الطعن رقم 47 لسنة 17 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
1997-1-4
سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى:
دعوى دستورية " بيانات "
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ تشريع - المادة 232 من قانون الاجراءات الجنائية - مساواة
⚖️ تنظيم الحقوق - سلطة تقديرية - حق التقاضى
⚖️ حق التقاضى - تنظيمه
⚖️ دستور - المادة 70 - دعوى جنائية - الادعاء المباشر
⚖️ دعوى جنائية - الادعاء المباشر - اساءة استعمال الحق - تشريع - المادة 232 من قانون الاجراءات الجنائية
⚖️ دعوى جنائية - الادعاء المباشر - موظف عام - حماية - تشريع - المادة 232 من قانون الاجراءات الجنائية
⚖️ دعوى جنائية - موظف عام
⚖️ دعوى دستورية - انتفاء المصلحة
⚖️ دعوى دستورية - بيانات - تشريع - المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا
⚖️ دعوى دستورية - تجهيل
⚖️ دعوى دستورية - شرط المصلحة الشخصية المباشرة - ضرر
⚖️ دعوى دستورية - شكلية
⚖️ دفع بعدم الدستورية - تقدير الجدية - قرار ضمنى
⚖️ مبدأ المساواة - مفهومه
⚖️ مواثيق دولية - الحق فى الادعاء المباشر
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين أعضاء وحنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين وحمدى أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة. حيث إن الوقائع -على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعية كانت قد أقامت بطريق الادعاء المباشر، الدعوى رقم 1465 لسنة 1995 جنح الأربعين ضد السيد/ السيد إبراهيم طه الموظف بمديرية الشئون الصحية بمحافظة السويس -المدعى عليه الأول فى الدعوى الماثلة- طالبة الحكم عليه بأقصى العقوبة المقررة بالمادة 302 من قانون العقوبات عن جريمة القذف العلنى، مع إلزامه بأن يؤدى لها تعويضا مؤقتا قدره خمسمائة جنيه وواحدا والمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وبجلسة 2/7/1995 دفع الحاضر عن المدعية أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية، وذلك فيما نصت عليه من عدم جواز تحريك الدعوى الجنائية ضد موظف أو مستخدم عام أو أحد رجال الضبط لجريمة وقعت منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وقررت تأجيل نظر الدعوى إلى جلسة 6/8/1995 لتقديم مايفيد الطعن بعدم الدستورية، فقد أقامت المدعية الدعوى الماثلة. وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت هذه الدعوى بعدم قبولها، تأسيسا على أن المدعية لم تبين أمام محكمة الموضوع النصوص الدستورية المدعى مخالفتها، ومناحى الخروج عليها. فضلا عن أن إرجاء محكمة الموضوع الفصل فى الجنحة المرفوعة إليها بطريق الادعاء المباشر، إلى أن تقدم المدعية مايفيد الطعن بعدم الدستورية، لايدل على تصريحها لها برفع دعواها الدستورية . وحيث إن هذا الدفع مردود أولا: بأن مانصت عليه المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا، من أن القرار الصادر عن محكمة الموضوع بإحالة مسألة دستورية بذاتها إلى هذه المحكمة للفصل فى مطابقة النصوص القانونية التى تثيرها للدستور أو خروجها عليه، وكذلك صحيفة الدعوى الدستورية التى يرفعها إليها خصم للفصل فى بطلان النصوص القانونية المطعون عليها أو صحتها، يتعين أن يتضمنا بيان النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور ومواقع بطلانها، إنما تغيا ألا يكون هذا القرار أو تلك الصحيفة منطويين على التجهيل بالمسائل الدستورية التى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ضمانا لتحديدها تحديداً كافيا يبلور مضمونها ونطاقها، فلا تثير-بماهيتها أو مداها- خفاء يحول دون إعداد ذوى الشأن جميعا -ومن بينهم الحكومة- لدفاعهم بأوجهه المختلفة خلال المواعيد التى حددتها المادة 37 من قانون المحكمة الدستورية العليا، بل يكون بيانها لازما لمباشرة هيئة المفوضين -بعد انقضاء هذه المواعيد- لمهامها فى شأن تحضير جوانبها، ثم إبدائها رأيا محايدا فيها يكشف عن حكم الدستور والقانون بشأنها . ومردود ثانيا : بأن كل شكلية - ولو كانت جوهرية فرضها المشرع لمصلحة عامة حتى ينتظم التداعى وفقا لحكمها - لايجوز فصلها عن دواعيها، وإلا كان القول بها إغراقا فى التقيد بضوابطها، وانحرافا عن مقاصدها . ومردود ثالثا : بأن التجهيل بالمسائل الدستورية يفترض أن يكون بيانها قد غمض فعلا بما يحول عقلا دون تجليتها، فإذا كان إعمال النظر فى شأنها - ومن خلال الرباط المنطقى للوقائع المؤدية إليها - يفصح