 إلى 1032 ) دون لائحة ترتيب المحاكم الشرعية إذا كان أحد الزوجين أجنبيا وهذه المواد قد خلت من أى نص على تنفيذ أحكام النفقة بطريق الإكراه البدنى ومقتضى ذلك أن يكون المصرى المتزوج من أجنبية فى مركز قانونى أفضل من المصرى المتزوج من مصرية وأن تكون المصرية المتزوجة من مصرى فى مركز أسوا من المصرية المتزوجة من أجنبى ومرد ذلك إلى إمتناع تطبيق النص المطعون فيه متى كان أحد الزوجين أجنبيا .
(ثالثا) إن النص المطعون فيه إذ يسند إلى قاضى الأحوال الشخصية ولاية حبس المدين بدين النفقة يخالف المادة 68 من الدستور الى تكفل لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضية الطبيعى ذلك أن القاضى الطبيعى المختص بتوقيع العقوبات هو القاضى الجنائى طبقا للضمنات المقررة فى قانون الاجراءات الجنائية .
(رابعا) إن النص المطعون فيه يتعارض مع المادتين السابعة من الدستور الواردتين فى الباب الثانى منه " المقومات الساسية للمجتمع " ذلك أن من شأن حبس المدين وتقليد حريته استيفاء لدين النفقة إثارة للفرقة بين افراد الأسرة وإهدار المبدأ التضامن الاجتماعى الذى نصت المادة السابعة من الدستور .
(خامسا) قيام الازدواج بين النص المطعون فيه والمادة 293 من قانون العقوبات التى تقضى بمعاقبة كل من صدر عليه حكم قضائى واجب النفاذ بدف نفقة لزوجه أو أقاربه أو أصهاره أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن وامتنع عن الدفع .
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إن المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها الصادر بها المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 تنص على أنه "إذا امتنع المحكوم عليه من تنفيذ الحكم الصادر في النفقات أو أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن يرفع ذلك إلى المحكمة الجزئية التى أصدرت الحكم والتى بدائرتها محل التنفيذ ومتى ثبت لديها أن المحكوم عليه قادر على القيام بما حكم به وأمرته ولم يمتثل حكمت بحبسه ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس عن ثلاثين يوما أما اذا أدى المحكوم عليه ما حكم به أو أحضر كفيلا فإنه يخلى سبيله وهذا لا يمنع من تنفيذ الحكم بالطرق الإعتيادية" وهذا النص مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية، التى توجب على المدين الوفاء بديونه من تلقاء نفسه إبراء لذمته فإن امتنع عن ذلك رغم قدرته على الوفاء يكون ظالما ويجوز زجره وردعه عن التمادى في ظلمه وقد شرعت لذلك وسائل تكفل للدائنين الحفاظ على حقوقهم ولو بطريق الإكراه وذلك بالتضييق على المدين أو بالملازمة أو بالحجر لمنعه من التصرف في ماله وبيعه جبرا عليه لسداد ديونه، ولا تبرأ ذمة المدين من الدين إلا بالوفاء أو ما يقوم مقامه، وفي خصوص شرعية الحبس كوسيلة لإجبار المدين على الوفاء بالدين فالرأى المتفق عليه بين أئمة المسلمين هو جواز حبس المدين الموسر الممتنع من أداء الحق إلى مستحقه حملا له على أدائه ولهم في ذلك أدلة من السنة والإجماع إذ جاء في الحديث الشريف: "لى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته" واللى المطل والواجد الغنى وإحلال العرض هو إغلاظ القول للمدين وشكايته، وروى عن الخليفتين عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وكثير من الصحابة والتابعين وقضاة المسلمين أنهم كانوا يحبسون المدينين المماطلين وقد كانت هذه المبادئ معمولا بها في مصر في الديون كافة قبل سن القوانين الحديثة وحاصل ما تقدم أن المشرع إنما قنن في النص المطعون فيه والنصوص السابقة عليه حكما من الأحكام المتفق عليها في الشريعة الإسلامية كما نص في أكثر مسائل الأحوال الشخصية باعتبارها القانون العام المنظم لهذه المسائل وقد حرص الدستور على النص في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع تقديراً للأمر الواقع الذى جرى عليه العمل حتى في عهد الدساتير السابقة التى أغفلت النص على ذلك وهكذا جاء النص المطعون فيه متفقا مع الدستور.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
