الطعن رقم 72 لسنة 18 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
1997-8-2
سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى:
دعوى دستورية " نطاقها " .
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ تشريع - المادة 117 من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963 - غرامة - طبيعتها
⚖️ جرائم - سلطة تشريعية - قرائن قانونية
⚖️ جريمة - اثباتها
⚖️ جريمة التهريب الجمركى - تشريع - المواد 37 و 38 و 117 من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963 - قرينة
⚖️ دستور - حقوق حماية
⚖️ دعوى دستورية - نطاقها
⚖️ قاعدة قانونية - الغرض منها
⚖️ قانون جنائى - ادانة المتهم
⚖️ قرائن قانونية - نطاقها - حرية شخصية
⚖️ مسئولية جنائية - مصلحة الجماعة - جزاء جنائى - ردع
⚖️ مسئولية مدنية -مسئولية جنائية - تغايرهما - المحكمة الدستورية العليا - شرعية دستورية
⚖️ مسئولية مدنية -مسئولية جنائية - خطأ مفترض
⚖️ مسئولية مدنية -مناطها - تعويض
⚖️ نص عقابى - غموضه او تميعه
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف أعضاء وحنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين وحمدى أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة. حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعية - شركة الخطوط الجوية البريطانية - كانت قد أقامت الدعوى رقم 3305 لسنة 1984 مدنى كلى جنوب القاهرة أمام محكمة جنوب القاهرة، بطلب الحكم بعدم الاعتداد بالتنبيه بالحجز والإنذار الصادر إليها بدفع مبلغ 2901376711 جنيها تدعى مصلحة الجمارك أنه يمثل الضرائب الجمركية والغرامات التى تستحقها عن العجز فى البضائع التى حملتها طائراتها خلال السنوات من 1980 حتى 1985، مع براءة ذمتها من هذا المبلغ. وقد أدخلت المدعية كلا من مصر للطيران وشركة طيران سويسرا فى دعواها، وذلك للحكم عليهما بما عسى أن يحكم به عليها، تأسيسا على أنهما باشرتا أعمال الشحن والتفريغ داخل الدائرة الجمركية . وبجلسة 26/3/1987 أحيلت دعواها إلى محكمة تنفيذ عابدين، حيث قيدت برقم 222 لسنة 1987 . وقد قضى فيها من هذه المحكمة : أولا - فى الدعوى الأصلية - ببراءة ذمة شركة الخطوط الجوية البريطانية فيما جاوز مبلغ 5ر1407557 جنيها، واعتبار الحجز الإدارى الموقع عليها بتاريخ 1/2/1986 كأن لم يكن . ثانيا - فى دعوى الضمان الفرعية - بعدم قبولها بالنسبة إلى شركة الخطوط الجوية السويسرية لوجود اتفاق تحكيم، وبرفضها بالنسبة إلى مصر للطيران . وإذ قدرت المدعية أن الحكم الصادر من محكمة تنفيذ عابدين قد أخطا حكم القانون فيما قرره من مسئوليتها عن المبلغ المحكوم به عليها، فقد خاصمته استئنافيا أمام محكمة استئناف القاهرة، وقيد استئنافها تحت رقم 21007 لسنة 111 قضائية، ثم دفعت - أثناء نظره - بعدم دستورية أحكام المواد 37 و 38 و 117 و 119 من القانون الجمركى الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 . وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وحددت ثلاثة أشهر تقيم المدعية خلالها دعواها الدستورية، فقد رفعتها إلى هذه المحكمة للفصل فى المسائل الدستورية المثارة فيها . وحيث إن ولاية هذه المحكمة فى الدعاوى الدستورية - وعلى ماجرى به قضاؤها - لاتقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالا مطابقا للأوضاع المقررة فى قانونها ؛ وكان نطاق الدعوى الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم إقامتها، إنما يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذى أثير أمام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر فيها جديته . وكان المدعى فى الدعوى الماثلة قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية المواد 37 و 38 و 117 و 119 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963، وانحصر فى هذا النطاق وحده، التصريح الصادر للمدعىة عن محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية، فإن الطعن على قرار رئيس الجمهورية رقم 202 لسنة 1980 بإصدار التعريفة الجمركية، يكون مجاوزا نطاق المسائل الدستورية التى تُدعى هذه المحكمة للفصل فيها . وحيث إن المواد المطعون عليها تقضى بمايأتى: مادة 37 : يكون ربابنة السفن أو من يمثلونهم مسئولين عن النقص فى عدد الطرود أو محتوياتها أو فى مقدار البضائع المنفرطة ( الصب ) إلى حين استلام البضاعة فى المخازن الجمركية أو فى المستودعات أو بمعرفة أصحاب الشأن . وترفع هذه المسئولية عن النقص فى محتويات الطرود إذا كانت قد سلمت بحالة ظاهرية سليمة يرجح معها حدوث النقص قبل الشحن ولاتكون الجهة القائمة على إدارة المخازن أو المستودعات مسئولة عن النقص فى هذه الحالة . وتحدد بقرار من المدير العام للجمارك نسبة التسامح فى البضائع المنفرطة زيادة أو نقصا وكذلك النقص الجزئى فى البضاعة الناشئ عن عوامل طبيعية أو نتيجة لضعف الغلافات وانسياب محتوياتها . مادة 38 : إذا كان مقدار البضائع أو عدد الطرود المفرغة أقل مما هو مبين فى قائمة الشحن، وجب على ربان السفينة أو من يمثله إيضاح أسباب النقص . وإذا كانت البضائع أو الطرود الناقصة لم تشحن أصلا، أو لم تفرغ، أو فرغت فى جهة أخرى، وجب أن يكون تبرير النقص مؤيدا بمستندات جدية . وإذا تعذر تقديم هذه المستندات جاز إعطاء مهلة لاتجاوز ستة أشهر لتقديمها بشرط أخذ ضمان يكفل حقوق الجمارك . مادة 117 : تفرض على ربابنة السفن أو قادة الطائرات ووسائل النقل الأخرى، غرامة لاتقل عن عشر الضرائب الجمركية المعرضة للضياع ولاتزيد عن مثلها فضلا عن الضرائب المستحقة وذلك فى حالة النقص غير المبرر عما أدرج فى قائمة الشحن فى عدد الطرود أو محتوياتها أو البضائع المنفرطة . أما فى حالة الزيادة غير المبررة فتفرض غرامة لاتقل عن نصف الضرائب الجمركية المقررة على البضائع الزائدة ولاتزيد على مثليها . وإذا ظهر بين الزيادة طرود تحمل نفس العلامات والأرقام الموضوعة على طرود أخرى مدرجة فى قائمة الشحن، فتعتبر الطرود المقرر عليها ضرائب أكبر هى الطرود الزائدة وتطبق هذه الغرامة أيضا على البضائع الزائدة التى تظهر أثر جرد المستودعات العامة أو الخاصة ولاتكون مدرجة فى سجلاتها وتحصل من أصحاب هذه المستودعات . مادة 119 : تفرض الغرامات المنصوص عليها فى المواد السابقة من مدير الجمارك المختص . ويجب أداؤها خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إعلان المخالفين بهذا القرار بخطاب مسجل مصحوب بعلم وصول، مالم يتظلم ذوو الشأن بكتاب يقدم للمدير العام للجمارك خلال الخمسة عشر يوما المذكورة . وللمدير العام فى هذه الحالة أن يؤيد الغرامة أو يعدلها أو يلغيها. وتحصل الغرامات بطريق التضامن من الفاعلين والشركاء وذلك بطريق الحجز الإدارى. وتكون البضائع ضامنة لاستيفاء تلك الغرامات . ويجوز الطعن فى قرارات المدير العام