⚖️ إشراف وبناء قاعدة البيانات: أ / محمد عاطف محمد (محامٍ ومطور برمجيات)
شعار الموسوعة
موسوعة الأحكام القضائية المصرية
محكمة النقض • الدستورية العليا • مجلس الدولة
الرجوع إلى صفحة البحث الرئيسية

الطعن رقم 37 لسنة 15 قضائية

المحكمة الدستورية العليا 1996-8-3 سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى: دعوى دستورية " مصلحة محتملة "

المبادئ القانونية المستخلصة

⚖️ تشريع - المادة 156 فقرة 2 من قانون الزراعة - اخلال بخصائص الوظيفة القضائية
⚖️ تشريع - المادة 156 فقرة 2 من قانون الزراعة - اغراض مالية - نقض الدستور
⚖️ تشريع - المادة 156 فقرة 2 من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966
⚖️ تشريع - قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 - بناء على الارض الزراعية
⚖️ جزاء جنائى - اثرة - انتهاج الوسائل القانونية السليمة
⚖️ جزاء جنائى - ردع خاص - منظور اجتماعى
⚖️ جزاء جنائى - ردع عام - ردع خاص
⚖️ دستور - حرية شخصية - حق طبيعى
⚖️ دعوى دستورية - المصلحة - مناطها - مصلحة محتملة
⚖️ سلطة تشريعية - سلطة قضائية - عدم التدخل
⚖️ شرط الوسائل القانونية السليمة
⚖️ عقوبة - تفريدها - ارتباط بالوظيفة القضائية
⚖️ عقوبة - تفريدها - استثناء - تقييد الحرية الشخصية
⚖️ عقوبة - تفريدها - وقف تنفيذها - سياسة جنائية
⚖️ عقوبة - دستوريتها
⚖️ عقوبة - عدالة
⚖️ عقوبة - محاكمة منصفة
⚖️ عقوبة الغرامة - تفريدها - كفالة عدالتها
⚖️ نصوص جنائية - دستوريتها

نص وأسباب ومنطوق الحكم

🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد عبد القادر عبد الله أعضاء وسعيد مرعى عمرو رئيس هيئة المفوضين وحمدى أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة . حيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد اتهمت الدكتور سامى منصور أحمد ، بأنه أقام بناء على أرض زراعية بدون ترخيص ، وطلبت عقابة بالمادتين 152 و 156 من قانون الزراعة الصادربالقانون رقم 53 لسنة 1966 المعدل بالقانون رقم 116 لسنة 1983 ، وقيدت الواقعة جنحه تحت رقم 2724 لسنة 1990 جنح عابدين . وإذ قضى فيها غيابياً من محكمة عابدين الجزئية << دائرة الجنح >> بمعاقبته بالحبس شهراً وكفالة خمسين جنيهاً وبتغريم عشرة الآف جنيه والإزالة ، فقد طعن فى هذا الحكم بالمعارضة . بيد أن محكمة الطعن قضت بتأييد الحكم المعارض فيه ، فاستأنف حكمها أمام محكمة الجنح المستأنفة ، ثم دفع أمامها بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 156 من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 3 5 لسنة 1966، وذلك فيما نصت عليه فى عجزها من عدم جواز الحكم بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة . وإذ قررت محكمة الجنح المستأنفة بجلستها المعقودة فى 10/11/1993، تأجيل نظر الدعوى الجنائية المعروضة عليها لجلسة 29/12/1993، ليتخذ وكيل المتهم إجراءات الطعن بعدم الدستورية كطلبه ، وتقديم مايفيد ذلك ، فقد أقام الدعوى الماثلة . وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 156 من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 تنص على أن << يعاقب على مخالفة أى حكم من أحكام المادة 152 من هذاالقانون أو الشروع فيها بالحبس وبغرامة لاتقل عن عشرة آلاف جنيه ولاتزيد على خمسين ألف جنيه وتتعدد العقوبة بتعدد المخالفات >> . كما تنص فقرتها الثانية على مايأتى << ويجب أن يتضمن الحكم الصادر بالعقوبة ، الأمر بإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف . وفى جميع الأحوال لايجوز الحكم بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة . >> وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية المشار إليها ، مخالفتها للمواد 86 و119 فقرة أولى و156 166 من الدستور ، وذلك فيما نصت عليه من أن الحكم الصادر بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة 156 من قانون الزراعة ، لايجوز فى أية حال أن يتضمن وقف تنفيذ عقوبة الغرامة ، مؤسساً منعاه على دعامتين : أولاهما : أن تقدير العقوبة ، بما فى ذلك وقف تنفيذها - من سلطة القاضى . والاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية فى مجال إنشاء الجرائم وتقرير عقوباتها ، لايخولها التدخل فى عقيدة القاضى ، وغل يده عن استعمال سلطته فى إنزال العقوبة أو تقديرها . ومن ثم يمثل النص المطعون فيه حجراً على حرية القاضى فى أن يقدر لكل جريمة العقوبة التى تناسبها بما يعد افتئاتاً من السلطة التشريعية على السلطة القضائية ، وتدخلاً فى شئون العدالة . ثانيتهما : أن السلطة التشريعية تمارس ولايتها فى مجال إقرار القوانين ، غير مقيدة فى ذلك إلابالضوابط التى ألزمها الدستور بمراعاتها . وتنظيمها لموضوع على خلافها ، يعنى إهدارها أحكام الدستور ، فضلا عن أن السياسة التى انتهجها قانون الزراعة لمواجهة صور العدوان على الأرض الزراعية ، لم تكن غايتها الردع أو الإيلام ، بل كانت الأغراض التمويلية، هى التى استلهمها ، ضماناً لأن يوفر الموارد التى يقتضيها دعم الأغراض التى تقوم عليها الهيئة العامة المنصوص عليها فى