⚖️ إشراف وبناء قاعدة البيانات: أ / محمد عاطف محمد (محامٍ ومطور برمجيات)
شعار الموسوعة
موسوعة الأحكام القضائية المصرية
محكمة النقض • الدستورية العليا • مجلس الدولة
الرجوع إلى صفحة البحث الرئيسية

الطعن رقم 59 لسنة 18 قضائية

المحكمة الدستورية العليا 1997-2-1 سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى: دعوى دستورية " شرط المصلحة الشخصية "

المبادئ القانونية المستخلصة

⚖️ اتهام جنائى - دفعه
⚖️ افتراض البراءة - الحرية الشخصية - سلطة تشريعية
⚖️ افتراض البراءة - مؤداه
⚖️ تشريع - المادة 195 عقوبات - مسئولية جنائية مفترضة
⚖️ تشريع - المادة 195 فقرة 2 من قانون العقوبات - شخصية المسئولية الجنائية
⚖️ تشريع - المادة 195 من قانون العقوبات - افتراض المسئولية - تناقض
⚖️ تشريع - المادة 195 من قانون العقوبات - قرينة قانونية
⚖️ تشريع - المادة 195 من قانون العقوبات - مسئولية رئيس التحرير - جريمة عمدية
⚖️ جرائم عمدية - القصد الجنائى
⚖️ جريمة - عقوبة
⚖️ دستور - المادة 66 منه - الركن المادى للجريمة
⚖️ دستور - سلطة تشريعية - سلطة قضائية
⚖️ دستور - صحافة - حريتها - الرقابة عليها
⚖️ دستور - عقوبة - شخصيتها - مسئولية جنائية
⚖️ دعوى دستورية - انتفاء المصلحة
⚖️ دعوى دستورية - شرط المصلحة الشخصية المباشرة - عنصراه
⚖️ شريعة اسلامية - عقوبة
⚖️ صحافة - حريتها - حمايتها - دورها
⚖️ صحافة - رئيس التحرير - قدراته
⚖️ عقوبة - شخصيتها وتناسبها
⚖️ قانون جنائى - افعال
⚖️ مسئولية تقصيرية - مسئولية جنائية - افتراض الخطأ
⚖️ نصوص عقابية - صياغتها

نص وأسباب ومنطوق الحكم

🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور عبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله أعضاء وحنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين وحمدى أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة . حيث إن الوقائع - حسبما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام ضد المدعى عليهما - وبصفته مدعيا بالحق المدنى - الجنحة رقم 3385 لسنة 1995 عابدين، طالبا معاقبتهما بالمواد 303، 306، 307 من قانون العقوبات، مع إلزامهما أن يؤديا إليه مبلغ 501 جنيه كتعويض مؤقت، وذلك استنادا إلى أن أولهما كتب مقالا يشكل قذفا وسبا فى حقه نشر فى جريدة الأحرار التى يرأس ثانيهما تحريرها، وقد تضمن حكم الإحالة الصادر من محكمة عابدين، أن نص المادة 195 عقوبات، افترض المسئولية الجنائية لرئيس تحرير الجريدة - أو المحرر المسئول عن قسمها الذى حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير - بصفته فاعلا أصليا للجرائم التى ترتكب بواسطة صحيفته، وأن الادعاء المباشر سنده نص هذه المادة ذاتها باعتبار أن المدعى عليه الثانى كان رئيس تحريرالجريدة التى نشر المقال محل المساءلة بها، وأن المادة 195 من قانون العقوبات، تثير شبهة مخالفتها للمادتين 66 و67 من الدستور اللتين تؤكدان شخصية العقوبة، وتفترضان براءة المتهم، ومن ثم فقد أحالت الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا عملا بنص المادة 29/1 من قانونها، وذلك للفصل فى دستوريتها . وحيث إن المادة 195 من قانون العقوبات، تنص على أنه << مع عدم الإخلال بالمسئولية الجنائية لمؤلف الكتابة أو واضع الرسم أو غير ذلك من طرق التمثيل، يعاقب رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمها الذى حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير، بصفته فاعلا أصليا للجرائم التى ترتكب بواسطة صحيفته . ومع ذلك يعفى من المسئولية الجنائية : 1- إذا أثبت أن النشر حصل بدون علمه، وقدم منذ بدء التحقيق كل مالديه من المعلومات والأوراق للمساعدة على معرفة المسئول عما نشر . 2- أو إذا أرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وقدم كل مالديه من المعلومات والأوراق لإثبات مسئوليته، وأثبت فوق ذلك أنه لولم يقم بالنشر لعرض نفسه لخسارة وظيفته فى الجريدة أو لضرر جسيم آخر >> . وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية،وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها فى شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى . ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين : أولهما : أن يقيم المدعى - وفى حدود الصفة التى اختصم بها النص المطعون عليه، الدليل على أن ضررا واقعيا - اقتصاديا أو غيره - قد لحق به، وسواء أكان هذا الضرر يتهدده وشيكا، أم كان قد وقع فعلا . ويتعين دوما أن يكون هذا الضرر مباشرا، منفصلا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلا بالعناصر التى يقوم عليها، ممكنا تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره . ثانيهما : أن يكون هذا الضرر عائدا إلى النص المطعون فيه . وليس ضررا متوهما أو منتحلا أو مجهلا، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لايعود إليه، دل ذلك علي انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها . وحيث إنه متى كان ماتقدم، وكان الاتهام الجنائى ضد المدعى عليه الثانى يستند إلى الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات، باعتباره رئيس تحرير الجريدة التى نشر بها المقال المتضمن قذفا وسبا فى حق المدعى، فإن الخصومة الدستورية ينحصر نطاقها فى هذه الفقرة .ولئن جاز القول بارتباطها بفقرتها الثانية ارتباطا لايقبل التجزئة، باعتبار أن أولاهما تقرر المسئولية الجنائية لرئيس التحرير، وأن ثانيتهما تحدد صور الإعفاء منها، إلا أن ابطال فقرتها الأولى يعتبر كافيا وحده لسقوط فقرتها الثانية التى لايتصور تطبيقها مالم يكن تقرير مسئولية رئيس التحرير - فى الحدود التى تضمنتها الفقرة الأولى- جائزا وفقا لأحكام الدستور. وحيث إن الدستور حدد لكل من السلطتين التشريعية والقضائية ولايتها، ورسم تخومها بالمادتين 86 و165، فلايجوز لإحداهما أن تباشر مهاما اختص بها الدستور غيرها، وإلا وقع عملها باطلا . وحيث إن الدستور - بما نص عليه فى المادة 66 من أنه لاجريمة ولاعقوبة إلا بناء على قانون، ولاعقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها، قد دل على أن لكل جريمة ركنا ماديا لاقوام لها بغيره، يتمثل فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى، مؤكدا بذلك أن مايركن إليه القانون الجنائى - فى زواجره ونواهيه - هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه ؛ إيجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا . ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون، محورها الأفعال ذاتها، فى علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وتديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة التى تناسبها . ولايتصور بالتالى وفقا لأحكام الدستور، أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى، ولا أن يقوم الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها، بعيدا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته - تعتبر واقعة فى منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانونا . فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيا فى صورة مادية لاتخطئها العين، فليس ثمة جريمة . وحيث إن الأصل فى الجرائم العمدية جميعها، أنها تعكس تكوينا مركبا باعتبار أن قوامها تزامنا بين يد اتصل الإثم بعملها، وعقل واع خالطها، ليهمن عليها ويكون محددا لخطاها، متوجها إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، فلايكون القصد الجنائى إلا ركنا معنويا فى الجريمة مكملا لركنها المادى، ومتلائما مع الشخصية الفردية فى ملامحها وتوجهاتها . وهذه الإرادة الواعية هى التى تتطلبها الأمم المتحضرة فى مجال التجريم بوصفها ركنا فى الجريمة، وأصلا ثابتا كامنا فى طبيعتها . وليس أمراً فجا أو دخيلا مقحما عليها أو غريبا عن خصائصها، ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر، ولكل وجهة هو موليها، لتنحل الجريمة - فى معناها الحق - إلى علاقة ما بين العقوبة التى فرضها المشرع، والإرادة التى تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التى يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها بديلا عن الانتقام والثأر من صاحبها . وغدا أمرا ثابتا - وكأصل عام - ألايجرم الفعل مالم يكن إراديا قائما على الاختيار الحر، ومن ثم مقصودا . وحيث إن المشرع وإن عمد أحيانا من خلال بعض اللوائح إلى تقرير جرائم عن أفعال لايتصل بها قصد جنائى، باعتبار أن الإثم ليس كامنا فيها Mala in se [ Inherently wrong ] ولاتدل بذاتها على ميل إلى الشر والعدوان، ولايختل بها قدر مرتكبها أو اعتباره، وإنما ضبطها المشرع تحديدا لمجراها، وأخرجها بذلك من مشروعيتها -وهى الأصل - وجعل عقوباتها متوازنة مع طبيعتها ؛ وكان ماتوخاه المشرع من التجريم فى هذه الأحوال، هو الحد من مخاطر بذواتها بتقليل فرص وقوعها، وإنماء القدرة على السيطرة عليها والتحوط لدرئها، فلايكون إيقاع عقوبتها معلقا على النوايا المقصودة من الفعل، ولاعلى تبصر النتيجة الضارة التى أحدثها، إلا أن الجرائم العمدية ينافيها استقلال هذا القصد عنها، إذ هو من مكوناتها، فلايقوم إلا بها . وحيث إن ماتقدم مؤداه، أن الفارق بين عمدية الجريمة، ومادونها، يدور أصلا -وبوجه عام- حول النتيجة الإجرامية التى أحدثتها، فكلما أرادها الجانى وقصد إليها، موجها جهده لتحقيقها، كانت الجريمة عمدية . فإن لم يقصد إلى إحداثها، بأن كان لايتوقعها، أوساء تقديره بشأنها، فلم يتحوط لدفعها ليحول دون بلوغها، فإن الجريمة تكون غير عمدية يتولى المشرع دون غيره بيان عناصر الخطأ التى تكونها، وهى عناصر لايجوز افتراضها أو انتحالها، ولانسبتها لغير من ارتكبها، ولا اعتباره مسئولا عن نتائجها إذا انفك اتصالها بالافعال التى أتاها . وحيث إن الأصل فى النصوص العقابية أن تصاغ فى حدود ضيقة narrowly tailored تعريفا بالأفعال التى جرمها المشرع، وتحديدا لماهيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها، موطئا للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، كتلك التى تتعلق بحرية عرض الأراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، وكذلك بالحق فى تكامل الشخصية، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع . ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها مما يندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع فى مجال تنظيم الحقوق، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور . وحيث إن من المقرر كذلك أن الأصل فى الجريمة، أن عقوبتها لايتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها، وهى عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها، بما مؤداه أن الشخص لايزر غير سوء عمله، وأن جريرة الجريمة لايؤاخذ بها إلا جناتها، ولاينال عقابها إلا من قارفها، وأن << شخصية العقوبة >> << وتناسبها مع الجريمة محلها>> مرتبطان بمن يعد قانونا << مسئولا عن ارتكابها >> . ومن ثم تفترض شخصية العقوبة - التى كفلها الدستور بنص المادة 66 - شخصية المسئولية الجنائية، وبما يؤكد تلازمهما . ذلك إن الشخص لايكون مسئولا عن الجريمة، ولاتفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلا لها أو شريكا فيها . ولئن كان ماتقدم يعبر عن العدالة الجنائية فى مفهومها الحق، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدما، إلا أن ذلك ليس غريبا عن العقيدة الإسلامية، بل أكدتها قيمها العليا، إذ يقول تعالى - فى محكم آياته - << قل لاتسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون >> فليس للإنسان إلا ماسعى، وماالجزاء الأوفى إلا صنو عمله، وكان وليد إرادته الحرة، متصلا بمقاصدها . وحيث إن تجريم أفعال تتصل بالمهام التى تقوم الصحافة عليها وفقا للدستور - ولو بطريق غير مباشر - إنما يثير من وجهة نظر مبدئية الشبهة حول دستوريتها، ويستنهض ولاية هذه المحكمة فى مباشرتها لرقابتها القضائية التى تفصل على هداها فيما إذا كان الفعل المؤثم قانونا فى نطاق جرائم النشر، ينال من الدائرة التى لاتتنفس حرية التعبير إلا من خلالها، فلايكون إلا محددا لها، متضمنا عدوانا عليها ؛ أم يعتبر مجرد تنظيم لتداول هذه الآراء بما يحول دون إضرارها بمصلحة حيوية لها اعتبارها . فقد كفل الدستور للصحافة حريتها، ولم يجز إنذارها أو وقفها أو إلغاءها بالطريق الإدارى، بما يحول كأصل عام دون التدخل فى شئونها، أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على أعقابها، أو إضعافها من خلال تقليص دورها فى بناء مجتمعها وتطويره، متوخيا دوما أن يكرس بها قيما جوهرية، يتصدرها أن يكون الحوار بديلا عن القهر والتسلط، ونافذة لإطلال المواطنين على الحقائق التى لايجوز حجبها عنهم، ومدخلا لتعميق معلوماتهم فلايجوز طمسها أو تلوينها، بل يكون تقييمها عملا موضوعيا محددا لكل سلطة مضمونها الحق وفقا للدستور، فلاتكون ممارستها إلا توكيدا