الطعن رقم 56 لسنة 18 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
1997-11-15
سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى:
دعوى دستورية " تدخل "
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ ايجار - حماية
⚖️ تشريع - نص الفقرة الاولى من المادة 8 من القانون رقم 49 لسنة 1977
⚖️ تشريع - نص الفقرة الاولى من المادة 8 من القانون رقم 49 لسنة 1977 - مخالفة الدستور
⚖️ تنظيم الحقوق - سلطة تقديرية
⚖️ جريمة جنائية - عمل مادى
⚖️ جزاء جنائى - ضرورة اجتماعية
⚖️ حرية الانتقال - موازنة - حرية شخصية
⚖️ حرية التعاقد - حق الملكية - انهاء العقود
⚖️ حرية التعاقد - حق طبيعى - حرية شخصية
⚖️ حرية التعاقد - قيود تشريعية
⚖️ حرية شخصية - خصوصية
⚖️ حق الملكية الخاصة - حماية - كسب الملكية
⚖️ حق الملكية الخاصة - وظيفة اجتماعية
⚖️ دستور - الملكية الخاصة - حمايتها - تقييدها - وظيفتها الاجتماعية
⚖️ دستور - قيم وحقوق - حق التقاضى
⚖️ دستور - ملكية زراعية - حد اقصى
⚖️ دعوى دستورية - المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها
⚖️ دعوى دستورية - تدخل
⚖️ عقود - انهاؤها
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف أعضاء وحنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين وحمدى أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة. حيث إن الوقائع - حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى عليه الثانى كان قد أقام ضد المدعى الدعوى رقم 2957 لسنة 1995 مدنى كلى الإسكندرية (مساكن)، طالبا فيها إخلاءه من الشقة التى استأجرها منه، وفسخ عقد إجارتها المؤرخ أول يناير سنة 1973، وذلك استنادا إلى أنه تملك سكنا آخر فى المدينة، وصار بذلك محتجزا أكثر من مسكن فى بلد واحد .وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعى عليه فيها بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 لمخالفتها لأحكام المواد 2 و 40 و 41 و 50 و 57 من الدستور، فقررت محكمة الموضوع تأجيل نظر الدعوى المطروحة عليها كى يقدم مبدى الدفع مايفيد الطعن بعدم الدستورية، فأقام المدعى الدعوى الماثلة. وحيث إن الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر يجرى نصها كالآتى : << لايجوز للشخص أن يحتجز فى البلد الواحد أكثر من مسكن دون مقتض >> .وحيث إنه عن طلب التدخل، فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن شرط قبوله أن يكون مقدما ممن كان طرفا فى الخصومة الموضوعية، وهو مالم يتوافر فى النزاع الراهن، ومن ثم يكون هذا الطلب غير مقبول .وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها ارتباطها عقلا بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى، وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازما للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها ؛ وكان النزاع الموضوعى يدور حول طلب إخلاء المدعى من عين كان قد استأجرها بعد أن تملك غيرها، وصاربذلك محتجزا أكثر من مسكن فى البلد الواحد ؛ وكان ماتوخاه المدعى بدعواه الدستورية أن يظل باقيا فى العين التى استأجرها، فلايطرد منها تأسيسا على أن ماتنص عليه الفقرة الأولى المطعون عليها من حظر احتجاز أكثر من مسكن فى البلد الواحد، مناقض للدستور ؛ وكانت المادة 76 من هذا القانون، تفرض جزاء جنائيا فى شأن من يخالفون هذا الحظر، فإن هذه الفقرة وتلك المادة تتكاملان مع بعضهما، وتمثلان كلا لاينقسم، وبهما معا يتحدد للخصومة الدستورية نطاقها .وحيث إن الفقرة الأولى من المادة الثامنة المشار إليها، هى التى قرن المشرع مخالفتها بإيقاع جزاء جنائى ؛ وكان كل جزاء جنائى لايعتبر موافقا للدستور إلا إذا كان مبناه ضرورة اجتماعية لاتناهض الأحكام التى تضمنها ؛ وكان ذلك مؤداه أن بطلان أصل الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها، يعنى أن يصبح الجزاء الجنائى المتصل بها منعدما محلا وساقطا، فلايبقى هذا الجزاء بعد زوالها تبعا للحكم ببطلانها لمخالفتها للدستور .وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الأولى المطعون عليها مخالفتها لأحكام المواد 2 و 40 و 41 و 50 و57 من الدستور، وذلك تأسيسا على أن المشرع أخضع المساكن المؤجرة لأغراض السكنى دون غيرها للحظر المتعلق باحتجاز أكثر من مسكن فى البلد الواحد، وظل نطاق الحظر منحسرا بالتالى عن الأماكن المعدة لغير أغراض السكنى، ليقيم المشرع بذلك تمييزا جائرا بين مواطنين تتماثل ظروفهم القانونية بما يخل بتساويهم أمام القانون .