المادة 159 من هذا القانون ، والتى تعمل على صون الأراضى الزراعية سواء من خلال إعادة خصوبتها بعد تجريفها أو عن طريق تحسينها وزيادة معدل كفاءتها ، بما مؤداه إنشاء ضريبة بغير قانون ضرائبى ينظم أوضاعها . وحيث إن المصلحة فى الدعوى- وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يقوم ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية ، لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع ، وكان الحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه يوفرللمدعى مصلحة محتمله فى أن تأمر محكمة الموضوع بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة التى نص عليها قانون الزراعة ، فيما إذا انتهت إلى إدانته عن الجريمة التى تضمنها قرار الاتهام ، فإن مصلحته الشخصية والمباشرة فى النزاع الماثل ، تكون قد توافرت . وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 ، قد نظم البناء على الأرض الزراعية ، موازناً فى ذلك بين أمرين : أولهما : ألا يقع عدوان علىها يخرجها عن الأغراض المقصودة من استغلالها فى أغراض التنمية بوصفها من أهم روافدها وأولاها بالاعتبار ، وعلى تقدير أن اقتطاع أجزاء منها للبناء عليها دون ضابط ، يؤول بالضرورة إلى التهام الجزء الأكبر من مساحتها أو على الأقل تقليصها ، فلا توفر الدولة لمواطنيها - من خلالها - احتياجاتهم الغذائية وفرصهم فى العمل ، مما يزيد من أعبائها ، ويُعجزها عن مواصلة خطاها التى تحقق بها تقدماً أعمق ، ورخاء أبعد أثراً . ثانيهما : أن البناء على الأرض الزراعية وإن كان محظوراً فى الأصل ، إلا أن هذا الحظر ليس مطلقاً ، بل يتعين أن تقدر الضرورة بقدرها ، وأن يكون الفصل فى توافرها أو تخلفها عائداً إلى ترخيص يصدر عن وزير الزراعة ، ليكون البناء على الأرض الزراعية مشروطاً بصدوره . وليس ذلك عدواناً على ملكيتها يحول دون استعمالها واستغلالها ، بل هو تنظيم لوظيفتها الاجتماعية ، لتظل الأرض الزراعية فى يد أجيال يتعاقبون عليها ، ويضيفون إليها، فلا تندثر عناصرها . وحيث إن لكل جزاء جنائى أثراً مباشراً يرتد إلى طبيعته ، يتمثل فى حرمان الشخص من حقه فى الحياة أو من حريته أو من ملكه ؛ وكان منطقياً بالتالى ، أن تقيم الدول المتحضرة تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة ، تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة سواء فى جوانبها الموضوعية أو الإجرائية ، لضمان ألاتكون العقوبة أداة عاصفة بالحرية ، تقمعها أو تقيدها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الدول الديموقراطية فى ارتباطها بالمقاييس المعاصره لمفهوم الجزاء ، ومن خلال مايعكسها من مظاهر سلوكها على اختلافها ؛ وكان لازماً على ضوء هذا الاتجاه ، أن تقرر الدساتير التقدمية القيود التى ارتأتها على سلطة المشرع فى مجال التجريم ، تعبيراً عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لايجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها ، واعترافاً منها بأن الحرية فى أبعادها الكاملة لاتنفصل عن حرمة الحياة ، وأن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها ، تفرض نظاماً متكامل الملامح يكفل للجماعة مصالحها الحيوية ، ويصون - فى إطار أهدافه - حقوق الفرد وحرياته الأساسية ، بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة ، تشويها لأغراضها . وحيث إن العقوبة التى يفرضها المشرع فى شأن جريمة حدد أركانها ، تبلور مفهوماً للعدالة يتحدد على ضوء الأغراض الاجتماعية التى تستهدفها ، والتي لايندرج تحتها رغبة الجماعة أو حرصها على إرواء تعطشها للثأر والانتقام ، أوسعيها ليكون بطشها بالمتهم تكفيراً عما أتاه ، وإن أمكن القول إجمالاً بأن مايعتبر جزاء جنائياً ، لايجوز أن يقل فى مداه عما يكون لازماً لحمل الفرد على أن ينتهج طريقاً سوياً ، لاتكون الجريمة مدخلاً إليه ، ولايكون ارتكابها فى تقديره - اذا ماعقد العزم عليها - أكثر فائدة من تجنبها . وسواء أكان هذا الجزاء مؤدياً لتقويم من أصابهم ، أو كافلاً ردع غيرهم ، أو مباعدا بين الجناة ومجتمعهم ، ليكون الآخرون آكثر أمناً واطمئناناً ، أو كان كل ذلك جميعا ، فإن كثيرين من الفقهاء يقارنون بين نوعين من الردع The penal goal of deterrence أحدهماردع عام ، ويتمثل فى العقوبة التى يفرضها المشرع فى شأن الأفعال التى أثمها ، محدداً عقوبتها ، ومتدرجاً بوطأتها على ضوء خطورتها ، ليَحْمِل من خلال عبئها جناة محتملين potential offenders على الإعراض عن إتيانها وانتباذها . وثانيهما ردع خاص يتحقق فى شأن جريمة تم ارتكابها ونسبتها إلى شخص معين ، ليحدد قاض نطاق مسئوليتة عنهاOffender level of blameworthness ، ويقدر عقوبتها تفريدا لها عند الحكم بها The individualized consideration of sentencing ضماناً لتناسبها مع الجريمة التى أتاها ، وكرد فعل لها A proportionate response to the crime . ومن ثم لايتعلق هذا النوع من الردع باحتمال تحقق خطورة إجرامية ، بل بأفعال تم ارتكابها تقوم بها خطورة فعلية . ولاتعدو هذه الصورة من صور الردع ، أن تكون تعبيراً عن مفهوم الجزاء - من منظور اجتماعى - باعتباره عقاباً منصفاً قدره قاض لشخص معين فى شأن جريمة أتاها ، فلا يحدد عقوبتها جزافاً ، بل من خلال علاقة منطقية تربطها مباشرة بمن ارتكبها ، لتقابل حدود مسئوليته جنائياً عنها ، وبقدرها ، بما يؤكد معقوليتها . The heart of the retribution rationale is that a criminal sentence must be directly related to the personal culpability of the criminal offender . وحيث إن ماتقدم مؤداه ، أنه سواء أكانت العقوبة التى فرضها المشرع - وبالنظر إلى أهدافها الاجتماعية - غايتها تحقيق ردع خاص ، أم كانت تعبيرا عن مفهوم متطور للجزاء باعتباره عقابا منصفا لأشخاص أتوا أفعالا جرمها المشرع ، فإن تقديرها من خلال تفريدها يتعلق بعوامل موضوعية تتصل بالجريمة فى ذاتها ، وبعناصر شخصية تعود إلى مرتكبها ، بما مؤداه قيام علاقة حتمية بين سلطة القاضى فى تفريد العقوبة ، وتناسبهامع الجريمة ، وارتباطهما معا بمباشرة الوظيفة القضائية اتصالا بجوهر خصائصها . ولايجوز بالتالى أن يقيد المشرع من نطاق هذه الوظيفة عن طريق التدخل فى مكوناتها، تقديرا بأن الجرائم لاتتحد فى خطورتها ، ولأن المتهمين لاتتجانس خصائص تكوينهمHeterogenous ولاتتحد بيئتهم ، بل يتمايزون على الأخص من حيث تعليمهم و ثقافتهم ، وقدر ذكائهم واستقلالهم ، وتدرج نزعتهم الإجرامية بين لينها أو اعتدالها أو غلوها أو إيغالها . ويستحيل بالتالى معاملتهم بوصفهم نمطا ثابتا ، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم فى قالبها ، بما مؤداه أن الأصل فى العقوبة هو تفريدها Individualization of punishment لاتعميمها Generalization of punishment . وتقرير استثناء من هذا الأصل - أيا كانت الأغراض التى يتوخاها - مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم Homogenous وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لاتغاير فيها ، وهو مايعنى إيقاع جزاء فى غير ضرورة -وبصورة مجردة - ليجر ألوانا من المعاناة تخالطها الآم تفتقر لمبرراتها ، بعد أن فقدت العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها ، بما يقيد الحرية الشخصية دون مقتض . كذلك فإن اعتبار المتهمين نظراء بعضهم لبعض سواء فى نوع جريمتهم أو دوافعها أو خلفيتها ، لايعدو أن يكون إخلالا بشرط الوسائل القانونية السليمة التى لايتصور فى غيبتها أن يكون للحق فى الحياة ، أوفى الحرية ، من قيمة لها اعتبارها . ولازم ماتقدم أن مشروعية العقوبة من زاوية دستورية ، مناطها أن يباشر كل قاضٍ سلطته فى مجال التدرج بها وتجزئتها ، تقديرا لها ، فى الحدود المقررة قانونا . فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبرا لآثار الجريمة من منظور موضوعى يتعلق بها وبمرتكبها . وحيث إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية ، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية ، الغائرة فى أعماقها ، والتى لايمكن فصلها عنها ، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها ، وبما لا إخلال فيه بالحق فى تنظيمها ، وبمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية - بطريق مباشر أو غير مباشر - أخطر القيود وأبلغها أثراً ؛ وكانت دستورية النصوص الجنائية تحكمها مقاييس صارمة تتعلق بها وحدها ، ومعايير حادة تلتئم مع طبيعتها ، ولاتزاحمها فى تطبيقها ماسواها من القواعد القانونية ؛ وكان الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها ، الحماية من جوانبها العملية ، لامن معطياتها النظرية ؛ وكان الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية فى مجال إقرار القوانين ، ومايتصل بها من إنشاء الجرائم وتقرير عقوباتها ، لايخولها التدخل فى أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية واختصها بها ، وإلا كان مفتئتاً على ولايتها ؛ وكان اختصاص السلطة القضائية بالفصل فى المنازعات المطروحة عليها ، يقتضيها أن تباشر فى شأنهاكل الحقوق التى يمكن ربطها عقلاً بالوظيفة القضائية ، فلا تنفصل عنها باعتبارها من دخائلها ؛ متى كان ذلك ، فإن تعطيل السلطة التشريعية لهذه الوظيفة - ولو فى بعض جوانبها - يعتبر تحريفاً لها ، واقتحاماً مخالفاً للدستور ، للحدود التى فصل بها بينها وبين السلطة القضائية . وحيث إن النص المطعون فيه ، وأن فرض الحبس والغرامة معا فى شأن الإخلال بالأحكام التى تضمنتها المادة 152 من قانون الزراعة ، إلا أنه مايز بين هاتين العقوبتين الأصليتين فى مجال وقف التنفيذ ، فبينما أجازه فى عقوبة الحبس ، حظره على إطلاق فى عقوبة الغرامة ، رغم كونها جزاءً جنائيا حقيقيا ، ليحول دون تفريدها ، ضمانا لتنفيذها فى كل الأحوال - وأيا كان مبلغها - وعن طريق الإكراه البدنى عند الاقتضاء ، وهو مايعنى انقلابها إلى عقوبة سالبة لحرية المحكوم عليهم بها ، مع بقاء كامل الآثار الجنائية المترتبةعلى الحكم فى حقهم ، بما مؤداه تغليظ عقوبتهم ، وتطبيقها وفق آلية عمياء لاتقيم وزنا لظروفهم ، ولاتوفر لهم فرص تقويم اعوجاجهم ، بل تردهم عن مجتمعم وتمهد الطريق لعودتهم إلى الإجرام ، فلا يكون النص المطعون فيه - وقد عطل سلطة القاضى فى نطاق وقف تنفيذ عقوبة الغرامة - أصلح لهم ، بل يكون القانون الأصلح هو ذلك الذى يعيد للقاضى هذه السلطة بعد إلغائها . وحيث إن السلطة التى يباشرها القاضى فى مجال وقف تنفيذ العقوبة ، فرع من تفريدها؛ وكان التفريد لاينفصل عن المفاهيم المعاصرة للسياسة الجنائية ، ويتصل بالتطبيق المباشر لعقوبة فرضها المشرع بصورة مجردة ، شأنها فى ذلك شأن القواعد القانونية جميعها ، ولايتصور بالتالى أن يكون إنزالها << بنصها >> على الواقعة الإجرامية محل التداعى ، ملائماً لكل أحوالها ومتغيراتها وملابساتها ؛ وكان مايراه القاضى مسوغاً لاعتقاده بأن المحكوم عليه لن يعود مستقبلاً إلى مخالفة القانون ، سواء بالنظر إلى سنة أو خلقه أو ماضيه أو طبيعة الجريمة التى ارتكبها ، وظروفها ، مبناه عناصر واقعية يمحصها تحرياً لحقيقتها ، فلا ينتزعها، بل يلحظها ويقيمها على دعائم من القرائن وعيون الأوراق ، ليقدر على ضوئها جميعاً ، عقوبتها - سواء فى نوعها أو قدرها - وبمالاإخلال فيه بالحدود المقررة قانوناً لها ؛ وكان تنفيذ العقوبة المحكوم بها ، أو الأمر بإيقافها ، مما يدخل فى تحديد << مبلغها >> ، بل إن تنفيذها - وليس مجرد نوعها أو مدتها - هو الذى يحقق الإيلام المقصود بها ، ليتهيأ بتطبيقها خطر الاتصال بمذنبين آخرين ربما كانوا أكثر عتواً و أفدح إجراماً. متى كان ذلك ، فإن سلطة تفريد العقوبة - ويندرج تحتها الأمر بإيقافها - هى التى تخرجها من قوالبها الصماء ، وتردها إلى جزاء يعايش الجريمة ومرتكبها ، ويتصل بهما اتصال قرار . وحيث إن من الثابت كذلك ، أن تفريد عقوبة الغرامة - وهو أكثر مرونة من تفريد العقوبة السالبة للحرية - يجنبها عيوبها باعتباره كافلاً عدالتها ، ميسراً تحصيلها ، حائلاً دون أن تكون وطأتها على الفقراء أثقل منها على الأغنياء ؛ وكان فرض تناسبها فى شأن جريمة بذاتها ، إنصافاً لواقعها وحال مرتكبها The relevant facets of the character and record of the individual offender ، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن يفاضل القاضى - وفق أسس موضوعية - بين الأمر بتنفيذها أو إيقافها . ولئن كان النص المطعون فيه قد أجاز ذلك بالنسبة إلى عقوبة الحبس ، إلا أنه سلب القاضى هذه السلطة ذاتها فى شأن عقوبة الغرامة ، التى لاتتكافأ مع العقوبة المقيدة للحرية فى تهوينها من قدر الإنسان ومساسها بآدميته ، بل هى دونها تجريحاً ، وهو مايعنى - فى نطاق النزاع الماثل - الإخلال بخصائص الوظيفة القضائية ، وقوامها فى شأن الجريمة محل الدعوى الجنائية ، تقدير العقوبة التى تناسبها ، باعتبار أن ذلك يعد مفترضاً أولياً متطلباً دستورياً لصون موضوعية تطبيقها . A constitutional prerequisite to the proportionate imposition of penalty وحيث إنه فضلاً عما تقدم ، لايجوز للدولة - فى مجال مباشرتها لسلطة فرض العقوبة صوناً لنظامها الاجتماعى - أن تنال من الحد الأدنى لتلك الحقوق التى لايطئمن المتهم فى غيابها إلى محاكمة تتم إنصافاً ، غايتها إدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة وفقاً لمتطلباتها التى بينتها المادة 67 من الدستور ؛ وكان من المقرر أن << شخصية العقوبة >> << وتناسبها مع الجريمة محلها >> مرتبطتان << بمن يكون قانوناً مسئولاً عن ارتكابها >> على ضوء دوره فيها ، ونواياه التى قارنتها ، ومانجم عنها من ضرر ، ليكون الجزاء عنها موافقاً لخياراته بشأنها . متى كان ذلك ، وكان تقدير هذه العناصر جميعها ، داخلاً فى إطار الخصائص الجوهرية للوظيفة القضائية ، باعتباره من مكوناتها ؛ فإن حرمان من يباشرونها من سلطتهم فى مجال تفريد العقوبة بما يوائم << بين الصيغة التى أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها فى حالة بذاتها >> مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالها بواقعها ، فلا تنبض بالحياة ، ولايكون إنفاذها << إلا عملاً مجرداً يعزلها عن بيئتها >> دالا على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال ، جامدا فجاً منافياً لقيم الحق والعدل . وحيث إن حصيلة الغرامات المحكوم بها وفقاً للنص المطعون فيه ، وإن كانت تؤول جميعها بقوة القانون إلى الهيئة العامة المنصوص عليها فى المادة 159 من قانون الزراعة ، لتعيد بها إلى الأرض الزراعية خصوبتها بعد تجريفها أو لتعمل من خلالها على تحسينها وزيادة معدل كفاءتها وإنتاجيتها .إلا أن اعتماد هذه الهيئة على تلك الغرامات ، لايجوز أن ينقض حقوقاً أصيلة كفلها الدستور للسلطة القضائية واختصها بها ، ولاأن يعدل من بنيانها ، كتلك التى تتعلق بتفريد العقوبة لتطويعها من منظور موضوعى يبلور تناسبها مع الجريمة محلها واتساقها وأحوال مرتكبها، فلا تهيم فى فراغ ، ولاتكون إنفاذاً حرفياً للنصوص التى فرضتها ، بما يحيل تطبيقها عدواناً على كرامة الإنسان وحريته ، وهما تضربان بجذورهما عمقاً صوناً لآدميته ، وتعلوان قدراً على مجرد الأغراض المالية ، ولايتصور بالتالى أن تكون هذه الأغراض قيداً على أيتهما . وحيث إن النص المطعون فيه - وعلى ضوء ماتقدم - يكون قد أهدر من خلال إلغاء سلطة القاضى فى تفريد العقوبة - جوهر الوظيفة القضائية ، منطويا كذلك على تدخل فى شئون العدالة ، مقيدا الحرية الشخصية فى غير ضرورة ، ونائيا عن ضوابط المحاكم المنصفة، ليقع مخالفا لأحكام المواد 41 و 67 و 165 ، 166 من الدستور فلهذه الأسباب حكمت المحكمة بعدم دستورية مانصت عليه الفقرة الثانية من المادة 156 من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 من عدم جواز وقف تنفيذ عقوبة الغرامة ، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 156 من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 من عدم جواز وقف تنفيذ عقوبة الغرامة.