لصفتها التمثيلية، وطريقا إلى حرية أبعد تتعدد مظاهرها وتتنوع توهجاتها . بل إن الصحافة تكفل للمواطن دورا فاعلا، وعلى الأخص من خلال الفرص التى تتيحها معبرا بوساطتهاعن تلك الآراء التى يؤمن بها individual self- expression ويحقق بها تكامل شخصيته self - realisation، فلايكون سلبيا منكفئا وراء جدران مغلقة، أو مطاردا بالفزع من بأس السلطة وعدوانيتها، بل واثقا من قدرته على مواجهتها، فلاتكون علاقتها به انحرافا، بل اعتدالا، وإلا ارتد بطشها عليها، وكان مؤذنا بأفولها . وحيث إن الدستور - وتوكيدا لحرية الصحافة التى كفل ممارستها بكل الوسائل - أطلق قدراتها فى مجال التعبير، ليظل عطاؤها متدفقا تتصل روافده دون انقطاع، فلاتكون القيود الجائرة عليها إلا عدوانا على رسالتها يرشح لانفراطها . ولئن كان الدستور قد أجاز فرض رقابة محدودة عليها، فذلك فى الأحوال الاستثنائية، ولمواجهة تلك المخاطر الداهمة التى حددتها المادة 48 من الدستور، ضمانا لأن تكون الرقابة عليها محددة تحديدا زمنيا وغائيا، فلاتنفلت كوابحها . وحيث إن حق الفرد فى الحرية ينبغى أن يوازن بحق الجماعة فى الدفاع عن مصالحها الحيوية، انطلاقا من إيمان الأمم المتحضرة بأن النظم العقابية جميعها تتقيد بأغراضها النهائية، التى تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التى لايجوز النزول عنها أو الإخلال بها، فلايكون الفصل فى الاتهام الجنائى إلا إنصافا، وبما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويها لأهدافها . ويندرج تحت هذه الحقوق افتراض البراءة باعتباره أصلا ثابتا يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، وليس بنوع أوقدر العقوبة المقررة لها، ولأن مؤداه ألا تعتبر واقعة تقوم بها الجريمة، ثابتة بغير دليل، فلا يفترضها المشرع . وحيث إن افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها، أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 و67، فلايجوز أن تأتى السلطة التشريعية عملا يخل بهما، وعلى الأخص بانتحالها الاختصاص المخول للسلطة القضائية فى مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التى حددها المشرع، بما فى ذلك القصد الجنائى إذا كان متطلبا فيها ؛إلا أن النص المطعون فيه افترض أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة، يفيد علمه يقينا بالمادة التى تضمنها المقال بكل تفصيلاتها، وأن محتواها يكون جريمة معاقبا عليها قصد رئيس التحرير إلى ارتكابها و تحقيق نتيجتها، مقيما بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائى، وهو ركن فى الجريمة العمدية لاتقوم بغيره . وحيث إنه لاينال مماتقدم، قالة أن البند (أ) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، قد أعفى رئيس التحرير من المسئولية الجنائية التى أنشأتها فى حقه فقرتها الأولى إذا أثبت أن النشر تم بدون علمه، وذلك لأمرين أولهما: أن مجرد تمام النشر دون علمه ليس كافيا وفقا لهذا البند لإعفائه من مسئوليته الجنائية، بل يتعين عليه فوق هذا -إذا أراد التخلص منها- أن يقدم لجهة التحقيق كل الأوراق والمعلومات التى تعينها على معرفة المسئول عما نشر، بما مؤداه قيام مسئوليته الجنائية، ولو لم يباشر دورا فى إحداثها . ثانيهما: أن النص المطعون فيه جعل رئيس التحرير مواجها بواقعة أثبتتها القرينة القانونية فى حقه دون دليل يظاهرها، ومكلفا بنفيها خلافا لافتراض البراءة، وهو افتراض جرى قضاء هذه المحكمة على اقترانه بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر من زاوية دستورية وثيقة الصلة بالحق فى الدفاع، ومن بينها أن المتهم لايكون مكلفا بدفع اتهام جنائى إلا بعد أن تقدم النيابة العامة بنفسها ماتراه من وجهة نظرها إثباتا للجريمة التى نسبتها إليه، لينشأ بعدئذ للمتهم الحق فى نفيها ودحضها بالوسائل التى يملكها قانونا . وحيث إنه فضلا عما تقدم، فإن رئيس التحرير يظل وفقا للبند (2) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، مسئولا كذلك عن الجرائم التى تضمنها المقال، ولو أثبت أنه لولم يقم بالنشر، لفقد وظيفته فى الجريدة التى يعمل بها، أو تعرض لضرر جسيم آخر،إذ عليه فوق هذا أن يرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وأن يقدم كل مالديه من الأوراق والمعلومات لإثبات مسئوليته، وهو مايعنى أنه أيا كانت الأعذار التى يقدمها رئيس تحرير الجريدة مثبتا بها اضطراره إلى النشر، فإن مسئوليته الجنائية لاتنتفى إلا إذا أرشد عن أشخاص قد لايعرفهم هم المسئولون عن المقال أو غيره من صور التمثيل، وهو مايناقض شخصية المسئولية الجنائية التى تفترض ألا يكون الشخص مسئولا عن الجريمة، ولا أن تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلا لها أو شريكا فيها . وحيث إن ماتقدم مؤداه - وعلى ضوء الاستثناءين المقررين بالبندين (1) و(2) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه - أنه سواء أكان النشر فى الجريدة قد حصل دون تدخل من رئيس تحريرها، أم كان قد أذن بالنشر اضطرارا حتى لايفقد عمله فيها أو توقيا لضرر جسيم آخر، فإن رئيس التحرير يظل فى الحالتين مسئولا جنائيا بمقتضى النص المطعون فيه الذى أنشا فى حقه قرينة قانونية افترض بموجبها علمه بكل ما احتواه المقال المتضمن سبا أو قذفا فى حق الآخرين، وهى بعد قرينة يظل حكمها قائما، ولو كان رئيس التحرير متغيبا عند النشر، أو كان قد عهد إلى أحد محرريها بجانب من مسئوليته ؛ أو كانت السلطة التى يباشرها عملا فى الجريدة، تؤكد أن توليه لشئونها ليس إلا إشرافا نظريا لا فعليا . وحيث إن هيئة قضايا الدولة نحت فى دفاعها إلى أن النص المطعون فيه لايقرر مسئولية عن عمل الغير، بل يثير المسئولية الشخصية لرئيس التحرير باعتباره مشرفا على النشر، مراقبا مجراه، عملا بنص المادة 54 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة، وأن الوقائع التى تضمنها المقال والمعتبرة سبا أو قذفا فى حق الآخرين، ماكان لها أن تتصل بالغير إلا إذا أذن رئيس التحرير بنشرها، لتكتمل بالنشر الجريمة التى نسبها النص المطعون فيه إلى رئيس التحرير، باعتبار أن ركنها المادى هو الامتناع عن مراقبة المقال، وأن ركنها المعنوى قد يكون فعلا عمديا أو غير عمدى . وحيث إن ماذهبت إليه هيئة قضايا الدولة على هذا النحو مردود، أولا :بأن الجريمة العمدية تقتضى لتوافر القصد الجنائى بشأنها - وهو أحد أركانها - علما من الجانى بعناصر الجريمة التى ارتكبها، فلايقدم عليها إلا بعد تقديره لمخاطرها، وعلى ضوء الشروط التى