كذلك فإن إطلاق الحق فى احتجاز أكثر من مسكن ولو فى بلد واحد، لاينال من مبدأ تكافؤ الفرص إلا إذا تعلق الأمر بمساكن هيأتها الدولة لمواطنيها، وكان تزاحمهم عليها متصورا .ولاكذلك المسكنان اللذان احتجزهما المدعى استئجارا وتمليكا فى البلد الواحد .هذا فضلا عن أن الحظر المقرر بالفقرة المطعون عليها لايستند إلى منطق، إذ بينما يقوم هذا الحظر فى البلد الواحد، فإن مقتضاه إمكان أن يكون لكل شخص أكثر من مسكن بقدر عدد مدن مصر جميعها، ولو لم يكن لاحتجازها بكاملها من مسوغ .وحيث إن البين من مضبطة الجلسة الثانية والسبعين لمجلس الشعب المعقودة فى 19 يونيو 1977، أن بعض أعضاء المجلس اقترح أن يمتد الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها إلى الشخص وأولاده القصر .ومنهم من دعا إلى أن يكون هذا الحظرمطلقا، فلايجوز احتجاز أكثر من مسكن فى البلد الواحد، ولوكان مبررا .وارتأى آخرون أن يكون الاحتجاز منصرفا لأكثر من مسكن، سواء كان سنده ملكا أو إيجارا، إلا أن مجلس الشعب أبقى على الحظر بالصورة التى ظهر بها فى مشروع الحكومة. وجاء كذلك بتقرير لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بمجلس الشعب فى شأن مشروع قانون تأجير وبيع الأماكن، أن مشكلة الإسكان لاتنفرج بالقانون، وإنما يتعين أن تعمل الدولة جاهدة على توفير الوحدات السكنية مع وضعها القطاعين التعاونى والخاص فى حجمهما المأمول، لينطلقا إلى تحقيق ماهو مقعود عليهما من رجاء. وحيث إن المشرع تغيا بالفقرة الأولى من المادة 8 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه - وعلى مايبين من المذكرة الإيضاحية لهذا القانون - العمل على توفير المساكن لمن يطلبها. وحيث إن السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق، حدها قواعد الدستور، فلايجوز تخطيها ؛ وكان من المقرر أن الحقوق التى كفل الدستور أصلها لايجوز تقييدها بما ينال منها، تقديرا بأن لكل حق مجالا حيويا أو دائرة منطقية يعمل فى إطارها، فلايجوز اقتحامها، وإلا كان ذلك نقضا لفحواه، وعدوانا على نصوص الدستور ذاتها. وحيث إن ماينعاه المدعى من مخالفة الفقرة المطعون عليها لحكم المادة الثانية من الدستور التى تقيم من الشريعة الإسلامية - فى ثوابتها ومبادئها الكلية - المصدر الرئيسى لكل قاعدة قانونية أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور بها، مردود بأن الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية التى تباشرها هذه المحكمة فى مجال تطبيقها لنص المادة الثانية من الدستور، لاتمتد - وعلى ماجرى به قضاؤها - لغير النصوص القانونية الصادرة بعد تعديلها فى 22 مايو 1980، ولايندرج تحتها القانون رقم 49 لسنة 1977 لصدوره قبلها، ومن ثم يظل نائيا عن رقابتها، ولوكانت النصوص التى تضمنها قد شابها عوار تناقضها مع الأحكام الشرعية المقطوع بثبوتها ودلالتها. وحيث إن ماينعاه المدعى من مخالفة النص المطعون فيه للمادة 57 من الدستور التى تقضى بأن كل اعتداء على الحرية الشخصية وعلى حرمة الحياة الخاصة، أو على الحقوق والحريات العامة التى يكفلها الدستور أو القانون، يعد جريمة لاتسقط الدعوى الجنائية ولا الدعوى المدنية الناشئة عنها بالتقادم، مردود بأن تأثيم الدستور أو المشرع أفعالا بذواتها أو صورا من الامتناع يحددانها، مؤداه أن يتخذ هذا الفعل أو الامتناع مظهرا ماديا، فلايكون كامنا فى أعماق النفوس مُغلفا بدخائلها، بل ظاهرا جليا مُعبرا عن إرادة عصيان نصوص عقابية آمرة زجر بها المشرع المخاطبين بها، محددا من خلالها ماينبغى عليهم أن يأتوه أو يدعوه من الأفعال، بعد تحديدها تحديدا قاطعا لايلبسها بغيرها .ولاكذلك ماتقره السلطة التشريعية من نصوص قانونية فى مجال تنظيم الحقوق، ولامايصدر من هذه النصوص عن السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور بها، ذلك أن تلك النصوص جميعها لاتبلور عملا ماديا تظهر به الجريمة على مسرحها، ولكنها تحدد لدائرة التجريم نطاقها على ضوء الضرورة الاجتماعية التى تقدرها، وبما يكون مناسبا لمتطلباتها. وحيث إن الدستور لايعتبر مجرد إطار شكلى أو تنظيم إجرائى لقواعد مباشرة السلطة وصور توزيعها، وإنما يتضمن - أصلا - قِيَما وحقوقا لها مضامين موضوعية كفل الدستور حمايتها، وحرص على أن يرد كل عدوان عليها من خلال حق التقاضى حتى يظل محتواها نقيا كاملا، فلاتفقد قيمتها أو تنحدر أهميتها.