عن حقيقتها، وماقصد إليه الطاعن حقا من إثارتها، فإن القول بمخالفة نص المادة 30 المشار إليها، يكون لغوا . ومردود رابعا : بأن المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية - المطعون عليها - هى التى تحول بذاتها دون مباشرة المدعى بالحقوق المدنية للحق فى الادعاء المباشر، فإذا عيبتها المدعية فى الدعوى الماثلة ناعية عليها مخالفتها للدستور، مع سكوتها عن تبيان مداخل بطلانها، وكان استظهارها ممكنا من خلال حمل النص المطعون فيه على صور العوار التى يرتبط منطقيا بها، وكان ثابتا كذلك أن المضار التى ألحقها هذا النص بها تتمثل فى حرمانها من حق الادعاء المباشر المكفول لغيرها، فإن مواقع البطلان فى ذلك النص تتحدد على أساس إهداره مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وإنكاره لحقها فى اللجوء لقاضيها الطبيعى، بالمخالفة للمادتين 40 و68 من الدستور. وحيث إن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم دستورية نص قانونى لازم للفصل فى النزاع المعروض عليها، لايتعمق المسائل الدستورية التى يثيرها هذا النزاع، ولايعتبر فصلا فيها بقضاء قطعى، بل يعود الأمر فى شأنها إلى المحكمة الدستورية العليا لتزن وفقا لمقاييسها جوهر المطاعن الدستورية وأبعادها، تحديدا لصحتها أو فسادها . وإذ تفصل محكمة الموضوع فى دفع مثار أمامها بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة، فإن قرارها فى هذا الصدد إما أن يكون صريحا أو مستفادا ضمنا من عيون الأوراق . ويعتبر قرارا ضمنيا بقبول الدفع، إرجاء الفصل فى النزاع الموضوعى إلى أن تقدم المدعية مايدل على رفع دعواها الدستورية. وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية تقضى بما يأتى "تحال الدعوى إلى محكمة الجنح والمخالفات بناء على أمر يصدر من قاضى التحقيق أو محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة أو بناء على تكليف المتهم مباشرة بالحضور من قبل أحد أعضاء النيابة العامة أو من المدعى بالحقوق المدنية". وتنص فقرتها الثالثة على أنه "ومع ذلك فلا يجوز للمدعى بالحقوق المدنية أن يرفع الدعوى إلى المحكمة بتكليف خصمه مباشرة بالحضور أمامها فى الحالتين الآتيتين: (أولا) إذا صدر أمر من قاضى التحقيق أو النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى ولم يستأنف المدعى بالحقوق المدنية هذا الأمر فى الميعاد أو استأنفه فأيدته محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة . (ثانيا) إذا كانت الدعوى موجهة ضد موظف أو مستخدم عام أو أحد رجال الضبط لجريمة وقعت منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها مالم تكن من الجرائم المشار إليها فى المادة 123 من قانون العقوبات". وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية أو تصوراتها المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها، فلاتمتد لغير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى، وبالقدر اللازم للفصل فيه . ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير هؤلاء الذين أضيروا من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر وشيكا يتهددهم أم كان قد وقع فعلا. ويتعين دوما أن يكون هذا الضرر منفصلا عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلا بالعناصر التى يقوم عليها، ممكنا تحديده ومواجهته بالترضية القضائية لتسويته، عائدا فى مصدره إلى النص المطعون فيه، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلا على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لايعود إليه، دل ذلك على انتفاء مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية، عما كان عليه قبلها. وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكانت المدعية تتوخى بدعواها الموضوعية أن تلاحق موظفا عاما -من خلال الادعاء المباشر- عن جريمة ارتكبها أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، لتعويضها عن الأضرار التى أصابتها من جراء إتيانها، وكان البند ثانيا من الفقرة الثالثة من نص المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية، حائلا بينها وبين اقتضاء الحقوق التى تطلبها فى النزاع الموضوعى، فإن مصلحتها الشخصية فى الدعوى الدستورية، تنحصر فى الطعن على هذا البند دون غيره. وحيث إن المدعية تنعى فى صحيفة دعواها الدستورية، مخالفة النص المطعون عليه للمواد 40 و64 و65 و68 من الدستور، فضلا عن القواعد التى