أحاطها المشرع بها، فلاتكون نتيجتها غير التى قصد إلى إحداثها، شأن الجريمة العمدية فى ذلك، شأن الجريمة التى نسبها النص المطعون فيه لرئيس تحرير الجريدة باعتباره فاعلا أصليا لها . ولايتصور بالتالى أن تتمحض هذه الجريمة عن إهمال يقوم مقام العمد، فلايكون ركن الخطأ فيها إلا انحرافا عما يعٌد وفقا للقانون الجنائى سلوكا معقولا للشخص المعتاد . بل هى جريمة عمدية ابتداء وانتهاء لا تتوافر أركانها مالم يكن رئيس التحرير حين أذن بنشر المقال المتضمن قذفا وسبا، كان مدركا أبعاده واعيا بآثاره، قاصدا إلى نتيجته . ومردود ثانيا : بأن اعتبار رئيس تحرير الجريدة فاعلا أصليا لجريمة عمدية، ومسئولا عن ارتكابها، لايستقيم مع افتراض القصد الجنائى بشأنها، وإلا كان ذلك تشويها لخصائصها . ومرود ثالثا : بأن ماتتوخاه كل جريدة، هو أن يكون اهتمام قرائها بموضوعاتها حيا من خلال تنوعها وعمقها وتعدد أبوابها وامتدادها على كامل صفحاتها مع كثرتها، وتطرقها لكل جديد فى العلوم والفنون على تباينها، فلاتكون قوة الصحافة إلا تعبيرا عن منزلتها فى إدارة الحوار العام وتطويره، لاتتقيد رسالتها فى ذلك بالحدود الإقليمية، ولاتحول دون اتصالها بالآخرين قوة أيا كان بأسها، بل توفر صناعتها - سواء من خلال وسائل طبعها أو توزيعها - تطوراً تكنولوجيا غير مسبوق يعزز دورها، ويقارنها تسابق محموم يتوخى أن تقدم الجريدة فى كل إصداراتها، الأفضل والأكثر إثارة لقرائها، وأن تتيح لجموعهم قاعدة أعرض لمعلوماتهم ومجالا حيويا يعبرون فيه عن ذواتهم، وأن يكون أثرها فى وجدانهم، وصلتهم بمجتمعهم بعيدا . بل إن الصحافة بأدائها وأخبارها وتحليلاتها، إنما تقود رأيا عاما ناضجا، وفاعلا يبلوره إسهامها فى تكوينه وتوجيهه . ولايتصور فى جريدة تتعدد صفحاتها، وتتزاحم مقالاتها، وتتعدد مقاصدها، أن يكون رئيس التحرير محيطا بها جميعا، نافذا إلى محتوياتها، ممحصا بعين ثاقبة كل جزئياتها، ولا أن يزن كل عبارة تضمنتها بافتراض سوء نية من كتبها، ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها، فلاتتحد تطبيقاتها . ومردود رابعا : بأن المسئولية التقصيرية وفقا لقواعد القانون المدنى - وقوامها كل عمل غير مشروع ألحق ضررا بالغير - هى التى يجوز افتراض الخطأ فى بعض صورها . ولاكذلك المسئولية الجنائية، التى لايجوز أن يكون الدليل عليها منتحلا، ولاثبونها مفترضا. ومردود خامسا : بأن رئيس التحرير وقد أذن بالنشر، لايكون قد أتى عملا مكونا لجريمة يكون به فاعلا مع غيره، ذلك أن الشخص لايعتبر فاعلا للجريمة إلا من خلال أعمال باشرها تتصل بها وتعتبر تنفيذا لها . ولئن جاز القول بأن العلانية فى الجريمة التى تضمنها النص المطعون فيه، لاتتم إلا من خلال الأمر بنشر المقال المتضمن قذفا وسبا فى حق الأخرين، إلا أن مسئولية رئيس التحرير جنائيا عن تحقق هذه النتيجة، شرطها اتجاه إرادته لإحداثها، ومدخلها علما يقينيا بأبعاد هذا المقال . ولا كذلك النص المطعون فيه، إذ افترض مسئوليته جنائيا بناء على صفته كرئيس تحرير يتولى شئون الجريدة باعتباره مشرفا عليها، فلا يكون مناطها إلا الإهمال فى إدارتها، حال أن الإهمال والعمد نقيضان لا يتلاقيان . بل إن رئيس تحرير الجريدة، يظل دون غيره مسئولا عما ينشر فيها، ولو تعددت أقسامها، وكان لكل منها محرر مسئول يباشر عليه سلطة فعلية . وحيث إنه متى كان ماتقدم، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفا لأحكام المواد 66 و 67 و68 و 165 من الدستور . وحيث إن صور الإعفاء من المسئولية الجنائية لرئيس التحرير - التى قررتها الفقرة الثانية من المادة 195 من قانون العقوبات - لا يتصور تطبيقها إلا إذا كانت هذه المسئولية صحيحة ابتداء وفقا لأحكام الدستور، فإن إبطال فقرتها الأولى وزوالها، يستتبع سقوط فقرتها الثانية، فلا تقوم لها قائمة . فلهذه الأسباب حكمت المحكمة: أولا: بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات، من معاقبة رئيس تحرير الجريدة - أو المحرر المسئول عن قسمها الذى حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير - بصفته فاعلا أصليا للجرائم التى ترتكب بواسطة صحيفته . ثانيا: بسقوط فقرتها الثانية
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة: أولاً: بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات، من معاقبة رئيس تحرير الجردية - أو المحرر المسئول عن قسمها الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير - بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بوساطة صحيفته. ثانياً: بسقوط فقرتها الثانية.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة ، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية ، وليس من معطياتها النظرية ، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها فى شأن هذه الخصومة ، فلا تفصل فى غير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى . ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين : أولهما : أن يقيم المدعى ــ وفى حدود الصفة التى إختصم بها النص المطعون عليه ــ الدليل على أن ضرراً واقعياً ــ إقتصادياً أو غيره ــ قد لحق به ، وسواء أكان هذا الضرر يتهدده وشيكاً ، أم كان قد وقع فعلاً . ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر مباشراً ، منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور ، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها ، ممكناً تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره . ثانيهما : أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه . وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً أو مجهلاً ، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من إدعى مخالفة الدستور ، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه ، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه ، دل ذلك على إنتفاء المصلحة الشخصية المباشرة ، ذلك إن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها ، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة ، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية ، وليس من معطياتها النظرية ، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها فى شأن هذه الخصومة ، فلا تفصل فى غير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى . ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين : أولهما : أن يقيم المدعى ــ وفى حدود الصفة التى إختصم بها النص المطعون عليه ــ الدليل على أن ضرراً واقعياً ــ إقتصادياً أو غيره ــ قد لحق به ، وسواء أكان هذا الضرر يتهدده وشيكاً ، أم كان قد وقع فعلاً . ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر مباشراً ، منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور ، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها ، ممكناً تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره . ثانيهما : أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه . وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً أو مجهلاً ، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من إدعى مخالفة الدستور ، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه ، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه ، دل ذلك على إنتفاء المصلحة الشخصية المباشرة ، ذلك إن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها ، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
الدستور حدد لكل من السلطتين التشريعية والقضائية ولايتها ، ورسم تخومها بالمادتين 86 و 165 فلا يجوز لإحداهما أن تباشر مهاماً إختص بها الدستور غيرها ، وإلا وقع عملها باطلاً .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
الدستور ــ بما نص عليه فى المادة 66 من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها ــ قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره ، يتمثل فى فعل أو إمتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى ، مؤكداً بذلك أن ما يركن إليه القانون الجنائى ــ فى زواجره ونواهيه ــ هو مادية الفعل المؤاخذ على إرتكابه ، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
العلائق التى ينظمها هذا القانون ، محورها الأفعال ذاتها ، فى علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية ، إذ هى مناط التأثيم وعلته ، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها ، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض ، وتديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة التى تناسبها . ولا يتصور بالتالى وفقاً لأحكام الدستور ، أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى ، ولا أن يقوم الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها ، بعيد عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه ، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية ــ وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته ــ تعتبر واقعة فى منطقة التجريم ، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤخذاً عليه قانوناً . فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها ، وتم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين ، فليس ثمة جريمة
📌 المبدأ / الفقرة (6)
الأصل فى الجرائم العمدية جميعها ، أنها تعكس تكويناً مركباً باعتبار أن قوامها تزامناً بين يد إتصل الإثم بعملها ، وعقل واع خالطها ، ليهمن عليها ويكون محدداً لخطاها ، متوجهاً إلى النتيجة المترتبة على نشاطها ، فلا يكون القصد الجنائى إلا ركناً معنوياً فى الجريمة مكملاً لركنها المادى ، ومتلائماً مع الشخصية الفردية فى ملامحها وتوجهاتها . وهذه الإرادة الواعية هى التى تتطلبها الأمم المتحضرة فى مجال التجريم بوصفها ركناً فى الجريمة ، وأصلاً ثابتاً كامناً فى طبيعتها . وليس أمراً فجاً أو دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها ، ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر ، ولكل وجهة هو موليها ، لتنحل الجريمة ــ فى معناها الحق ــ إلى علاقة ما بين العقوبة التى فرضها المشرع ، والإرادة التى تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التى يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها بديلاً عن الانتقام والثأر من صاحبها . وغدا أمراً ثابتاً ــ ألا يجرم الفعل ما لم يكن إرادياً قائماً على الإختيار الحر ، ومن ثم مقصوداً . ولئن عمد المشرع أحياناً من خلال بعض اللوائح ، إلى تقرير جرائم عن أفعال لا يتصل بها قصد جنائى ، باعتبار أن الإثم ليس كامناً فيها (Mala in se (inherently wrong ولا تدل بذاتها على ميل إلى الشر والعدوان ، ولا يختل بها قدر مرتكبها أو إعتباره ، وإنما ضبطها المشرع تحديداً لمجراها ، وأخرجها بذلك من دائرة مشروعيتها ــ وهى الأصل ــ وجعل عقوباتها متوازنة مع طبيعتها ، وكان ما توخاه المشرع من التجريم فى هذه الأحوال ، هو الحد من مخاطر بذواتها بتقليل فرص وقوعها ، وإنماء القدرة على السيطرة عليها والتحوط لدرئها ، فلا يكون إيقاع عقوبتها معلقاً على النوايا المقصودة من الفعل ، ولا على تبصر النتيجة الضارة التى أحدثها ، إلا أن الجرائم العمدية ينافيها إستقلال هذا القصد عنها ، إذ هو من مكوناتها ، فلا يقوم إلا بها . وما تقدم مؤداه ، أن الفارق بين عمدية الجريمة ، وما دونها ، يدور أصلاً ــ وبوجه عام ــ حول النتيجة الإجرامية التى أحدثتها ، فكلما أرادها الجانى وقصد إليها ، موجهاً جهده لتحقيقها ، كانت الجريمة عمدية . فإن لم يقصد إلى إحداثها ، بأن كان لا يتوقعها ، أو ساء تقديره بشأنها ، فلم يتحوط لدفعها ليحول دون بلوغها ، فإن الجريمة تكون غير عمدية يتولى المشرع دون غيره بيان عناصر الخطأ التى تكونها ، وهى عناصر لا يجوز إفتراضها أو إنتحالها ، ولا نسبتها لغير من إرتكبها ، ولا إعتباره مسئولاً عن نتائجها إذا إنفك إتصالها بالأفعال التى أتاها .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
الأصل فى النصوص العقابية أن تصاغ فى حدود ضيقة narrowly tailored تعريفاً بالأفعال التى جرمها المشرع ، وتحديداً لماهيتها ، لضمان ألا يكون التجهيل بها ، موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين ، كتلك التى تتعلق بحرية عرض الأراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة ، وكذلك بالحق فى تكامل الشخصية ، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الإعتقال غير المشروع . ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة ، وتقرير أحوال فرضها مما يندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع فى مجال تنظيم الحقوق ، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