للجمارك خلال خمسة عشر يوما من إعلانها بخطاب موصى عليه بعلم وصول، وذلك أمام المحكمة المختصة ويكون حكم المحكمة نهائيا وغير قابل للطعن فيه . وحيث إن البضائع محل المسئولية المقررة بالنصوص المطعون عليها، كان قد تم نقلها على طائرة، ومن ثم يسرى فى شأنها حكم المادة 39 من القانون الجمركى التى توجب أن يقدم عن البضائع المنقولة فى طائرة، قوائم شحن موقع عليها من قائدها عقب وصول الطائرة أو قبل سفرها . وعلى أن تسرى على هذه البضائع، الأحكام الأخرى الخاصة بالبضائع المنقولة بالسفن . وحيث إن المدعي ينعى على النصوص المطعون عليها مخالفتها للدستور من النواحى الآتية : أولا : أن المشرع أنشأ بمقتضاها قرينة قانونية مفادها أن وجود نقص فى مقدار البضائع أو عدد الطرود التى تم تفريغها من السفينة أو فى محتوياتها عما هو مدرج فى قائمة الشحن، يعنى افتراض أن الربان أو قائد الطائرة قد هربها داخل البلد دون أداء مكوسها . ومن ثم يكون الإضرار بمصالح الخزانة العامة مفترضا كذلك ؛ بما ينفى الصفة المدنية عن مسئولية الربان أو قائد الطائرة باعتبار أن الضرر من أركانها، ولايفترض . ثانيا : أن الغرامة التى قررتها المادة 117 المطعون عليها، واردة بالباب السابع تحت عنوان << المخالفات الجمركية >> بما مؤداه اندراجها فى إطار العقوبات التى احتواها القانون الجنائى، ولوكان المشرع قد حدد مقدار الغرامة - لابصورة جامدة - وإنما بنسبتها إلى الضرر الناجم عن الجريمة، أو إلى الفائدة التى حققها الجانى أو حاول تحقيقها . هذا فضلا عن أن الغرامة نقيض التعويض، فلايشتبهان . ثم أن مبلغها يزيد أحيانا على مقدار الضريبة التى يقال بأن المدعية سعت للتخلص منها، فلا تنحل إلا عقابا جنائيا ؛ يؤيد ذلك أن الضريبة الجمركية لاتعتبر من علائق القانون الخاص التى يؤدى الإخلال بها إلى أداء تعويض، وإنما تبلورهذه الضريبة مصلحة مالية تقوم الإدارة الجمركية على صونها، فلايعتبر الجزاء على تفويتها مدنيا. ثالثا : أن اقتضاء الغرامة بطريق التضامن بين الفاعلين وشركائهم عملا بنص المادة 117 المطعون عليها، لايحيلها إلى تعويض، ذلك أن الألفاظ التى يستخدمها المشرع فى سياق معين، لاتكفى وحدها لتحديد الطبيعة القانونية للجزاء، بل يتعين الخوض فى الخصائص التى يقوم عليها، والأغراض التى يتوخاها . فكلما كان الجزاء إيلاما مقصودا، متوخيا إنهاء كل تحايل على أداء الضريبة الجمركية وسد منافذ التهرب منها، كان معنى العقوبة ظاهرا فيه، ولو داخلتها بعض مظاهر التعويض . وماقصد المشرع بتقرير التضامن فى أداء الغرامة بين الفاعلين وشركائهم، إلا تيسير تحصيلها، دون أن ينفى عنها خصائص العقوبة التى تلازمها . رابعا : أن مبدأ شخصية العقوبة يقتضى ألا تنسب الجريمة لغير من ارتكبها، وألا توقع عقوبتها على غير فاعلها . يقول تعالى << ولاتزر وازرة وزر أخرى >> << وكل نفس بما كسبت رهينة >> << إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون >>، وافتراض المسئولية الجنائية يناقض افتراض البراءة، ومن ثم كان غير جائز، وكان مفهوما بالتالى أن ندرأ الحدود بالشبهات مااستطعنا إلى ذلك سبيلا . خامسا : أن البضائع التى حررت المحاضر عنها تتعلق جميعها بعجز فيها، فإذا لم ترد أصلا إلى جمهورية مصر العربية، فإن قرينة تهريبها تكون منفصلة عن واقعها . ومن غير المتصور فى جريمة التهريب الجمركى - وهى من الجرائم العمدية - أن تقوم أركانها بناء على مجرد الخطأ، بل