تضمنها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية كليهما، ومن بينها على الأخص الحماية القانونية المتكافئة التى كفلاها لكل إنسان دون تمييز، والحق فى أن تنظر دعواه أمام محكمة مستقلة محايدة ينشئها المشرع، نظرا علنيا ومنصفا للفصل فى الحقوق المدنية التى يدعيها، وكذلك فيما قد يكون موجها إليه من اتهام جنائى، وألا يتعرض -فوق هذا- لتدخل تعسفى فى حياته الخاصة أو لتلويث شرفه وسمعته. وفى بيان ذلك تقول المدعية أن النص المطعون فيه صادر -بطريقة تحكمية وغير مبررة- حق الناس فى ملاحقة الجناه أمام القضاء بما أضفاه من حصانة على الموظفين والمستخدمين ورجال الضبط، وهم فئة بعينها قصد أن يعطل مساءلتهم قضائيا عن الجرائم التى حددها، ودون أن يستند فى ذلك لغير صفاتهم، متذرعا بوقوع جرائمهم هذه أثناء تأديتهم لوظائفهم أو بسببها. وحيث إن النعى بإخلال النص المطعون فيه بحق التقاضى مردود أولا : بأن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق -ومن بينها حق التقاضى- أنها سلطة تقديريه جوهرها المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة التى تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التى يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزنا. وليس ثمة قيد على مباشرة المشرع لسلطته هذه، إلا أن يكون الدستور قد فرض فى شأن ممارستها ضوابط محددة تعتبر تخوما لها ينبغى التزامها. ومردود ثانيا: بأن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك، على أن التنظيم التشريعى لحق التقاضى -وكلما كان منصفا- لايناقض وجود هذا الحق، ولايقتحم الدائرة التى يتنفس فيها، وأن هذا التنظيم لايتقيد بأشكال جامدة لايريم المشرع عنها، تُفرغ قوالبها فى صورة صماء لاتبديل فيها، بل يجوز أن يغاير المشرع فيما بينها، وأن يقدر لكل حال مايناسبها، على ضوء الأوضاع التى يباشر هذا الحق عملا في نطاقها، وبما لايصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرنا، فلايكون إفراطا يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافا بها عن أهدافها، ولاتفريطاً مجافيا لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواما، التزاما بمقاصدها، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق فى صورتها الأكثر اعتدالا. ومردود ثالثا: بأن ماتنص عليه المادة 70 من الدستور من أن الدعوى الجنائية لاتقام إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الأحوال التى يحددها القانون، يعنى أن الادعاء المباشر ليس استصحابا للأصل فى الدعوى الجنائية، بل هو استثناء من قواعد تحريكها، تقديراً بأن النيابة العامة -وعلى ماتنص عليه المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية- هى التى تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها، ولاترفع من غيرها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون . كذلك فإن تفويض الدستور السلطة التشريعية فى تحديد الأحوال التى لاتقام الدعوى الجنائية فيها بأمر من جهة قضائية، مؤداه جواز تضييقها لنطاق الحق فى الادعاء المباشر، لاتتقيد فى ذلك بغير الشروط الموضوعية التى لايناقض تطبيقها حكماً فى الدستور. ومردود رابعاً: بأن تخويل المدعى بالحقوق المدنية حق الادعاء المباشر - وإن توخى مراقبتها تفاديا لإساءتها استعمال سلطتها هذه بالامتناع عن مباشرتها دون مقتض - إلا أن المشرع وازن بالنص المطعون فيه بين أمرين، أولهما: الضرورة التى يقتضيها استعمال هذا الحق فى إطار الأغراض التى شرع لها، وثانيهما الأضرار التى ينبغى توقيها إذا نقض هذا الاستعمال تلك الأغراض وتنكبها، مهددا بذلك مسئولية أداء العمل العام، فرجح ثانيهما على أولهما، تقديرا بأن الأضرار التى ترتبط بإساءة استعمال الحق فى الادعاء المباشر، يكون دفعها لازما، ولايجوز أن تتقدمها مزاياه . ذلك أن الموظفين العامين -الذين حال النص المطعون فيه دون تكليفهم من قبل المدعى بالحقوق المدنية للحضور مباشرة أمام المحكمة الجنائية- لايباشرون أعمال وظائفهم بعيدا عن مصالح المواطنين الذين يلجون أبوابهم لقضاء حوائجهم، بل يتردد موقفهم منها بين تلبيتها أومعارضتها، مما يثير غرائز النفس البشرية ونزواتها التى كثيرا ماتجنح مع سوء ظنها إلى التجريح نأيا عن موازين الحق والعدل، فلا يكون اندفاعها إلا شططا، وضيقها بالقائمين على العمل العام إلا تسرعا وافتراء يقترن -فى الأعم- بالتطاول عليهم حطا من قدرهم، ونيلا من اعتبارهم، لتهن عزائمهم فلايثابرون على