من المقرر كذلك أن الأصل فى الجريمة ، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها ، وهى عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها ، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله ، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها ، ولا ينال عقابها إلا من قارفها ، وأن " شخصية العقوبة " " وتناسبها مع الجريمة محلها " مرتبطان بمن يعد قانوناً " مسئولاً عن إرتكابها " . ومن ثم تفترض شخصية العقوبة ــ التى كفلها الدستور بنص المادة 66 ــ شخصية المسئولية الجنائية ، وبما يؤكد تلازمها . ذلك أن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة ولا تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها . ولئن كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية فى مفهومها الحق ، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً ، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية ، بل أكدتها قيمها العليا ، إذ يقول تعالى ــ فى محكم آياته ــ " قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون " فليس للإنسان إلا ما سعى ، وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله ، وكان وليد إرادته الحرة ، متصلاً بمقاصدها
📌 المبدأ / الفقرة (9)
من المقرر كذلك أن الأصل فى الجريمة ، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها ، وهى عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها ، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله ، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها ، ولا ينال عقابها إلا من قارفها ، وأن " شخصية العقوبة " " وتناسبها مع الجريمة محلها " مرتبطان بمن يعد قانوناً " مسئولاً عن إرتكابها " . ومن ثم تفترض شخصية العقوبة ــ التى كفلها الدستور بنص المادة 66 ــ شخصية المسئولية الجنائية ، وبما يؤكد تلازمها . ذلك أن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة ولا تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها . ولئن كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية فى مفهومها الحق ، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً ، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية ، بل أكدتها قيمها العليا ، إذ يقول تعالى ــ فى محكم آياته ــ " قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون " فليس للإنسان إلا ما سعى ، وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله ، وكان وليد إرادته الحرة ، متصلاً بمقاصدها
📌 المبدأ / الفقرة (10)
من المقرر كذلك أن الأصل فى الجريمة ، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها ، وهى عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها ، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله ، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها ، ولا ينال عقابها إلا من قارفها ، وأن " شخصية العقوبة " " وتناسبها مع الجريمة محلها " مرتبطان بمن يعد قانوناً " مسئولاً عن إرتكابها " . ومن ثم تفترض شخصية العقوبة ــ التى كفلها الدستور بنص المادة 66 ــ شخصية المسئولية الجنائية ، وبما يؤكد تلازمها . ذلك أن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة ولا تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها . ولئن كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية فى مفهومها الحق ، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً ، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية ، بل أكدتها قيمها العليا ، إذ يقول تعالى ــ فى محكم آياته ــ " قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون " فليس للإنسان إلا ما سعى ، وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله ، وكان وليد إرادته الحرة ، متصلاً بمقاصدها
📌 المبدأ / الفقرة (11)
من المقرر كذلك أن الأصل فى الجريمة ، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها ، وهى عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها ، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله ، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها ، ولا ينال عقابها إلا من قارفها ، وأن " شخصية العقوبة " " وتناسبها مع الجريمة محلها " مرتبطان بمن يعد قانوناً " مسئولاً عن إرتكابها " . ومن ثم تفترض شخصية العقوبة ــ التى كفلها الدستور بنص المادة 66 ــ شخصية المسئولية الجنائية ، وبما يؤكد تلازمها . ذلك أن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة ولا تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها . ولئن كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية فى مفهومها الحق ، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً ، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية ، بل أكدتها قيمها العليا ، إذ يقول تعالى ــ فى محكم آياته ــ " قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون " فليس للإنسان إلا ما سعى ، وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله ، وكان وليد إرادته الحرة ، متصلاً بمقاصدها
📌 المبدأ / الفقرة (12)
كفل الدستور للصحافة حريتها ، ولم يجز إنذارها أو وقفها أو إلغاءها بالطريق الإدارى ، بما يحول كأصل عام دون التدخل فى شئونها ، أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على أعقابها ، أو إضعافها من خلال تقليص دورها فى بناء مجتمعها وتطويره ، متوخياً دوماً أن يكرس بها قيماً جوهرية ، يتصدرها أن يكون الحوار بديلاً عن القهر والتسلط ، ونافذة لإطلال المواطنين على الحقائق التى لا يجوز حجبها عنهم ومدخلا لتعميق معلوماتهم فلا يجوز طمسها أو تلوينها ، بل يكون تقييمها عملاً موضوعياً محدداً لكل سلطة مضمونها الحق وفقاً للدستور ، فلا تكون ممارستها إلا توكيداً لصفتها التمثيلية ، وطريقاً إلى حرية أبعد تتعدد مظاهرها وتتنوع توجهاتها . بل إن الصحافة تكفل للمواطن دوراً فاعلاً ، وعلى الأخص من خلال الفرص التى تتيحها معبراً بوساطتها عن تلك الآراء التى يؤمن بها ـ individual self expression ويحقق بها تكامل شخصيته self - realisation ، فلا يكون سلبياً منكفئاً وراء جدران مغلقة ، أو مطارداً بالفزع من بأس السلطة وعدوانيتها ، بل واثقاً من قدرته على مواجهتها ، فلا تكون علاقتها به إنحرافاً ، بل إعتدالاً ، وإلا إرتد بطشها عليها ، وكان مؤذناً بأقوالها .