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إن المصلحة فى الدعوى ــ وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية ــ مناطها أن يقوم ثمة إرتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية ، لازماً للفصل فى الطلبات وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية ، لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع ، وكان الحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه يوفر للمدعى مصلحة محتملة فى أن تأمر محكمة الموضوع بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة التى نص عليها قانون الزراعة ، فيما إذا إنتهت إلى إدانته عن الجريمة التى تضمنها قرار الاتهام ، فإن مصلحته الشخصية والمباشرة فى النزاع الماثل ، تكون قد توافرت .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 ، قد نظم البناء على الأرض الزراعية ، موازناً فى ذلك بين أمرين : أولهما : ألا يقع عدوان عليها يخرجها عن الأغراض المقصودة من إستغلالها فى أغراض التنمية بوصفها من أهم روافدها وأولاها بالاعتبار ، وعلى تقدير أن إقتطاع أجزاء منها للبناء عليها دون ضابط ، يؤول بالضرورة إلى التهام الجزء الأكبر من مساحتها أو على الأقل تقليصها ، فلا توفر الدولة لمواطنيها ــ من خلالها ــ إحتياجاتهم الغذائية وفرصهم فى العمل ، مما يزيد من أعبائها ، ويعجزها عن مواصلة خطاها التى تحقق بها تقدماً أعمق ، ورخاء أبعد أثراً . ثانيهما : أن البناء على الأرض الزراعية وإن كان محظوراً فى الأصل ، إلا أن هذا الحظر ليس مطلقاً ، بل يتعين أن تقدر الضرورة بقدرها ، وأن يكون الفصل فى توافرها أو تخلفها عائداً إلى ترخيص يصدر عن وزير الزراعة ، ليكون البناء على الأرض الزراعية مشروطاً بصدوره . وليس ذلك عدواناً على ملكيتها يحول دون إستعمالها وإستغلالها ، بل هو تنظيم لوظيفتها الاجتماعية ، لتظل الأرض الزراعية فى يد أجيال يتعاقبون عليها ، ويضيفون إليها ، فلا تندثر عناصرها .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
إن لكل جزاء جنائى أثراً مباشراً يرتد إلى طبيعته ، يتمثل فى حرمان الشخص من حقه فى الحياة أو من حريته أو من ملكه ، وكان منطقياً بالتالى ، أن تقيم الدول المتحضرة تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة ، تكفل بذاتها إنتهاج الوسائل القانونية السليمة سواء فى جوانبها الموضوعية أو الاجرائية ، لضمان ألا تكون العقوبة أداة عاصفة بالحرية ، تقمعها أو تقيدها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الدول الديموقراطية فى إرتباطها بالمقاييس المعاصرة لمفهوم الجزاء ، ومن خلال ما يعكسها من مظاهر سلوكها على إختلافها ، وكان لازماً على ضوء هذا الاتجاه ، أن تقرر الدساتير التقدمية القيود التى إرتأتها على سلطة المشرع فى مجال التجريم ، تعبيراً عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها فى غير صيرورة تمليها مصلحة إجتماعية لها إعتبارها ، وإعترافاً منها بأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة ، وأن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على إمتداد مراحل تطورها ، تفرض نظاماً متكامل الملامح يكفل للجماعة مصالحها الحيوية ، ويصون ــ فى إطار أهدافه ــ حقوق الفرد وحرياته الأساسية ، بما يحول دون إساءة إستخدام العقوبة ، تشويها لأغراضها . كذلك فإن العقوبة التى يفرضها المشرع فى شأن جريمة حدد أركانها ، تبلور مفهوماً للعدالة يتحدد على ضوء الأغراض الاجتماعية التى تستهدفها ، والتى لا يندرج تحتها رغبة الجماعة أو حرصها على إرواء تعطشها للثأر والانتقام ، أو سعيها ليكون بطشها بالمتهم تكفيراً عما أتاه ، وإن أمكن القول إجمالاً بأن ما يعتبر جزاء جنائياً ، لا يجوز أن يقل فى مداه عما يكون لازماً لحمل الفرد على أن ينتهج طريقاً سوياً ، لا تكون الجريمة مدخلاً إليه ، ولا يكون إرتكابها فى تقديره ــ إذا ما عقد العزم عليها ــ أكثر فائدة من تجنبها .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