أعمالهم، بل يتراخون فيها نكولا أو يقعدون عنها وجلا، مما يصرفهم عن أدائها على وجهها الصحيح سيما وأن المشرع قد اختصهم بجرائم قصرها عليهم وغلظ عقوباتها حملا لهم على القيام بواجباتهم. ولايجوز بالتالى أن ينفرط اطمئنانهم إذا كان لكل مدع بالحقوق المدنية أن يلاحقهم جنائيا عن جرائم يُدعى ارتكابهم لها، ولو كان الدليل عليها واهيا متخاذلا، متدثرا برداء الحق، ليقوض بذلك سكينتهم مابقى الاتهام الجنائى مسلطا عليهم، مبددا جهدهم، مثبطا هممهم، مثيرا للشبهات من حولهم . وكان على المشرع بالتالى أن يرد عنهم -بالنص المطعون فيه- غائلة عدوان أكثر احتمالا وأدنى وقوعا ضمانا لأن يظل الحق فى الادعاء المباشر مقيدا بالأغراض التى شرع من أجلها، فلاينقلب عليها. ومردود خامساً: بأن إسقاط الحق فى الادعاء المباشر فى الحدود التى بينها النص المطعون فيه، لايتوخى حماية القائم بالعمل العام، بل صون الوظيفة العامة من معوقاتها، بما يمكن القائمين عليها من أداء خدماتهم المقصودة منها، فلايعرقل تدفقها قيد يحول دون جريانها وانتظامها، أو يكون منافيا جوهر مقاصدها. ومردود سادساً: بأن الدعوى الجنائية لايحركها الادعاء المباشر إلا طلبا لحقوق مدنية بطبيعتها، فلا ترفعها -عند إنكاره فى جرائم بذواتها- إلا الجهة التى تختص أصلا بإقامتها، شأن الجرائم التى يرتكبها الموظفون العامون أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها - فى ذلك - شأن غيرها من الجرائم، وهو مايعني أن الموظفين العامين لن يفلتوا من المسئولية الجنائية عن أفعالهم التى أثمها المشرع، بل تظل محاسبتهم عنها - إذا قام الدليل عليها - حقا للنيابة العامة فى إطار اختصاصاتها الأصيلة . وحيث إن مبدأ المساواة أمام القانون، ليس مبدأ تلقينيا جامداً منافيا للضرورة العملية، ولا هو بقاعدة صماء iron rule تنبذ صور التمييز جميعها، ولاكافلا لتلك الدقة الحسابية التى تقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء . وإذا جاز للدولة أن تتخذ بنفسها ماتراه ملائما من التدابير، لتنظيم موضوع محدد أو توقيا لشر تقدر ضرورة رده، وكان دفعها للضرر الأكبر بالضرر الأقل لازما، إلا أن تطبيقها مبدأ المساواة لايجوز أن يكون كاشفا عن نزواتها، ولامنبئا عن اعتناقها لأوضاع جائرة تثير ضغائن أو أحقاد تنفلت بها ضوابط سلوكها، ولاعدوانا معبرا عن بأس سلطانها، بل يتعين أن يكون موقفها اعتدالا فى مجال تعاملها مع المواطنين، فلاتمايز بينهم إملاء أو عسفا . ومن الجائز بالتالى أن تغاير السلطة التشريعية -ووفقا لمقاييس منطقية - بين مراكز لاتتحد معطياتها، أو تتباين فيما بينها فى الأسس التى تقوم عليها، على أن تكون الفوارق بينها حقيقية لا اصطناع فيها ولاتخيل real and not feigned differencies ، ذلك أن مايصون مبدأ المساواة، ولاينقض محتواه، هو ذلك التنظيم الذى يقيم تقسيما تشريعيا ترتبط فيه النصوص القانونية التى يضمها، بالأغراض المشروعة التى يتوخاها. فإذا قام الدليل على انفصال هذه النصوص عن أهدافها، كان التمييز انفلاتا لاتبصر فيه. كذلك الأمر إذا كان اتصال الوسائل بالمقاصد واهيا، إذ يعتبر التمييز عندئذ مستندا إلى وقائع يتعذر أن يُحْمَل عليها، فلايكون مشروعا دستوريا. وحيث إن النص المطعون فيه -وعلى ماتقدم- لم يقصد إلى إفراد المتهمين بالجرائم المشار إليها فيه، بمعاملة استثنائية يختصون بها علوا على غيرهم، ولا أن يمنحهم ميزة يؤثرهم بها على سواهم من المتهمين، بل تغيا أن يظل العمل العام منتظما وأن يكون الطريق إليه قويما، فلا ينفذ إليه متخرصون يعطلون سيره بنيلهم من القائمين عليه إفكا وبغيا، فإن النص المطعون فيه يكون بذلك كافلا للأسس الموضوعية التى ينظم المشرع الحقوق فى نطاقها، بما لا إخلال فيه بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه فى المادة 40 من الدستور. وحيث إن الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وكذلك العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، وإن صح القول باحتوائهما على عديد من الحقوق التى كفلها الدستور القائم وأن هاتين الوثيقتين تضمان فى جوهر أحكامهما تلك القيم التى التزمتها الدول الديموقراطية باطراد فى مجتمعاتها، والتى تظاهرها هذه المحكمة وترسيها باعتبارها تراثا إنسانيا احتواه دستور جمهورية مصر العربية فى نطاق الحقوق والحريات الأساسية التى كفلها، وكان هذا الإعلان وذلك العهد لاينطويان على تنظيم للحق فى الادعاء المباشر، ولايتطلبان غير المحاكمة المنصفة طريقا للفصل فى كل اتهام جنائى، فإن إقحامهما فى نطاق الدعوى الماثلة يكون عبثا. وحيث إن النص المطعون فيه لايتعارض مع أى حكم فى الدستور من أوجه أخرى. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950 وذلك فيما نصت عليه من حظر رفع الدعوى الجنائية بالطريق المباشر ضد الموظف أو المستخدم العام أو رجل الضبط عن جريمة وقعت منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