📌 المبدأ / الفقرة (13)
الدستور ــ وتوكيداً لحرية الصحافة التى كفل ممارستها بكل الوسائل ــ أطلق قدراتها فى مجال التعبير ، ليظل عطاؤها متدفقاً تتصل روافده دون إنقطاع ، فلا تكون القيود الجائزة عليها إلا عدواناً على رسالتها يرشح لانفراطها . ولئن كان الدستور قد أجاز فرض رقابة محدودة عليها ، فذلك فى الأحوال الاستثنائية ، ولمواجهة تلك المخاطر الداهمة التى حددتها المادة 48 من الدستور ، ضماناً لأن تكون الرقابة عليها محددة تحديداً زمنياً وغائياً ، فلا تنفلت كوابحها .
📌 المبدأ / الفقرة (14)
حق الفرد فى الحرية ينبغى أن يوازن بحق الجماعة فى الدفاع عن مصالحها الحيوية ، إنطلاقاً من إيمان الأمم المتحضرة بأن النظم العقابية جميعها تتقيد بأغراضها النهائية ، التى تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التى لا يجوز النزول عنها أو الإخلال بها ، فلا يكون الفصل فى الإتهام الجنائى إلا إنصافاً ، وبما يحول دون إساءة إستخدام العقوبة تشويهاً لأهدافها . ويندرج تحت هذه الحقوق إفتراض البراءة باعتباره أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها ، وليس بنوع أو قدر العقوبة المقررة لها ، ولأن مؤداه ألا تعتبر واقعة تقوم بها الجريمة ، ثابتة بغير دليل ، فلا يقترضها المشرع .
📌 المبدأ / الفقرة (15)
إفتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها ، أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 و 67 ، فلا يجوز أن تأتى السلطة التشريعية عملاً يخل بهما ، وعلى الأخص بانتحالها الاختصاص المخول للسلطة القضائية فى مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التى حددها المشرع ، بما فى ذلك القصد الجنائى إذا كان متطلباً فيها ، إلا أن النص المطعون فيه إفترض أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة ، يفيد علمه يقيناً بالمادة التى تضمنها المقال بكل تفصيلاتها ، وأن محتواها يكون جريمة معاقباً عليها قصد رئيس التحرير إلى إرتكابها وتحقيق نتيجتها ، مقيماً بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائى ، وهو ركن فى الجريمة العمدية لا تقوم بغيره .
📌 المبدأ / الفقرة (16)
إفتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها ، أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 و 67 ، فلا يجوز أن تأتى السلطة التشريعية عملاً يخل بهما ، وعلى الأخص بانتحالها الاختصاص المخول للسلطة القضائية فى مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التى حددها المشرع ، بما فى ذلك القصد الجنائى إذا كان متطلباً فيها ، إلا أن النص المطعون فيه إفترض أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة ، يفيد علمه يقيناً بالمادة التى تضمنها المقال بكل تفصيلاتها ، وأن محتواها يكون جريمة معاقباً عليها قصد رئيس التحرير إلى إرتكابها وتحقيق نتيجتها ، مقيماً بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائى ، وهو ركن فى الجريمة العمدية لا تقوم بغيره .
📌 المبدأ / الفقرة (17)
قالة أن البند (أ) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه ، قد أعفى رئيس التحرير من المسئولية الجنائية التى أنشأتها فى حقه فقرتها الأولى إذا أثبت أن النشر تم بدون علمه ، لا صواب فيها وذلك لأمرين أولهما : أن مجرد تمام النشر دون علمه ليس كافياً وفقاً لهذا البند لإعفائه من مسئوليته الجنائية ، بل يتعين عليه فوق هذا ــ إذا أراد التخلص منها ــ أن يقدم لجهة التحقيق كل الأوراق والمعلومات التى تعينها على معرفة المسئول عما نشر ، بما مؤداه قيام مسئوليته الجنائية ، ولو لم يباشر دوراً فى إحداثها . ثانيهما : أن النص المطعون فيه جعل رئيس التحرير مواجهاً بواقعة أثبتتها القرينة القانونية فى حقه دون دليل بظاهرها ، ومكلفاً بنفيها خلافاً لإفتراض البراءة ، وهو إفتراض جرى قضاء هذه المحكمة على إقترانه بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر من زواية دستورية وثيقة الصلة بالحق فى الدفاع ، ومن بينها أن المتهم لا يكون مكلفاً بدفع إتهام جنائى إلا بعد أن تقدم النيابة العامة بنفسها ما تراه من وجهة نظرها إثباتاً للجريمة التى نسبتها إليه ، لينشأ بعدئذ للمتهم الحق فى نفيها ودحضها بالوسائل التى يملكها قانوناً .
📌 المبدأ / الفقرة (18)
قالة أن البند (أ) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه ، قد أعفى رئيس التحرير من المسئولية الجنائية التى أنشأتها فى حقه فقرتها الأولى إذا أثبت أن النشر تم بدون علمه ، لا صواب فيها وذلك لأمرين أولهما : أن مجرد تمام النشر دون علمه ليس كافياً وفقاً لهذا البند لإعفائه من مسئوليته الجنائية ، بل يتعين عليه فوق هذا ــ إذا أراد التخلص منها ــ أن يقدم لجهة التحقيق كل الأوراق والمعلومات التى تعينها على معرفة المسئول عما نشر ، بما مؤداه قيام مسئوليته الجنائية ، ولو لم يباشر دوراً فى إحداثها . ثانيهما : أن النص المطعون فيه جعل رئيس التحرير مواجهاً بواقعة أثبتتها القرينة القانونية فى حقه دون دليل بظاهرها ، ومكلفاً بنفيها خلافاً لإفتراض البراءة ، وهو إفتراض جرى قضاء هذه المحكمة على إقترانه بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر من زواية دستورية وثيقة الصلة بالحق فى الدفاع ، ومن بينها أن المتهم لا يكون مكلفاً بدفع إتهام جنائى إلا بعد أن تقدم النيابة العامة بنفسها ما تراه من وجهة نظرها إثباتاً للجريمة التى نسبتها إليه ، لينشأ بعدئذ للمتهم الحق فى نفيها ودحضها بالوسائل التى يملكها قانوناً .