ولاتنفصل هذه القيم وتلك الحقوق عن الديموقراطية محدد معناها وفق أكثر أشكالها تطورا، ولكنها تقارنها، وتقيم أساسها، وتكفل إنفاذ مفاهيمها، بل إنها أكثر اتصالا بذاتية الفرد، وبتكامل شخصيته، وبحفظها لكرامته، فلاتكون الحرية معها شعارا، بل توهجا فاعلا ومحيطا. وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونا للحرية الشخصية التى لايقتصر ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من إرادة الاختيار وسلطة التقرير التى ينبغى أن يملكها كل شخص، فلايكون بها كائنا يُحمل على مالايرضاه، بل بشرا سويا. وحيث إن حرية التعاقد هذه، فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، إنها كذلك وثيقة الصلة بالحق فى الملكية، وذلك بالنظر إلى الحقوق التى ترتبها العقود فيما بين أطرافها، أيا كان الدائن بها أو المدين بأدائها .بيد أن هذه الحرية - التى لايكفلها انسيابها دون عائق، ولاجرفها لكل قيد عليها، ولاعلوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها - لاتعطلها تلك القيود التى تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون انفلاتها من كوابحها .ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محددا بقواعد آمرة تحيط ببعض جوانبها، غير أن هذه القيود لايسعها أن تدهم الدائرة التى تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر. وحيث إن العقود التى يقيمها أطرافها وفق نصوص الدستور ذاتها، لايجوز أن ينهيها المشرع، ولو عارضتها مصلحة أيا كان وزنها. وحيث إن صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لايجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ماضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية ؛ وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها جوهرمقوماتها ؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لايجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفا بها منافيا للحق فيها .وحيث إن الحماية التى يكفلها الدستور للملكية الخاصة - وبوصفها إحدى القيم الجوهرية التى يرعاها - لاتقتصر على ماهو قائم فعلا من مصادرها التى استقام بها الحق فى الملكية صحيحا وفق أحكام الدستور، ولكنها تمتد بداهة إلى ماهو مشروع من صور كسبها التى تعد سببا لتلقيها أو لانتقالها من يد أصحابها إلى آخرين، فلايكون تقييد دائرتها جائزا.فالأموال التى نملكها، وكذلك مايؤول إلى أغيار من عناصرها، هى التى قصد الدستور إلى صونها، ولم يجز المساس بها إلا استثناء، وبمراعاة الوسائل القانونية السليمة التى تقارن حق إنشائها وتغيير سندها .وينبغى بالتالى النظر إلى الحماية التى تشملها بما يقيمها وفق مفاهيم الحرية التى يمارسها الأفراد تعبيرا عن ذواتهم، وتوكيدا لحدود مسئوليتهم عن صور نشاطهم على اختلافها Self-defining responsible activity، فلايكون صون الملكية إلا ضمانا ذاتيا لأصحابها، يرد عن ملكيتهم كل عدوان ينال من عناصرها .وحيث إن ما تنص عليه المادة 37 من الدستور من أن يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية بما يضمن حماية الفلاح والعامل الزراعى من الاستغلال، مؤداه أن قيد الحد الأقصى لايتعلق إلا بالملكية الزراعية، فإذا انسحب إلى غيرها، كان مخالفا للدستور. وحيث إن حرية الانتقال Freedom of movement غدوا ورواحا - بما تشتمل عليه من حق مغادرة الإقليم - تعتبر حقا لكل مواطن يمارسها بما لايعطل جوهرها، وإن جاز أن يتدخل المشرع لموازنتها بمصلحة يقتضيها الأمن القومى. il revient au législateur d assurer la conciliation entre d une part la liberté d aller et venir, laquelle n est pas limitée au territoire national mais comporte également le droit de le quitter, et la protection de la sécurité nationale, nécessaires l une et l autre à la sauvegarde de droits de valeur constitutionnelle. .(DC, 13 aout 3991, cons .103 , p . 224 - 325 - 39) وحيث إن المادة 50 من الدستور تردد هذه الحرية ذاتها بإطلاقها حق كل مواطن - وفيما خلا الأحوال التى يبينها القانون - فى أن يقيم فى الجهة التى يختارها داخل بلده، فلايُرد عنها، ولايُحمل على أن يتخذ غيرها مقرا دائما. كذلك فإن حرية الانتقال - وما يقارنها من اختيار الشخص لجهة بعينها يقيم فيها - هى التى اعتبرها الدستور من عناصر الحرية الشخصية، فلاتتكامل بعيدا عنها، وكان مفهوما بالتالى أن يَنُص فى المادة 41، على أن القبض والحرمان من الانتقال مشروطان - إذا لم يكن ثمة تلبس - بصدور أمربهما من جهة قضائية يكون مستندا إلى ضرورة يستلزمها التحقيق، ويقتضيها صون أمن الجماعة. وفى إطار هذه الحرية ذاتها، فإن إبعاد المواطن عن بلده أو رده عن العودة إليها، ممنوعان بنص المادة 51 من الدستور، ولوكان ذلك تدبيرا احترازيا لمواجهة خطورة إجرامية. وكشف الدستور كذلك عن بعض الأبعاد التى تتسم بها حرية الانتقال، وذلك بما نص عليه فى المادة 52 من أن لكل مواطن حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج وفقا للقواعد التى يضعها المشرع فى شأن شروط الهجرة وإجراءاتها .