إن لكل جزاء جنائى أثراً مباشراً يرتد إلى طبيعته ، يتمثل فى حرمان الشخص من حقه فى الحياة أو من حريته أو من ملكه ، وكان منطقياً بالتالى ، أن تقيم الدول المتحضرة تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة ، تكفل بذاتها إنتهاج الوسائل القانونية السليمة سواء فى جوانبها الموضوعية أو الاجرائية ، لضمان ألا تكون العقوبة أداة عاصفة بالحرية ، تقمعها أو تقيدها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الدول الديموقراطية فى إرتباطها بالمقاييس المعاصرة لمفهوم الجزاء ، ومن خلال ما يعكسها من مظاهر سلوكها على إختلافها ، وكان لازماً على ضوء هذا الاتجاه ، أن تقرر الدساتير التقدمية القيود التى إرتأتها على سلطة المشرع فى مجال التجريم ، تعبيراً عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها فى غير صيرورة تمليها مصلحة إجتماعية لها إعتبارها ، وإعترافاً منها بأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة ، وأن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على إمتداد مراحل تطورها ، تفرض نظاماً متكامل الملامح يكفل للجماعة مصالحها الحيوية ، ويصون ــ فى إطار أهدافه ــ حقوق الفرد وحرياته الأساسية ، بما يحول دون إساءة إستخدام العقوبة ، تشويها لأغراضها . كذلك فإن العقوبة التى يفرضها المشرع فى شأن جريمة حدد أركانها ، تبلور مفهوماً للعدالة يتحدد على ضوء الأغراض الاجتماعية التى تستهدفها ، والتى لا يندرج تحتها رغبة الجماعة أو حرصها على إرواء تعطشها للثأر والانتقام ، أو سعيها ليكون بطشها بالمتهم تكفيراً عما أتاه ، وإن أمكن القول إجمالاً بأن ما يعتبر جزاء جنائياً ، لا يجوز أن يقل فى مداه عما يكون لازماً لحمل الفرد على أن ينتهج طريقاً سوياً ، لا تكون الجريمة مدخلاً إليه ، ولا يكون إرتكابها فى تقديره ــ إذا ما عقد العزم عليها ــ أكثر فائدة من تجنبها .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
إن كثيرين من الفقهاء يقارنون بين نوعين من الردع The Penal Goal Of Deterrence أحدهما ردع عام ، ويتمثل فى العقوبة التى يفرضها المشرع فى شأن الأفعال التى أثمها ، محدداً عقوبتها ، ومتدرجاً بوطأتها على ضوء خطورتها ، ليحمل من خلال عبئها جناة محتملين Potential Offenders على الإعراض عن إتيانها وإنتباذها . وثانيهما ردع خاص يتحقق فى شأن جريمة تم إرتكابها ونسبتها إلى شخص معين ، ليحدد قاض نطاق مسئوليته عنها Offender Ievel Of blameworthness ، ويقدر عقوبتها تفريداً لها عند الحكم بها The individualized consideration of sentencing ضماناً لتناسبها مع الجريمة التى أتاها ، وكرد فعل لها A proportionate response to the crime . ومن ثم لا يتعلق هذا النوع من الردع باحتمال تحقق خطورة إجرامية ، بل بأفعال تم إرتكابها تقوم بها خطورة فعلية .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
لا يعدو الردع الخاص ، أن يكون تعبيراً عن مفهوم الجزاء ــ من منظور إجتماعى ــ باعتباره عقاباً منصفاً قدره قاض لشخص معين فى شأن جريمة أتاها ، فلا يحدد عقوبتها جزافاً ، بل من خلال علاقة منطقية تربطها مباشرة بمن إرتكبها ، لتقابل حدود مسئوليته جنائياً عنها ، وبقدرها ، بما يؤكد معقوليتها . The heart of the retribution rationale is that a criminal sentence must be directly related to the personal cullpability of the criminal offender
📌 المبدأ / الفقرة (7)
سواء أكانت العقوبة التى فرضها المشرع ــ وبالنظر إلى أهدافها الاجتماعية ــ غايتها تحقيق ردع خاص ، أم كانت تعبيراً عن مفهوم متطور للجزاء باعتباره عقاباً منصفاً لأشخاص أتوا أفعالاً جرمها المشرع ، فإن تقديرها من خلال تفريدها يتعلق بعوامل موضوعية تتصل بالجريمة فى ذاتها ، وبعناصر شخصية تعود إلى مرتكبها ، بما مؤداه قيام علاقة حتيمة بين سلطة القاضى فى تفريد العقوبة وتناسبها مع الجريمة ، وإرتباطهما معاً بمباشرة الوظيفة القضائية إتصالاً بجوهر خصائصها . ولا يجوز بالتالى أن يقيد المشرع من نطاق هذه الوظيفة عن طريق التدخل فى مكوناتها ، تقديراً بأن الجرائم لا تتحد فى خطورتها ، ولأن المتهمين لا تتجانس خصائص تكوينهم Heterogenous ولا تتحدد بيئتهم ، بل يتمايزون على الأخص من حيث تعليمهم وثقافتهم ، وقدر ذكائهم وإستقلالهم ، وتدرج نزعتهم الإجرامية بين لينها أو إعتدالها أو غلوها أو إيغالها .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
الأصل فى العقوبة هو تفريدها Individualization of punishment لا تعميمها Generalization of punishment وتقرير إستثناء من هذا الأصل ــ أيا كانت الأغراض التى يتوخاها ــ مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم Homogenous وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها ، وهو ما يعنى إيقاع جزاء فى غير ضرورة ــ وبصورة مجردة ــ ليجر ألواناً من المعاناة تخالطها الآم تفتقر لمبرراتها . بعد أن فقدت العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها ، بما يقيد الحرية الشخصية دون مقتض .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
إعتبار المتهمين نظراء بعضهم لبعض سواء فى نوع جريمتهم أو دوافعها أو خلفيتها ، لا يعدو أن يكون إخلالاً بشرط الوسائل القانونية السليمة التى لا يتصور فى غيبتها أن يكون للحق فى الحياة ، أو فى الحرية ، من قيمة لها إعتبارها .
📌 المبدأ / الفقرة (10)
مشروعية العقوبة من زاوية دستورية ، مناطها أن يباشر كل قاض سلطته فى مجال التدرج بها وتجزئتها ، تقديراً لها ، فى الحدود المقررة قانوناً . فذلك وحده الطريق إلى معقوليتها وإنسانيتها جبراً لآثار الجريمة من منظور موضوعى يتعلق بها وبمرتكبها .