📌 المبدأ / الفقرة (19)
يظل رئيس التحرير وفقاً للبند (2) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه ، مسئولاً كذلك عن الجرائم التى تضمنها المقال ، ولو أثبت أنه لو لم يقم بالنشر ، لفقد وظيفته فى الجريدة التى يعمل بها ، أو تعرض لضرر جسيم آخر ، إذ عليه فوق هذه أن يرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة ، وأن يقدم كل ما لديه من الأوراق والمعلومات لإثبات مسئوليته ، وهو ما يعنى أنه أيا كانت الأعذار التى يقدمها رئيس تحرير الجريدة مثبتاً بها إضطراره إلى النشر ، فإن مسئوليته الجنائية لا تنتفى إلا إذا أرشد عن أشخاص قد لا يعرفهم ، هم المسئولون عن المقال أو غيره من صور التمثيل ، وهو ما يناقض شخصية المسئولية الجنائية ، التى تفترض ألا يكون الشخص مسئولاً عن الجريمة ، ولا أن تفرض عليه عقوبتها ، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها .
📌 المبدأ / الفقرة (20)
الجريمة العمدية تقضى لتوافر القصد الجنائى بشأنها ــ وهو أحد أركانها ــ علماً من الجانى بعناصر الجريمة التى إرتكبها ، فلا يقدم عليها إلا بعد تقديره لمخاطرها ، وعلى ضوء الشروط التى أحاطها المشرع بها ، فلا تكون نتيجتها غير التى قصد إلى إحداثها ، شأن الجريمة العمدية فى ذلك ، شأن الجريمة التى نسبها النص المطعون فيه لرئيس تحرير الجريدة باعتباره فاعلاً أصلياً لها . ولا يتصور بالتالى أن تتمحض هذه الجريمة عن إهمال يقوم مقام العمد ، فلا يكون ركن الخطأ فيها إلا إنحرافاً عما يعد وفقاً للقانون الجنائى سلوكاً معقولاً للشخص المعتاد . بل هى جريمة عمدية إبتداء وإنتهاء لا تتوافر أركانها ما لم يكن رئيس التحرير حين أذن بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً ، كان مدركاً أبعاده واعياً بآثاره ، قاصداً إلى نتيجته . L,intention criminelle reside dans la connaissance ou la conscience chez l,agent qu, il accmplit un acte illiccite. D, une facon plus complete et plus preecise, pour qu, ily ait intention il ne suffit pas connaitre, il fout aussi vouloir, car l, intention criminelle est la volonte d, accomplir un acte que l, on sait defendu par la loi penale ou de s, abstenir d, acte que l, on sait ordonne par loi . وإعتبار رئيس تحرير الجريدة فاعلاً أصلياً لجريمة عمدية ، ومسئولاً عن إرتكابها ، لا يستقيم مع إفتراض القصد الجنائى بشأنها ، وإلا كان ذلك تشويهاً لخصائصها .
📌 المبدأ / الفقرة (21)
ما تتوخاه كل جريدة ، هو أن يكون إهتمام قرائها بموضوعاتها حياً من خلال تنوعها وعمقها وتعدد أبوابها وإمتدادها على كامل صفحاتها مع كثرتها ، وتطرقها لكل جديد فى العلوم والفنون على تباينها ، فلا تكون قوة الصحافة إلا تعبيراً عن منزلتها فى إدارة الحوار العام وتطويره ، لا تتقيد رسالتها فى ذلك بالحدود الإقليمية ، ولا تحول دون إتصالها بالآخرين قوة أيا كان بأسها ، بل توفر صناعتها ــ سواء من خلال وسائل طبعها أو توزيعها ــ تطوراً تكنولوجياً غير مسبوق يعزز دورها ، ويقارنها تسابق محموم يتوخى أن تقدم الجريدة فى كل إصداراتها ، الأفضل والأكثر إثارة لقرائها ، وأن تتيح لجموعهم قاعدة أعرض لمعلوماتهم ومجالاً حيوياً يعبرون فيه عن ذواتهم ، وأن يكون أثرها فى وجدانهم ، وصلتهم بمجتمعهم بعيداً . بل إن الصحافة بأدائها وأخبارها وتحليلاتها ، إنما تقود رأياً عاماً ناضجاً ، وفاعلاً وتتزاحم مقالاتها ، وتتعدد مقاصدها ، أن يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً ، نافذاً إلى محتوياتها ، ممحصاً بعين ثاقبة كل جزئياتها ، ولا أن يزن كل عبارة تضمنتها بافتراض سوء نية من كتبها ، ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها فلا تتحد تطبيقاتها .
📌 المبدأ / الفقرة (22)
المسئولية التقصيرية وفقاً لقواعد القانون المدنى ــ وقوامها كل عمل غير مشروع ألحق ضرراً بالغير ــ هى التى يجوز إفتراض الخطأ فى بعض صورها . ولا كذلك المسئولية الجنائية ، التى لا يجوز أن يكون الدليل عليها منتحلاً ، ولا ثبوتها مفترضاً .
📌 المبدأ / الفقرة (23)
رئيس التحرير وقد أذن بالنشر لا يكون قد أتى عملاً مكوناً لجريمة يكون به فاعلاً مع غيره ، ذلك أن الشخص لا يعتبر فاعلاً للجريمة إلا من خلال أعمال باشرها تتصل بها وتعتبر تنفيذاً لها . ولئن جاز القول بأن العلانية فى الجريمة التى تضمنها النص المطعون فيه ، لا تتم إلا من خلال الأمر بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً فى حق الآخرين ، إلا أن مسئولية رئيس التحرير جنائياً عن تحقق هذه النتيجة ، شرطها إتجاه إرادته لإحداثها ، ومدخلها علماً يقينياً بأبعاد هذا المقال . La faute intentionnelle peut etre definie comme la volonte de commettre un acte que l,on sait interdit ou, autrement dit, comme l,intention de violer la loi penale . Les infractions intentionnelles sont donc pour lesquelles la loi exige que le comportement est penalment sanctionne, mais que decide neamoins de le commettre . ولا كذلك النص المطعون فيه ، إذ إفترض مسئوليته جنائياً بناء على صفته كرئيس تحرير يتولى شئون الجريدة باعتباره مشرفاً عليها فلا يكون مناطها إلا الإهمال فى إدارتها ، حال أن الإهمال والعمد نقيضان لا يتلاقيان . بل إن رئيس تحرير الجريدة ، يظل دون غيره مسئولاً عما ينشر فيها ، ولو تعددت أقسامها ، وكان لكل منها محرر مسئول يباشر عليه سلطة فعلية .