وجعل الله تعالى حرية الانتقال حقا وواجبا بأن مهد الأرض لتكون ذلولا لعباده، يمشون فى مناكبها أعزاء غيرمقهورين. وتشهد هذه النصوص جميعها بأن حرية الانتقال حق عام، وإن تقييده دون مقتض مشروع، إنما يجرد الحرية الشخصية من خصائصها، ويقوض صحيح بنيانها. وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ثمة مناطق من الحياة الخاصة لكل فرد تمثل أغوارا لايجوز النفاذ إليها، وينبغى دوما ألا يقتحمها أحد ضمانا لسريتها وصونا لحرمتها، فلايكون اختلاس بعض جوانبها مقبولا .وهذه المناطق من خواص الحياة ودخائلها تصون مصلحتين تتكاملان فيما بينهما وإن بديتا منفصلتين، ذلك أنهما تتعلقان بوجه عام بنطاق المسائل الشخصية التى ينبغى كتمانها وحجبها عن الآخرين، وكذلك بما ينبغى أن يستقل كل فرد به من سلطة التقرير فيما يؤثر فى مصيره .وتبلور هذه المناطق جميعها التى يلوذ الفرد بها، مطمئنا لحرمتها، وامتناع إخضاعها لأشكال الرقابة وأدواتها على اختلافها، الحق فى أن تكون للحياة الخاصة تخومها، باعتبار أن صونها من العدوان أوثق اتصالا بالقيم التى تدعو إليها الأمم المتحضرة، وأكفل للحرية الشخصية التى يجب أن يكون نهجها متواصلا ليوائم مضمونها الآفاق الجديدة التى ترنو الجماعة إليها. وحيث إن احتجاز أكثر من عين للسكنى وفقا لحكم الفقرة الأولى المطعون عليها، يفيد الانفراد بها والاستئثار بمنافعها، سواء أكان من يحتجزها مالكا لها جميعها، أم مستأجرا لها بأكملها، أم مالكا لبعضها ومستأجرا باقيها. وحيث إن سريان الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها فى شأن كل شخص يحتجز أكثر من مسكن فى البلد الواحد، ولو تملكها جميعها، إنما يناقض الدستور من نواح متعددة أولها: أن الملكية التى يجوز تقرير حدها الأقصى، هى التى تكون الأراضى الزراعية - دون سواها- محلا لها. ثانيها: أن الملكية وثيقة الصلة بالحق فى التنمية، وبحرية تداول الأموال فيما هو مشروع من أوجهها .ولايجوز بالتالى فرض قيود عليها تنقض مجال حركتها، ولاتقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وعلى الأخص فى إطار الأوضاع الراهنة التى صار تمليك المساكن معها نمطا غالبا، وأسلوبا يكاد أن يكون وحيدا لاتخاذها موطنا يقيم الشخص فيه عادة ؛ ولأن جواز أن يكون للشخص أكثر من موطن، قاعدة مقررة قانونا. وثالثها : أن المشرع قرن الحظر المنصوص عليه بالفقرة المشار إليها، بعقوبة مقيدة للحرية تعداها إلى حد إنهاء العمل بالعقود التى تم إبرامها بالمخالفة لمضمونه .وهو ما يعتبر أخذا للملكية من أصحابها بغير اتباع الوسائل القانونية السليمة، بعد أن فقد أصحابها سند ملكيتهم بمقتضى قاعدة آمرة لا يملكون منها فكاكا. وحيث إن حظر احتجاز أكثر من مسكن فى البلد الواحد يناقض الدستور كذلك، ولو كان من احتجزها قد استأجرها جميعا، ذلك أن النصوص القانونية تعتبر مجرد وسائل لتحقيق أغراض بعينها قصد إليها المشرع كافلا من خلالها مصلحة مشروعة يبتغيها .وهذه الصلة التى تقوم بها علاقة منطقية بين مضمون النصوص القانونية وأهدافها، تعتبر شرطا لدستوريتها.بيد أن الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها، وإن تعلق باحتجاز أكثر من مسكن << فى البلد الواحد >> ضمانا لتوفير السكنى لمن يطلبها، إلا أن هذه الفقرة ذاتها - وبمفهوم المخالفة لحكمها - لاتحول دون احتجاز الشخص الواحد لأكثر من مسكن بقدر عدد مدن مصر جميعها إذا اتخد فى كل منها - ولودون مقتض - مسكنا واحدا مستقلا .كذلك فإن البلد الواحد - فى تطبيق الفقرة المطعون عليها - قد يكون شديد الاتساع متراميا أطرافا، ويظل شأن احتجاز أكثر من مسكن فيه، شأن احتجازها فى بلدة تضيق رقعتها إلى حد كبير .كذلك قد يكون المسكن الآخر واقعا على حدود التَّماس بين بلدين، ويظل مع ذلك محظورا. وحيث إن الدستور - وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة - كفل صون الأموال دون تمييز بينها باعتبار أن الحقوق جميعها - الشخصية منها والعينية - تعتبر قيما مالية لايجوز أن يمسها المشرع ؛ وكان حق المستأجر فى الانتفاع بالشئ المؤجر لمدة محددة ولقاء أجر معلوم، لازال حقا شخصيا حتى فى إطار القوانين الاستثنائية التى حدد بها المشرع للإجارة بعض جوانبها بمقتضى قواعد آمرة لايجوز الاتفاق على خلافها، ويعتبر بذلك حقا ماليا مكفولا بنصوص الدستور ذاتها .