ما نصت عليه المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا ، من أن القرار الصادر عن محكمة الموضوع بإحالة مسألة دستورية بذاتها إلى هذه المحكمة للفصل فى مطابقة النصوص القانونية التى تثيرها للدستور أو خروجها عليه ، وكذلك صحيفة الدعوى الدستورية التى يرفعها إليه خصم للفصل فى بطلان النصوص القانونية المطعون عليها أو صحتها ، يتعين أن يتضمنا بيان النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور ومواقع بطلانها ، إنما تغيا ألا يكون هذا القرار أو تلك الصحيفة منطويين على التجهيل بالمسائل الدستورية التى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها ، ضماناً لتحديدها تحديداً كافياً يبلور مضمونها ونطاقها ، فلا تثير ــ بماهيتها أو مداها ــ خفاء يحول دون إعداد ذوى الشأن جميعاً ــ ومن بينهم الحكومة ــ لدفاعهم بأوجهه المختلفة خلال المواعيد التى حددتها المادة 37 من قانون المحكمة الدستورية العليا ، بل يكون بيانها لازماً لمباشرة هيئة المفوضين ــ بعد إنقضاء هذه المواعيد ــ لمهامها فى شأن تحضير جوانبها ، ثم إبدائها رأياً محايداً فيها يكشف عن حكم الدستور والقانون بشأنها .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
كل شكلية ــ ولو كانت جوهرية فرضها المشروع لمصلحة عامة حتى ينتظم التداعى وفقاً لحكمها ــ لا يجوز فصلها عن دواعيها ، وإلا كان القول بها إغراقاً فى التقيد بضوابطها ، وإنحرافاً عن مقاصدها .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
التجهيل بالمسائل الدستورية يفترض أن يكون بيانها قد غمض فعلاً بما يحول عقلاً دون تجليتها ، فإذا كان إعمال النظر فى شأنها ــ ومن خلال الرباط المنطقى للوقائع المؤدية إليها ــ يفصح عن حقيقتها ، وما قصد إليه الطاعن حقاً من إثارتها ، فإن القول بمخالفة نص المادة 30 المشار إليها ، يكون لغواً . متى كان ذلك ، وكانت المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية ــ المطعون عليها ــ هى التى تحول بذاتها دون مباشرة المدعى بالحقوق المدنية للحق فى الادعاء المباشر ، فإذا عيبتها المدعية فى الدعوى الماثلة ناعية عليها مخالفتها للدستور ، مع سكوتها عن تبيان مداخل بطلانها ، وكان إستظهارها ممكناً من خلال حمل النص المطعون فيه على صور العوار التى يرتبط منطقياً بها ، وكان ثابتاً كذلك أن المضار التى ألحقها هذا النص بما تتمثل فى حرمانها من حق الادعاء المباشر المكفول لغيرها ، فإن مواقع البطلان فى ذلك النص تتحدد على أساس إهداره مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون ، وإنكاره لحقها فى اللجوء لقاضيها الطبيعى ، بالمخالفة للمادتين 40 و 68 من الدستور .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعد دستورية نص قانونى لازم للفصل فى النزاع المعروض عليها ، لا يتعمق المسائل الدستورية التى يثيرها هذا النزاع ، ولا يعتبر فصلاً فيها بقضاء قطعى ، بل يعود الأمر فى شأنها إلى المحكمة الدستورية العليا لتزن وفقاً لمقاييسها جوهر المطاعن الدستورية وأبعادها ، تحديداً لصحتها أو فسادها . وإذ تفصل محكمة الموضوع فى دفع مثار أمامها بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة ، فإن قرارها فى هذا الصدد إما أن يكون صريحاً أو مستفاداً ضمناً من عيون الأوراق . ويعتبر قراراً ضمنياً بقبول الدفع ، إرجاء الفصل فى النزاع الموضوعى إلى أن تقدم المدعية ما يدل على رفع دعواها الدستورية .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة ، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية ، وليس من معطياتها النظرية أو تصوراتها المجردة . وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية ، ويرسم تخوم ولايتها ، فلا تمتد لغير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى ، وبالقدر اللازم للفصل فيه . ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير هؤلاء الذين أضيروا من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم ، سواء أكان هذا الضرر وشيكاً يتهددهم أم كان قد وقع فعلاً . ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور ، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها ، ممكناً تحديده ومواجهته بالترضية القضائية لتسويته ، عائداً فى مصدره إلى النص المطعون فيه ، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من إدعى مخالفته للدستور ، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه ، أو كان قد أفاد من مزاياه ، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه ، دل ذلك على إنتفاء مصلحته الشخصية المباشرة ، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها ، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية ، عما كان عليه قبلها .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة ، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية ، وليس من معطياتها النظرية أو تصوراتها المجردة . وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية ، ويرسم تخوم ولايتها ، فلا تمتد لغير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى ، وبالقدر اللازم للفصل فيه . ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير هؤلاء الذين أضيروا من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم ، سواء أكان هذا الضرر وشيكاً يتهددهم أم كان قد وقع فعلاً . ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور ، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها ، ممكناً تحديده ومواجهته بالترضية القضائية لتسويته ، عائداً فى مصدره إلى النص المطعون فيه ، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من إدعى مخالفته للدستور ، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه ، أو كان قد أفاد من مزاياه ، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه ، دل ذلك على إنتفاء مصلحته الشخصية المباشرة ، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها ، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية ، عما كان عليه قبلها .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق ــ ومن بينها حق التقاضى ــ أنها سلطة تقديرية جوهرها المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة التى تتصل بالموضوع محل التنظيم ، لاختيار أنسبها لفحواه ، وأحراها بتحقيق الأغراض التى يتوخاها ، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً . وليس ثمة قيد على مباشرة المشرع لسلطته هذه ، إلا أن يكون الدستور قد فرض فى شأن ممارستها ضوابط محددة تعتبر تخوماً لها ينبغى التزامها .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك ، على أن التنظيم التشريعى لحق التقاضى ــ وكلما كان منصفاً ــ لا يناقض وجود هذا الحق ، ولا يقتحم الدائرة التى يتنفس فيها ، وأن هذا التنظيم لا يتقيد بأشكال جامدة لا يريم المشرع عنها ، تفرغ قوالبها فى صورة صماء لا تبديل فيها ، بل يجوز أن يغاير المشرع فيما بينها ، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها ، على ضوء الأوضاع التى يباشر هذا الحق عملاً فى نطاقها ، وبما لا يصل إلى حد إهداره ، ليظل هذا التنظيم مرناً ، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها إنحرافاً بها عن أهدافها ، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها ، بل بين هذين الأمرين قواماً ، إلتزاماً بمقاصدها ، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق فى صورتها الأكثر إعتدالاً .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
ما تنص عليه المادة 70 من الدستور من أن الدعوى الجنائية لا تقام إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الأحوال التى يحددها القانون ، يعنى أن الادعاء المباشر ليس إستصحاباً للأصل فى الدعوى الجنائية ، بل هو إستثناء من قواعد تحريكها ، بأن النيابة العامة ــ وعلى ما تنص عليه المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية ــ هى التى تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها ، ولا ترفع من غيرها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون . كذلك فإن تفويض الدستور السلطة التشريعية فى تحديد الأحوال التى لا تقام الدعوى الجنائية فيها بأمر من جهة قضائية ، مؤداه جواز تضييقها لنطاق الحق فى الادعاء المباشر ، لا تتقيد فى ذلك بغير الشروط الموضوعية التى لا يناقض تطبيقها حكماً فى الدستور .