📌 المبدأ / الفقرة (11)
إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية ، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية ، الغائرة فى أعماقها ، والتى لا يمكن فصلها عنها ، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها ، وبما لا إخلال فيه بالحق فى تنظيمها ، وبمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية ــ بطريق مباشر أو غير مباشر ــ أخطر القيود وأبلغها أثراً .
📌 المبدأ / الفقرة (12)
النصوص الجنائية تحكمها مقاييس صارمة تتعلق بها وحدها ، ومعايير حادة تلتئم مع طبيعتها ، ولا تزاحمها فى تطبيقها ما سواها من القواعد القانونية ، وكان الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها ، الحماية من جوانبها العملية ، لا من معطياتها النظرية ، وكان الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية فى مجال إقرار القوانين ، وما يتصل بها من إنشاء الجرائم وتقرير عقوبتها ، لا يخولها التدخل فى أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية وإختصها بها ، وإلا كان مفتئتاً على ولايتها ، وكان إختصاص السلطة القضائية بالفصل فى المنازعات المطروحة عليها ، يقتضيها أن تباشر فى شأنها كل الحقوق التى يمكن ربطها عقلاً بالوظيفة القضائية ، فلا تنفصل عنها باعتبارها من دخائلها ، متى كان ذلك ، فإن تعطيل السلطة التشريعية لهذه الوظيفة ــ ولو فى بعض جوانبها ــ يعتبر تحريفاً لها ، وإقتحاماً مخالفاً للدستور ، للحدود التى فصل بها بينها وبين السلطة القضائية .
📌 المبدأ / الفقرة (13)
النصوص الجنائية تحكمها مقاييس صارمة تتعلق بها وحدها ، ومعايير حادة تلتئم مع طبيعتها ، ولا تزاحمها فى تطبيقها ما سواها من القواعد القانونية ، وكان الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها ، الحماية من جوانبها العملية ، لا من معطياتها النظرية ، وكان الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية فى مجال إقرار القوانين ، وما يتصل بها من إنشاء الجرائم وتقرير عقوبتها ، لا يخولها التدخل فى أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية وإختصها بها ، وإلا كان مفتئتاً على ولايتها ، وكان إختصاص السلطة القضائية بالفصل فى المنازعات المطروحة عليها ، يقتضيها أن تباشر فى شأنها كل الحقوق التى يمكن ربطها عقلاً بالوظيفة القضائية ، فلا تنفصل عنها باعتبارها من دخائلها ، متى كان ذلك ، فإن تعطيل السلطة التشريعية لهذه الوظيفة ــ ولو فى بعض جوانبها ــ يعتبر تحريفاً لها ، وإقتحاماً مخالفاً للدستور ، للحدود التى فصل بها بينها وبين السلطة القضائية .
📌 المبدأ / الفقرة (14)
إن النص المطعون فيه ، وإن فرض الحبس والغرامة معاً فى شأن الإخلال بالأحكام التى تضمنتها المادة 152 من قانون الزراعة ، إلا أنه مايز بين هاتين العقوبتبن الأصليتين فى مجال وقف التنفيذ ، فبينما أجازه فى عقوبة الحبس ، حظره على إطلاق فى عقوبة الغرامة ، رغم كونها جزاءً جنائياً حقيقياً ، ليحول دون تفريدها ، ضماناً لتنفيذها فى كل الأحوال ــ وأيا كان مبلغها ــ وعن طريق الإكراه البدنى عند الإقتضاء ، وهو ما يعنى إنقلابها إلى عقوبة سالبة لحرية المحكوم عليهم بها ، مع بقاء كامل الآثار الجنائية المترتبة على الحكم فى حقهم ، بما مؤداه تغليظ عقوبتهم ، وتطبيقها وفق آلية عمياء لا تقيم وزناً لظروفهم ، ولا توفر لهم فرص تقويم إعوجاجهم ، بل تردهم عن مجتمعهم وتمهد الطريق لعودتهم إلى الإجرام ، فلا يكون النص المطعون فيه ــ وقد عطل سلطة القاضى فى نطاق وقف تنفيذ عقوبة الغرامة ــ أصلح لهم ، بل يكون القانون الأصلح هو ذلك الذى يعيد للقاضى هذه السلطة بعد إلغائها .
📌 المبدأ / الفقرة (15)
إن السلطة التى يباشرها القاضى فى مجال وقف تنفيذ العقوبة ، فرع من تفريدها ، وكان التفريد لا ينفصل عن المفاهيم المعاصرة للسياسة الجنائية ، ويتصل بالتطبيق المباشر لعقوبة فرضها المشرع بصورة مجردة ، شأنها فى ذلك شأن القواعد القانونية جميعها . ولا يتصور بالتالى أن يكون إنزالها " بنصها " على الواقعة الإجرامية محل التداعى ، ملائماً لكل أحوالها ومتغيراتها وملابساتها ، وكان ما يراه القاضى مسوغاً لاعتقاده بأن المحكوم عليه لن يعود مستقبلاً إلى مخالفة القانون ــ سواء بالنظر إلى سنه أو خلقه أو ماضيه أو طبيعة الجريمة التى إرتكبها ، وظروفها ــ مبناه عناصر واقعية يمحصها تحرياً لحقيقتها ، فلا ينتزعها ، بل يلحظها ويقيمها على دعائم من القرائن وعيون الأوراق ، ليقدر على ضوئها جميعاً ، عقوبتها ــ سواء فى نوعها أو قدرها ــ وبما لا إخلال فيه بالحدود المقررة قانوناً لها ، وكان تنفيذ العقوبة المحكوم بها ، أو الأمر بإيقافها ، مما يدخل فى تحديد " مبلغها " ، بل إن تنفيذها ــ وليس مجرد نوعها أو مدتها ــ هو الذى يحقق الإيلام المقصود بها ، ليتهيأ بتطبيقها خطر الاتصال بمذنبين أخرين ربما كانوا أكثر عتواً وأفدح إجراماً . متى كان ذلك ، فإن سلطة تفريد العقوبة ــ ويندرج تحتها الأمر بإيقافها ــ هى التى يخرجها من قوالبها الصماء ، وتردها إلى جزاء يعايش الجريمة ومرتكبها ، ويتصل بهما إتصال قرار .