فإذا أهدره المشرع من خلال إنهاء العمل بعقود الإجارة التى يجاوز محلها مسكنا واحدا فى البلد الواحد ؛ فإن هذا الإنهاء يكون متضمنا عدوانا على عقود تتعلق بقيم مالية، ومعطلا دور الإرادة الحرة فى مجال إحداثها، ومقيدا كذلك حرية الانتقال التى كفل الدستور أصلها بمايلازمها من حق اختيار الشخص للجهة التى يقيم فيها، فلا يُحمل على أن يتخذ غيرها مقرا. وحيث إن احتجاز أكثر من مسكن فى البلد الواحد - مستأجرا كان أم مملوكا - وإن كان جائزا وفقا للنص المطعون فيه، كلما قام هذا الاحتجاز على مقتض مشروع يبرره ؛ وكان تقدير توافر هذا المبرر - وعلى الأخص فى نطاق الشئون العائلية - من المسائل التى تدق فيها الأنظار ؛ وكانت الأعذار التى تسوغ هذا الاحتجاز كثيرا ما تكتنفها محاذير تحول دون إعلانها، فلايكون الحمل علي طرحها من خلال الخصومة القضائية إلا إخلالا بحرمة الحياة الخاصة التى كفل الدستور صونها بنص المادة 45، ومن ثم كان كتمان أصحابها لها - مع مشروعيتها - متصلا بدخائلهم وأغوار سرائرهم .وماجوهر الأسرة إلا وحدة بنيانها وترابط مصالح أفرادها وتداخلها، فلا يجوز أن يكون أمرها نهبا لآخرين يميطون عن أسرارها، أستارها. وحيث إنه لما تقدم تكون الفقرة الأولى المطعون عليها مخالفة لأحكام المواد 32 و34 و41 و45 و50 من الدستور. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة : أولا: بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. ثانيا: بسقوط نص المادة 76 من هذا القانون فى مجال تطبيقها بالنسبة لاحتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد. ثالثا: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة:
أولاً: بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
ثانياً: بسقوط نص المادة 76 من هذا القانون في مجال تطبيقها بالنسبة لإحتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
شرط قبول التدخل أن يكون مقدماً ممن كان طرفاً فى الخصومة الموضوعية ، وهو ما لم يتوافر فى النزاع الراهن ، ومن ثم يكون هذا الطلب غير مقبول .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
المصلحة الشخصية المباشرة ــ وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية ــ مناطها إرتباطها عقلاً بالمصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها ، وكان النزاع الموضوعى يدور حول طلب إخلاء المدعى من عين كان قد إستأجرها بعد أن تملك غيرها ، وصار بذلك محتجزاً أكثر من مسكن فى البلد الواحد ، وكان ما توخاه المدعى بدعواه الدستورية أن يظل باقياً فى العين التى إستأجرها ، فلا يطرد منها تأسيساً على أن ما تنص عليه الفقرة الأولى المطعون عليها من حظر إحتجاز أكثر من مسكن فى البلد الواحد ، مناقض للدستور ، وكانت المادة 76 من هذا القانون ، تفرض جزاء جنائياً فى شأن من يخالفون هذا الحظر ، فإن هذه الفقرة وتلك المادة تتكاملان مع بعضهما ، وتمثلان كلا لا ينقسم ، وبهما معاً يتحدد للخصومة الدستورية نطاقها .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
كل جزاء جنائى لا يعتبر موافقاً للدستور إلا إذا كان مبناه ضرورة إجتماعية لا تناهض الأحكام التى تضمنها ، وكان ذلك مؤداه أن بطلان أصل الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها ، يعنى أن يصبح الجزاء المتصل بها منعدماً محلاً وساقطاً ، فلا يبقى هذا الجزاء بعد زوالها تبعاً للحكم ببطلانها لمخالفتها للدستور .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق ، حدها قواعد الدستور ، فلا يجوز تخطيها ، وكان من المقرر أن الحقوق التى كفل الدستور أصلها لا يجوز تقييدها بما ينال منها ، تقديراً بأن لكل حق مجالاً حيوياً أو دائرة منطقية يعمل فى إطارها ، فلا يجوز إقتحامها ، وإلا كان ذلك نقضاً لفحواه ، وعدواناً على نصوص الدستور ذاتها .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
تأثيم الدستور أو المشرع أفعالاً بذواتها أو صوراً من الإمتناع يحددانها ، مؤداه أن يتخذ هذا الفعل أو الإمتناع مظهراً مادياً ، فلا يكون كامناً فى أعماق النفوس مغلفاً بدخائلها ، بل ظاهراً جلياً معبراً عن إرادة عصيان نصوص عقابية آمرة زجر بها المشرع المخاطبين بها ، محدداً من خلالها ما ينبغى عليهم أن يأتوه أو يدعوه من الأفعال ، بعد تحديدها تحديداً قاطعاً لا يلبسها بغيرها . ولا كذلك ما تقره السلطة التشريعية من نصوص قانونية فى مجال تنظيم الحقوق ، ولا ما يصدر من هذه النصوص عن السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور بها . ذلك أن تلك النصوص جميعها لا تبلور عملاً مادياً تظهر به الجريمة على مسرحها ، ولكنها تحدد لدائرة التجريم نطاقها على ضوء الضرورة الاجتماعية التى تقدرها ، وبما يكون مناسباً لمتطلباتها .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