📌 المبدأ / الفقرة (10)
أن المشرع وازن بالنص المطعون فيه بين أمرين ، أولهما : الضرورة التى يقتضيها إستعمال هذا الحق فى إطار الأغراض التى شرع لها ، وثانيهما الأضرار التى ينبغى توقيها إذا نقض هذا الاستعمال تلك الأغراض وتنكبها ، مهدداً بذلك مسئولية أداء العمل العام ، فرجع ثانيهما على أولهما ، تقديراً بأن الأضرار التى ترتبط بإساءة إستعمال الحق فى الادعاء المباشر ، يكون دفعها لازماً ، ولا يجوز أن تتقدمها مزاياه . ذلك أن الموظفين العامين ــ الذين حال النص المطعون فيه دون تكليفهم من قبل المدعى بالحقوق المدنية للحضور مباشرة أما المحكمة الجنائية ــ لا يباشرون أعمال وظائفهم بعيداً عن مصالح المواطنين الذين يلجون أبوابهم لقضاء حوائجهم ، بل يتردد موقفهم منها بين تلبيتها أو معارضتها ، مما يثير غرائز النفس البشرية ونزواتها التى كثيراً ما تجنح مع سوء ظنها إلى التجريح نأياً عن موازين الحق والعدل ، فلا يكون إندفاعها إلا شططاً ، وضيقها بالقائمين على العمل العام إلا تسرعاً وإفتراء ، يقترن ــ فى الأعم ــ بالتطاول عليهم حطا من قدرهم ، ونيلاً من إعتبارهم ، لتهن عزائمهم فلا يثابرون على أعمالهم ، بل يتراخون فيها نكولاً أو يقعدون عنها وجلاً ، مما يصرفهم عن أدائها على وجهها الصحيح سيما وأن المشروع قد إختصهم بجرائم قصرها عليهم وغلظ عقوباتها حملاً لهم على القيام بواجباتهم . ولا يجوز بالتالى أن يفرط إطمئنانهم إذا كان لكل مدع بالحقوق المدنية أن يلاحقهم جنائياً عن جرائم يدعى إرتكابهم لها ، ولو كان الدليل عليها واهياً متخاذلاً ، متدثراً برداء الحق ، ليقوض بذلك سكينتهم ما بقى الاتهام الجنائى مسلطاً عليهم ، مبدداً جهدهم ، مثبطاً هممهم ، مثيراً للشبهات من حولهم . وكان على المشرع بالتالى أن يرد عنهم ــ بالنص المطعون فيه ــ غائلة عدوان أكثر إحتمالاً وأدنى وقوعاً ضماناً لأن يظل الحق فى الادعاء المباشر مقيداً بالأغراض التى شرع من أجلها ، فلا ينقلب عليها . وذلك مؤداه أن إسقاط الحق فى الادعاء المباشر فى الحدود التى بينها النص المطعون فيها ، لا يتوخى حماية القائم بالعمل العام ، بل صون الوظيفة العامة من معوقاتها بما يمكن القائمين عليها من أداء خدماتهم المقصودة منها ، فلا يعرقل تدفقها قيد يحول دون جريانها وإنتظامها ، أو يكون منافياً جوهر مقاصدها .
📌 المبدأ / الفقرة (11)
أن المشرع وازن بالنص المطعون فيه بين أمرين ، أولهما : الضرورة التى يقتضيها إستعمال هذا الحق فى إطار الأغراض التى شرع لها ، وثانيهما الأضرار التى ينبغى توقيها إذا نقض هذا الاستعمال تلك الأغراض وتنكبها ، مهدداً بذلك مسئولية أداء العمل العام ، فرجع ثانيهما على أولهما ، تقديراً بأن الأضرار التى ترتبط بإساءة إستعمال الحق فى الادعاء المباشر ، يكون دفعها لازماً ، ولا يجوز أن تتقدمها مزاياه . ذلك أن الموظفين العامين ــ الذين حال النص المطعون فيه دون تكليفهم من قبل المدعى بالحقوق المدنية للحضور مباشرة أما المحكمة الجنائية ــ لا يباشرون أعمال وظائفهم بعيداً عن مصالح المواطنين الذين يلجون أبوابهم لقضاء حوائجهم ، بل يتردد موقفهم منها بين تلبيتها أو معارضتها ، مما يثير غرائز النفس البشرية ونزواتها التى كثيراً ما تجنح مع سوء ظنها إلى التجريح نأياً عن موازين الحق والعدل ، فلا يكون إندفاعها إلا شططاً ، وضيقها بالقائمين على العمل العام إلا تسرعاً وإفتراء ، يقترن ــ فى الأعم ــ بالتطاول عليهم حطا من قدرهم ، ونيلاً من إعتبارهم ، لتهن عزائمهم فلا يثابرون على أعمالهم ، بل يتراخون فيها نكولاً أو يقعدون عنها وجلاً ، مما يصرفهم عن أدائها على وجهها الصحيح سيما وأن المشروع قد إختصهم بجرائم قصرها عليهم وغلظ عقوباتها حملاً لهم على القيام بواجباتهم . ولا يجوز بالتالى أن يفرط إطمئنانهم إذا كان لكل مدع بالحقوق المدنية أن يلاحقهم جنائياً عن جرائم يدعى إرتكابهم لها ، ولو كان الدليل عليها واهياً متخاذلاً ، متدثراً برداء الحق ، ليقوض بذلك سكينتهم ما بقى الاتهام الجنائى مسلطاً عليهم ، مبدداً جهدهم ، مثبطاً هممهم ، مثيراً للشبهات من حولهم . وكان على المشرع بالتالى أن يرد عنهم ــ بالنص المطعون فيه ــ غائلة عدوان أكثر إحتمالاً وأدنى وقوعاً ضماناً لأن يظل الحق فى الادعاء المباشر مقيداً بالأغراض التى شرع من أجلها ، فلا ينقلب عليها . وذلك مؤداه أن إسقاط الحق فى الادعاء المباشر فى الحدود التى بينها النص المطعون فيها ، لا يتوخى حماية القائم بالعمل العام ، بل صون الوظيفة العامة من معوقاتها بما يمكن القائمين عليها من أداء خدماتهم المقصودة منها ، فلا يعرقل تدفقها قيد يحول دون جريانها وإنتظامها ، أو يكون منافياً جوهر مقاصدها .