إن المادة 41 من الدستور تنص على أن "الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حسه أو تقييد حريته بأى قيد أو منعه من التنقل إلا أمر يستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع ويصدر هذا الأمر من القاضى المختص أو النيابة العامة وذلك وفقا لأحكام القانون" وهذا النص لا يعنى أن الحرية الشخصية حق مطلق لا ترد عليه القيود، ذلك أن الإنسان لم يعرف هذه الحرية المطلقة إلا عند ما كان يعيش فردا في العصور الأولى فلما اقتضت ضرورات الحياة أن ينتظم في سلك الجماعة أصبح كائنا اجتماعيا لا يستطيع العيش فردا وقد اقتضاه ذلك أن يلتزم في تصرفاته وأفعاله وأقواله الأصول والقواعد التى تتواضع عليها الجماعة ومن شأن هذه القواعد وتلك الأصول التى تحد من حريته فتحول دون اعتدائه على غيره من أعضاء المجتمع حتى يستطيع التمتع بمثل ما يتمتع به، والقانون هو الوسيلة الوحيدة لوضع هذه الحدود وقد قامت تشريعات العقاب على هذا الأساس لأنها إنما تؤثم صورا من العدوان على الغير حفظا لأمن الجماعة ونظام المجتمع، ولو أن الحرية أطلقت دون قيد لسادت الفوضى واختل الأمن والنظام وارتد المجتمع إلى عهود الغابة، يؤيد هذا النظر أن المشرع الدستورى إذ يقر الضمانات التى تجب مراعاتها عند القبض على الأفراد وحبسهم وإذ يوجب إشراف القضاء والنيابة على إجراءات القبض والحبس وضرورة استصدار أوامر القبض والحبس وغيرها من الإجراءات المقيدة للحرية من القاضى المختص أو النيابة العامة وفقاً لأحكام القانون فإنه يقر تقييد حرية الأفراد إذا اقترفوا ما يقتضى ذلك من الجرائم ومخالفة القانون، كما يقر بأن الحرية الشخصية التى أحاطها بسياج من القداسة في صدر النص ليست حرية مطلقة تمتنع على القيود والحدود إذا اقتضت مصلحة المجتمع فرض هذه الحدود والقيود.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
إن المساواة إنما تتحقق بتوافر شرطى العموم والتجريد في التشريعات فهى ليست مساواة حسابية، ذلك لأن المشرع يملك بسلطته التقديرية لمقتضيات الصالح العام وضع شروط تتحدد بها المراكز القانونية التى يتساوى بها الأفراد أمام القانون بحيث إذا توافرت هذه الشروط في طائفة من الأفراد وجب أعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونة وإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط في البعض دون البعض الآخر انتفى مناط التسوية بينهم.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
إن القول بمخالفة نص المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية للمادة 68 من الدستور فيما تقرره من حق كل مواطن في الإلتجاء إلى قاضيه الطبيعى مردود بأن هذا النص المطعون فيه إذ يسند إلى المحكمة الجزئية التى اصدرت الحكم أو المحكمة التى بدائرتها محل التنفيذ اختصاص الحكم بحبس المحكوم عليه بالنفقة وما في حكمها إذا امتنع عن تنفيذ الحكم رغم قدرته على ذلك فإنه يسنده إلى كلتيهما تيسيرا على المحكوم له ذلك لأن أسناد هذا الاختصاص إلى المحكمة الأولى إعمال لقاعدة عامة تقضى له باختصاص المحكمة التى أصدرت الحكم بالإشراف على تنفيذه والفصل فيما ينشأ عنه من مشكلات هى أقدر على الفصل فيه من سواها لإحاطتها بموضوع المنازعة التى فصلت فيها كما أن جمع عناصر الخصومة أمام محكمة واحدة يؤدى إلى قصد في الوقت والإجراءات.
أما المحكمة التى يتبعها محل التنفيذ فمرد اختصاصها إلى تجنيب المحكوم له مشقة الانتقال إلى مقر المحكمة التى أصدرت الحكم إذا كان محل التنفيذ خارج دائرتها مما يكفل السرعة في تنفيذ الحكم. ولقد حرص المشرع على التيسير على مدعى النفقة منذ المرحلة الأولى للدعوى فجعل له الخيار في رفع الدعوى أما إلى المحكمة التى يقع بدائرتها موطن المدعى عليه عملا بالقاعدة العامة أو موطن المدعى وفقا لما تقتضيه مصلحته (المادة 57).