الدستور لا يعتبر مجرد إطار شكلى أو تنظيم إجرائى لقواعد مباشرة السلطة وصور توزيعها ، وإنما يتضمن ــ أصلاً ــ قيماً وحقوقاً لها مضامين موضوعية كفل الدستور حمايتها ، وحرص على أن يرد كل عدوان عليها من خلال حق التقاضى حتى يظل محتواها نقياً كاملاً ، فلا تفقد قيمتها أو تنحدر أهميتها ، ولا تنفصل هذه القيم وتلك الحقوق عن الديموقراطية محدد معناها وفق أكثر أشكالها تطوراً ، ولكنها تقارنها ، وتقيم أساسها ، وتكفل إنفاذ مفاهيمها ، بل إنها أكثر إتصالاً بذاتية الفرد ، وبتكامل شخصيته ، وبحفظها لكرامته ، فلا تكون الحرية معها شعاراً ، بل توهجاً فاعلاً ومحيطاً .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية التي لا يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صون العدوان على البدن، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من إرادة الإختيار وسلطة التقرير التي ينبغي أن يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائناً يُحمل على ما لا يرضاه، بل بشراً سوياً.
📌 المبدأ / الفقرة (8)
حرية التعاقد هذه، فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، إنها كذلك وثيقة الصلة بالحق في الملكية، وذلك بالنظر إلى الحقوق التي ترتبها العقود فيما بين أطرافها، أياً كان الدائن بها أو المدين بأدائها. بيد أن هذه الحرية - التي لا يكفلها إنسيابها دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها - لا تعطلها تلك القيود التي تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون إنفلاتها من كوابحها. ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محدداً بقواعد آمرة تحيط ببعض جوانبها. غير أن هذه القيود لا يسعها أن تدهم الدائرة التي تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر.
📌 المبدأ / الفقرة (9)
حرية التعاقد هذه، فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، إنها كذلك وثيقة الصلة بالحق في الملكية، وذلك بالنظر إلى الحقوق التي ترتبها العقود فيما بين أطرافها، أياً كان الدائن بها أو المدين بأدائها. بيد أن هذه الحرية - التي لا يكفلها انسيابها دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها - لا تعطلها تلك القيود التي تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون انفلاتها من كوابحها. ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محدداً بقواعد آمرة تحيط ببعض جوانبها. غير أن هذه القيود لا يسعها أن تدهم الدائرة التي تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر.
📌 المبدأ / الفقرة (10)
العقود التي يقيمها أطرافها وفق نصوص الدستور ذاتها، لا يجوز أن ينهيها المشرع، ولو عارضتها مصلحة أياً كان وزنها.
📌 المبدأ / الفقرة (11)
صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها جوهر مقوماتها؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفاً بها منافياً للحق فيها.
📌 المبدأ / الفقرة (12)
صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها جوهر مقوماتها؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفاً بها منافياً للحق فيها.
📌 المبدأ / الفقرة (13)
الحماية التي يكفلها الدستور للملكية الخاصة - وبوصفها إحدى القيم الجوهرية التي يرعاها - لا تقتصر على ما هو قائم فعلاً من مصادرها التي استقام بها الحق في الملكية صحيحاً وفق أحكام الدستور، ولكنها تمتد بداهة إلى ما هو مشروع من صور كسبها التي تعد سبباً لتلقيها أو لانتقالها من يد أصحابها إلى آخرين، فلا يكون تقييد دائرتها جائزاً. فالأموال التي نملكها، وكذلك ما يؤول إلى أغيار من عناصرها، هي التي قصد الدستور إلى صونها، ولم يجز المساس بها إلا استثناء، وبمراعاة الوسائل القانونية السليمة التي تقارن حق إنشائها وتغيير سندها. وينبغي بالتالي النظر إلى الحماية التي تشملها بما يقيمها وفق مفاهيم الحرية التي يمارسها الأفراد تعبيراً عن ذواتهم، وتوكيداً لحدود مسئوليتهم عن صور نشاطهم على اختلافها
Self-defining responsible activity، فلا يكون صون الملكية إلا ضماناً ذاتياً لأصحابها، يرد عن ملكيتهم كل عدوان ينال من عناصرها.