📌 المبدأ / الفقرة (12)
الدعوى الجنائية لا يحركها الادعاء المباشر إلا طلباً لحقوق مدنية بطبيعتها ، فلا ترفعها ــ عند إنكاره فى جرائم بذواتها ــ إلا الجهة التى تختص أصلاً بإقامتها ، شأن الجرائم التى يرتكبها الموظفون العامون أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها ــ فى ذلك ــ شأن غيرها من الجرائم ، وهو ما يعنى أن الموظفين العامين لن يفلتوا من المسئولية الجنائية عن أفعالهم التى أثمها المشرع ، بل تظل محاسبتهم عنها ــ إذا قام الدليل عليها ــ حقاً للنيابة العامة فى إطار إختصاصاتها الأصلية .
📌 المبدأ / الفقرة (13)
مبدأ المساواة أمام القانون ، ليس مبدأ تلقينياً جامداً منافياً للضرورة العملية ، ولا هو بقاعدة صماء iron rule تنبذ صور التمييز جميعها ، ولا كافلاً لتلك الدقة الحسابية التى تقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء . وإذا جاز للدولة أن تتخذ بنفسها ما تراه ملائماً من التدابير ، لتنظيم موضوع محدد أو توقياً لشر تقدر ضرورة رده ، وكان دفعها للضرر الأكبر بالضرر الأقل لازماً ، إلا أن تطبيقها مبدأ المساواة لا يجوز أن يكون كاشفاً عن نزواتها ، ولا منبئاً عن إعتناقها لأوضاع جائزة تثير ضغائن أو أحقاد تنفلت بها ضوابط سلوكها ، ولا عدواناً معبراً عن بأس سلطانها ، بل يتعين أن يكون موقفها إعتدالاً فى مجال تعاملها مع المواطنين ، فلا تمايز بينهم إملاء أو عسفاً . ومن الجائز بالتالى أن تغاير السلطة التشريعية ــ ووفقاً لمقاييس منطقية ــ بين مراكز لا تتحد معطياتها ، أو تتباين فيما بينها فى الأسس التى تقوم عليها ، على أن تكون الفوارق بينها حقيقية لا إصطناع فيها ولا تخيل and not feign Reald differencies ذلك أن ما يصون مبدأ المساواة ، ولا ينقض محتواه ، هو ذلك التنظيم الذى يقيم تقسيماً تشريعياً ترتبط فيه النصوص الثانوية التى يضمها ، بالأغراض المشروعة التى يتوخاها . فإذا قام الدليل على إنفصال هذه النصوص عن أهدافها ، كان التمييز إنفلاتاً لا تبصر فيه . كذلك الأمر إذا كان إتصال الوسائل بالمقاصد واهياً ، إذ يعتبر التمييز عندئذ مستنداً إلى وقائع يتعذر أن يحمل عليها ، فلا يكون مشروعاً دستورياً .
📌 المبدأ / الفقرة (14)
النص المطعون فيه لم يقصد إلى إفراد المتهمين بالجرائم المشار إليها فيه ، بمعاملة إستثنائية يختصون بها علواً على غيرهم ، ولا أن يمنحهم ميزة يؤثرهم بها على سواهم من المتهمين ، بل تغيا أن يظل العمل العام منتظماً وأن يكون الطريق إليه قويماً ، فلا ينفذ إليه متخرصون يعطلون سيره بنيلهم من القائمين عليه إفكاً وبغياً . وهو بذلك يكون كافلاً للأسس الموضوعية التى ينظم المشرع الحقوق فى نطاقها ، بما لا إخلال فيه بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه فى المادة 40 من الدستور .
📌 المبدأ / الفقرة (15)
الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ، وكذلك العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ، وإن صح القول باحتوائهما على عديد من الحقوق التى كفلها الدستور القائم ، وأن هاتين الوثيقتين تضمان فى جوهر أحكامهما تلك القيم التى إلتزمتها الدول الديموقراطية باطراد فى مجتمعاتها ، والتى تظاهرها هذه المحكمة وترسيها باعتبارها تراثاً إنسانياً إحتواه دستور جمهورية مصر العربية فى نطاق الحقوق والحريات الأساسية التى كفلها ، وكان هذا الإعلان وذلك العهد لا ينطويان على تنظيم للحق فى الادعاء المباشر ، ولا يتطلبان غير المحاكمة المنصفة طريقاً للفصل فى كل إتهام جنائى ، فإن إقحامهما فى نطاق الدعوى الماثلة يكون عبثاً .