📌 المبدأ / الفقرة (5)
إن الحكم بحبس المحكوم عليه بالنفقة وما في حكمها ليس عقوبة جنائية بمفهومها الفنى الدقيق بل هو وسيلة إرغام وإكراه للمحكوم عليه كى يؤدى ما عليه متى كان قادرا على ذلك وامتنع عبثا وظلما وقد أسنده المشرع إلى المحكمة التى أصدرت الحكم بالنفقة وما في حكمها والمحكمة التى تقع بدائرتها محل التنفيذ للأسباب الجدية المتقدم ذكرها فكلتاهما قاض طبيعى لدعوى الحبس حملا للمحكوم عليه بدين النفقة وما في حكمها على الوفاء به.
📌 المبدأ / الفقرة (6)
إن النعى على نص المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بمخالفة _____ وسيلة الحبس لحمل المحكوم عليه بالنفقة وما فى حكمها على الوفاء بها متى كان قادرا على ذلك وامتنع عنتا ومطلا بغير حق وهى ديون ممتازة ذات طابع حيوى مقدمة على غيرها بل هى قوام الحياة في كل أسرة يقوم بها أودها غذاء وكساء وسكنا ومن ثم يكون التخلف عن أدائها ضاراً أبلغ الضرر بالأسرة موهنا روابط التضامن والمودة بين أعضائها ويكون إكراه المسئول عن النفقة وما في حكمها على الوفاء بها بوسيلة الحبس وضعا للأمور في نصابها الصحيح يرد المحكوم عليه المتعنت عن ظلمه وعنته فيحل الوئام والوفاق والمودة ين أعضاء الأسرة محل الشقاق والبغضاء وعلى مقتضى ذلك يكون هدف النص المطعون فيه عكس ما ينعاه عليه المدعى دعم التضامن الإجتماعى وتوثيق القيم والتقاليد الرشيدة وإرساء الأواصر بين أعضاء الأسرة على دعئم وطيدة من المودة والرحمة.
فقرة رقم -1
تتحصل الوقائع ، على ما يبين من الأوراق ، فى ان المدعى عليها الثانية السيدة سامية عبد العال رشدان ، استصدرت ضد زوجها المدعى دكتور عمر محمود حلمى إسماعيل ، حكما من محكمة عابدين الجزئية " دائرة الأحوال الشخصية " يقضى بإلزامه بأن يؤدى إليها وإلى ابنتها منه نفقة مقدارها 94 جنيها شهريا ثم اقامت ضده دعاوى الحبس رقم 95 ورقم 133 ورقم 134 ورقم 135 لسنة 1973 أمام المحكمة المذكورة إستنادا إلى المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 ، ودفع دكتور عمر محمود حلمى إسماعيل امام المحكمة بعدم دستورية هذه المادة .
وفى 30 من ديسمبر سنة 1973 قضت المحكمة بوقف الفصل فى دعاوى الحبس المشار إليها حتى تفصل المحكمة العليا فى الدفع بعدم دستورية المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها على أن يقيم الطاعن الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا خلال ثلاثين يوما من تاريخ النطق بالحكم . وقد أقام المدعى هذه الدعوى ضد المدعى عليهما بعريضة أودعت قلم كاب المحكمة العليا فى 29 من يناير سنة 1974 وقيدت برقم 1 لسنة 5 قضائية عليا دستورية طالبا الحكم بعدم دستورية المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ولإجراءات المتعلقة بها الصادر بها المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 والزام الحكومة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة . وقدمت المدعى عليها الثانية مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى والزام المدعى المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة . وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريرا مسببا بالرأى القانونى إنتهت فيه إلى أنها ترى الحكم برفض الدعوى ومصادرة الكفالة والزام المدعى المصروفات ، وحددت جلسة 18 من مايو سنة 1974 لنظر الدعوى فى هذه الجلسة قدمت الحكومة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى والزام المدعى المصروفات ومقابل اتعاب المحاماة ، وقد نظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة وأرجأت المحكمة إصدار الحكم فى الدعوى إلى جلسة 29 من يونيه سنة 1974 مع الترخيص فى تقديم مذكرات وقد قدم كل من المدعى والمدعى عليها الثانية مذكرة بدفاعه صمم فيها على طلباته وفى هذه الجلسة صدر الحكم الاتى .