📌 المبدأ / الفقرة (14)
ما تنص عليه المادة 37 من الدستور من أن يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية بما يضمن حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال، مؤداه أن قيد الحد الأقصى لا يتعلق إلا بالملكية الزراعية، فإذا انسحب إلى غيرها، كان مخالفاً للدستور.
📌 المبدأ / الفقرة (15)
حرية الإنتقال Freedom of movement غدواً ورواحاً - بما تشتمل عليه من حق مغادرة الإقليم - تعتبر حقاً لكل مواطن يمارسها بما لا يعطل جوهرها، وإن جاز، أن يتدخل المشرع لموازنتها بمصلحة يقتضيها الأمن القومي.
Il revient au législateur d'assurer la conciliation entre d'une part la liberté d'aller et venir, laquelle n'est pas limitée au territoire national mais comporte également la droit de le quitter, et la protection de la sécurité nationale, necessaries l'une et l'autre à la sauvegarde de droits de valeur constitutionnelle.
(93 - 325 DC, 13 aout 1993, cons. 103, p. 224)
إن المادة 50 من الدستور تردد هذه الحرية ذاتها بإطلاقها حق كل مواطن - وفيما خلا الأحوال التي يبينها القانون - في أن يقيم في الجهة التي يختارها داخل بلده، فلا يُرد عنها، ولا يُحمل على أن يتخذ غيرها مقراً دائماً.
كذلك فإن حرية الإنتقال - وما يقارنها من اختيار الشخص لجهة بعينها يقيم فيها - هي التي اعتبرها الدستور من عناصر الحرية الشخصية، فلا تتكامل بعيداً عنها، وكان مفهوماً بالتالي أن ينص في المادة 41، على أن القبض والحرمان من الإنتقال مشروطان - إذا لم يكن ثمة تلبس - بصدور أمر بهما من جهة قضائية يكون مستنداً إلى ضرورة يستلزمها التحقيق، ويقتضيها صون أمن الجماعة.
وفي إطار هذه الحرية ذاتها، فإن إبعاد المواطن عن بلده أو رده عن العودة إليها، ممنوعان بنص المادة 51 من الدستور، ولو كان ذلك تدبيراً احترازياً لمواجهة خطورة إجرامية.
وكشف الدستور كذلك عن بعض الأبعاد التي تتسم بها حرية الإنتقال، وذلك بما نص عليه في المادة 52 من أن لكل مواطن حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج وفقاً للقواعد التي يضعها المشرع في شأن شروط الهجرة وإجراءاتها. وجعل الله تعالى حرية الإنتقال حقاً وواجباً بأن مهد الأرض لتكون ذلولاً لعباده، يمشون في مناكبها أعزاء غير مقهورين.
وتشهد هذه النصوص جميعها بأن حرية الإنتقال حق عام، وأن تقييده دون مقتض مشروع، إنما يجرد الحرية الشخصية من خصائصها، ويقوض صحيح بنيانها.
📌 المبدأ / الفقرة (16)
ثمة مناطق من الحياة الخاصة لكل فرد تمثل أغواراً لا يجوز النفاذ إليها، وينبغي دوماً ألا يقتحمها أحد ضماناً لسريتها وصوناً لحرمتها، فلا يكون اختلاس بعض جوانبها مقبولاً. وهذه المناطق من خواص الحياة ودخائلها تصون مصلحتين تتكاملان فيما بينهما وإن بديتا منفصلتين، ذلك أنهما تتعلقان بوجه عام بنطاق المسائل الشخصية التي ينبغي كتمانها وحجبها عن الآخرين، وكذلك بما ينبغي أن يستقل به كل فرد من سلطة التقرير فيما يؤثر في مصيره. وتبلور هذه المناطق جميعها التي يلوذ الفرد بها، مطمئناً لحرمتها، وامتناع إخضاعها لأشكال الرقابة وأدواتها على اختلافها، الحق في أن تكون للحياة الخاصة تخومها، بإعتبار أن صونها من العدوان أوثق اتصالاً بالقيم التي تدعو إليها الأمم المتحضرة، وأكفل للحرية الشخصية التي يجب أن يكون نهجها متواصلاً ليوائم مضمونها الآفاق الجديدة التي ترنو الجماعة إليها.
📌 المبدأ / الفقرة (17)
إحتجاز أكثر من عين للسكنى وفقاً لحكم الفقرة الأولى المطعون عليها، يفيد الإنفراد بها والإستئثار بمنافعها، سواء أكان من يحتجزها مالكاً لها جميعها، أم مستأجراً لها بأكملها، أم مالكاً لبعضها ومستأجراً باقيها.