📌 المبدأ / الفقرة (16)
أن تفريد عقوبة الغرامة ــ وهو أكثر مرونة من تفريد العقوبة السالبة للحرية ــ يجنبها عيوبها باعتباره كافلاً عدالتها ، ميسراً تحصيلها ، حائلاً دون أن تكون وطأتها على الفقراء أثقل منها على الأغنياء ، وكان فرض تناسبها فى شأن جريمة بذاتها ، إنصافاً لواقعها وحال مرتكبها The relevant facets of the character and record of the individual offender ، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن يفاضل القاضى ــ وفق أسس موضوعية ــ بين الأمر بتنفيذها أو إيقافها . ولئن كان النص المطعون فيه قد أجاز ذلك بالنسبة إلى عقوبة الحبس ، إلا أنه سلب القاضى هذه السلطة ذاتها فى شأن عقوبة الغرامة ، التى لا تتكافأ مع العقوبة المقيدة للحرية فى تهوينها من قدر الإنسان ومساسها بآدميته ، بل هى دونها تجريحاً ، وهو ما يعنى ــ فى نطاق النزاع الماثل ــ الإخلال بخصائص الوظيفة القضائية ، وقوامها فى شأن الجريمة محل الدعوى الجنائية ، تقدير العقوبة التى تناسبها ، باعتبار أن ذلك يعد مفترضاً أولياً متطلباً دستورياً لصون موضوعية تطبيقها . A constituitional prerequisite to the proportionate imposition of penalty .
📌 المبدأ / الفقرة (17)
أن تفريد عقوبة الغرامة ــ وهو أكثر مرونة من تفريد العقوبة السالبة للحرية ــ يجنبها عيوبها باعتباره كافلاً عدالتها ، ميسراً تحصيلها ، حائلاً دون أن تكون وطأتها على الفقراء أثقل منها على الأغنياء ، وكان فرض تناسبها فى شأن جريمة بذاتها ، إنصافاً لواقعها وحال مرتكبها The relevant facets of the character and record of the individual offender ، يتحقق بوسائل متعددة يندرج تحتها أن يفاضل القاضى ــ وفق أسس موضوعية ــ بين الأمر بتنفيذها أو إيقافها . ولئن كان النص المطعون فيه قد أجاز ذلك بالنسبة إلى عقوبة الحبس ، إلا أنه سلب القاضى هذه السلطة ذاتها فى شأن عقوبة الغرامة ، التى لا تتكافأ مع العقوبة المقيدة للحرية فى تهوينها من قدر الإنسان ومساسها بآدميته ، بل هى دونها تجريحاً ، وهو ما يعنى ــ فى نطاق النزاع الماثل ــ الإخلال بخصائص الوظيفة القضائية ، وقوامها فى شأن الجريمة محل الدعوى الجنائية ، تقدير العقوبة التى تناسبها ، باعتبار أن ذلك يعد مفترضاً أولياً متطلباً دستورياً لصون موضوعية تطبيقها . A constituitional prerequisite to the proportionate imposition of penalty .
📌 المبدأ / الفقرة (18)
لا يجوز للدولة ــ فى مجال مباشرتها لسلطة فرض العقوبة صوناً لنظامها الاجتماعى ــ أن تنال من الحد الأدنى لتلك الحقوق التى لا يطمئن المتهم فى غيابها إلى محاكمة تتم إنصافاً ، غايتها إدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة وفقاً لمتطلباتها التى بينتها المادة 67 من الدستور ، وكان من المقرر أن " شخصية العقوبة " " وتناسبها مع الجريمة محلها " مرتبطتان " بمن يكون قانوناً مسئولاً عن إرتكابها " على ضوء دوره فيها ، ونواياه التى قارنتها ، وما نجم عنها من ضرر ، ليكون الجزاء عنها موافقاً لخياراته بشأنها . متى كان ذلك ، وكان تقدير هذه العناصر جميعها ، داخلاً فى إطار الخصائص الجوهرية للوظيفة القضائية ، باعتباره من مكوناتها ، فإن حرمان من يباشرونها من سلطتهم فى مجال تفريد العقوبة بما يوائم " بين الصيغة التى أفرغت فيها ومتطلبات تطبيقها فى حالة بذاتها " مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية إتصالها بواقعها ، فلا تنبض بالحياة ، ولا يكون إنفاذها " إلا عملاً مجرداً يعزلها عن بيئتها " دالاً على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال ، جامداً فجاً منافياً لقيم الحق والعدل .
📌 المبدأ / الفقرة (19)
إن حصيلة الغرامات المحكوم بها وفقاً للنص المطعون فيه ، وإن كانت تؤول جميعها بقوة القانون إلى الهيئة العامة المنصوص عليها فى المادة 159 من قانون الزراعة ، لتعيد بها إلى الأرض الزراعية خصوبتها بعد تجريفها أو لتعمل من خلالها على تحسينها وزيادة معدل كفاءتها وإنتاجيتها ، إلا أن إعتماد هذه الهيئة على تلك الغرامات ، لا يجوز أن ينقض حقوقاً أصيلة كفلها الدستور للسلطة القضائية وإختصها بها ، ولا أن يعدل من بنيانها ، كتلك التى تتعلق بتفريد العقوبة لتطويعها من منظور موضوعى يبلور تناسبها مع الجريمة محلها وإتساقها وأحوال مرتكبها ، فلا تهيم فى فراغ ، ولا تكون إنفاذاًُ حرفياً للنصوص التى فرضتها ، بما يحيل تطبيقها عدواناً على كرامة الإنسان وحريته ، وهما تضربان بجذورهما عمقاً صوناً لآدميته ، وتعلوان قدراً على مجرد الأغراض المالية ، ولا يتصور بالتالى أن تكون هذه الأغراض قيداً على أيتهما .