سريان الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها في شأن كل شخص يحتجز أكثر من مسكن في البلد الواحد، ولو تملكها جميعها، إنما يناقض الدستور من نواح متعددة أولها: أن الملكية التي يجوز تقرير حدها الأقصى، هي التي تكون الأراضي الزراعية - دون سواها - محلاً لها.
ثانيها: أن الملكية وثيقة الصلة بالحق في التنمية، وبحرية تداول الأموال فيما هو مشروع من أوجهها. ولا يجوز بالتالي فرض قيود عليها تنقض مجال حركتها، ولا تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وعلى الأخص في إطار الأوضاع الراهنة التي صار تمليك المساكن معها نمطاً غالباً، وأسلوباً يكاد أن يكون وحيداً لاتخاذها موطناً يقيم الشخص فيه عادة؛ ولأن جواز أن يكون للشخص أكثر من موطن، قاعدة مقررة قانوناً.
وثالثها: أن المشرع قرن الحظر المنصوص عليه بالفقرة المشار إليها، بعقوبة مقيدة للحرية تعداها إلى حد إنهاء العمل بالعقود التي تم إبرامها بالمخالفة لمضمونه. وهو ما يعتبر أخذاً للملكية من أصحابها بغير إتباع الوسائل القانونية السليمة، بعد أن فقد أصحابها سند ملكيتهم بمقتضى قاعدة آمرة. لا يملكون منها فكاكاً.
📌 المبدأ / الفقرة (18)
حظر احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد يناقض الدستور كذلك، ولو كان من إحتجزها قد استأجرها جميعاً، ذلك أن النصوص القانونية تعتبر مجرد وسائل لتحقيق أغراض بعينها قصد إليها المشرع كافلاً من خلالها مصلحة مشروعة يبتغيها. وهذه الصلة التي تقوم بها علاقة منطقية بين مضمون النصوص القانونية وأهدافها، تعتبر شرطاً لدستوريتها. بيد أن الحظر المقرر بالفقرة الأولى المطعون عليها، وإن تعلق باحتجاز أكثر من مسكن "في البلد الواحد" ضماناً لتوفير السكنى لمن يطلبها، إلا أن هذه الفقرة ذاتها - وبمفهوم المخالفة لحكمها - لا تحول دون إحتجاز الشخص الواحد لأكثر من مسكن بقدر عدد مدن مصر جميعها إذا إتخذ في كل منها - ولو دون مقتض - مسكناً واحداً مستقلاً. كذلك فإن البلد الواحد - في تطبيق الفقرة المطعون عليها - قد يكون شديد الاتساع مترامياً أطرافاً، ويظل شأن إحتجاز أكثر من مسكن فيه، شأن إحتجازها في بلدة تضيق رقعتها إلى حد كبير. كذلك قد يكون المسكن الآخر واقعاً على حدود التماس بين بلدين، ويظل مع ذلك محظوراً.
📌 المبدأ / الفقرة (19)
كفل الدستور صون الأموال دون تمييز بينها باعتبار أن الحقوق جميعها - الشخصية منها والعينية - تعتبر قيماً مالية لا يجوز أن يمسها المشرع؛ وكان حق المستأجر في الإنتفاع بالشيء المؤجر لمدة محددة ولقاء أجر معلوم، لا زال حقاً شخصياً حتى في إطار القوانين الإستثنائية التي حدد بها المشرع للإجارة بعض جوانبها بمقتضى قواعد آمرة لا يجوز الإتفاق على خلافها، ويعتبر بذلك حقاً مالياً مكفولاً بنصوص الدستور ذاتها. فإذا أهدره المشرع من خلال إنهاء العمل بعقود الإجارة التي يجاوز محلها مسكناً واحداً في البلد الواحد؛ فإن هذا الإنهاء يكون متضمناً عدواناً على عقود تتعلق بقيم مالية، ومعطلاً دور الإرادة الحرة في مجال إحداثها، ومقيداً كذلك حرية الإنتقال التي كفل الدستور أصلها بما يلازمها من حق إختيار الشخص للجهة التي يقيم فيها، فلا يحمل على أن يتخذ غيرها مقراً.
📌 المبدأ / الفقرة (20)
احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد - مستأجراً كان أم مملوكاً - وإن كان جائزاً وفقاً للنص المطعون فيه، كلما قام هذا الإحتجاز على مقتض مشروع يبرره؛ وكان تقدير توافر هذا المبرر - وعلى الأخص في نطاق الشئون العائلية - من المسائل التي تدق فيها الأنظار؛ وكانت الأعذار التي تسوغ هذا الإحتجاز كثيراً ما تكتنفها محاذير تحول دون إعلانها، فلا يكون الحمل على طرحها من خلال الخصومة القضائية إلا إخلالاً بحرمة الحياة الخاصة التي كفل الدستور صونها بنص المادة 45، ومن ثم كان كتمان أصحابها لها - مع مشروعيتها - متصلاً بدخائلهم وأغوار سرائرهم. وما جوهر الأسرة إلا وحدة بنيانها وترابط مصالح أفرادها وتداخلها، فلا يجوز أن يكون أمرها نهباً لآخرين يميطون عن أسرارها، أستارها.