يتعين أن يكون قائد الطائرة - أو من يمثله - محيطا بحقيقة الأمر فى شأن كل واقعة تقوم عليها الجريمة، وأن يكون هذا العلم يقينيا، لاظنيا أو افتراضيا . وحيث إن الفصل فى دستورية النصوص المطعون عليها، يقتضى ابتداء تحديد طبيعة المسئولية التى تثيرها . فالذين يقولون بأنها مسئولية مدنية، يستندون فى ذلك إلى أنها الأصل فى المسئولية، وأن الخروج على هذا الأصل لايكون إلا بنصوص واضحة الدلالة على وجهتها، فلايجوز تقرير الصفة الجنائية لنصوص قانونية إذا شابها غموض حول طبيعتها . والذين يقولون بأن الغرامة التى تتضمنها النصوص المطعون عليها، تنحل - فى حقيقتها - إلى عقوبة جنائية، ولاشأن لها بمفهوم التعويض، يذهبون إلى أن مقدارها محدد تحديدا تحكميا وآمرا، ولاشأن لتوقيعها بوقوع ضرر، ولاتمتد من الفاعلين وشركائهم - الذين يسألون عنها بالتضامن - إلى ورثتهم، ولا إلى المسئولين عن الحقوق المدنية . وليس الحكم بها معلقا على طلبها ممن أضير مباشرة من الأفعال التى تستنهضها، بل فرضها المشرع بوصفها جزاء جنائيا ملازما لجريمة التهريب الجمركى التى تقوم النصوص المطعون عليها على مظنة ارتكابها . ولوكانت الغرامة التى تضمنتها النصوص المطعون عليها تعويضا مدنيا، لكان مقدارها محددا بقدر الضرر دون زيادة أو نقصان . وحيث إن اتجاها ثالثا قد نحا إلى القول، بأن الغرامة المقررة بالنصوص المطعون عليها حقيقتها تعويض وإن تضمن إيلاما، فلاينسلخ معنى العقوبة عنها، ولايزايلها كذلك مفهوم التعويض، إذ هما أمران يغشيانها ويؤثران فى تحديد طبيعتها . فلاهى بتعويض محض، ولابجزاء جنائى خالص، بل تختلط طبيعتها تبعا لتزواج هذين العنصرين فيها . وحيث إن القول بأن الغرامة التى تضمنتها النصوص المطعون عليها، لاتعتبر محض تعويض، ولاجزاءً جنائيا صرفا، وإنما يختلط هذان المعنيان فيها، ويعتبران من ملامحها، فلاينفصلان عنها، مردود ؛ بأن لكل من المسئولية المدنية والجنائية مفهومها وأركانها، فلايتماثلان، ولايتصور أن تفصل هذه المحكمة فى دستورية النصوص المطعون عليها على ضوء اجتماع مسئوليتين متنافرتين فيها بالنظر إلى تباين أحكامهما وتعارضها . وليس لهذه المحكمة كذلك أن تختار من هاتين المسئوليتين عناصر تصطفيها بنفسها، استبدادا منها برأيها، لترجحها على ماعداها، وأن تتخذها بالتالى - ودون سند من الدستور أو القانون - معياراً للشرعية الدستورية . ولايجوز من ثم، النظر إلى الغرامة التى فرضتها النصوص المطعون عليها باعتبارها واقعة بين منطقتين متداخلتين، بل الصحيح أن لكل من المسئولية الجنائية والمدنية، دائرتها ومجال عملها، فلايتماسان أو يتلاقيان . وامتناع تشابههما مؤداه أن الغرامة التى تضمنتها هذه النصوص يتعين تكييفها إما بوصفها تعويضا مدنيا، أو باعتبارها جزاء جنائيا . وغير ذلك يُعْجِز هذه المحكمة عن مباشرتها لرقابتها فى شأن دستورية الغرامة المطعون عليها . وحيث إنه فى مجال الفصل فيما إذا كانت الغرامة الجمركية تعويضا مدنىا، أم محض عقوبة جنائية، فإن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن النصوص العقابية لاتفقد طبيعتها لمجرد غموضها أو تميعها . ولاتزايلها - لهذا الاعتبار وحده - خصائصها كنصوص قانونية أوردها المشرع فى مجال التجريم، إذ لايعدو انبهامها أو تسيبها، أن يكون عوارا أصابها مؤديا إلى إبطالها لانتفاء وضوحها ويقينها . وهما معنيان يلازمانها ضمانا لان يكون المخاطبون بها واعين بحقيقتها، فلايكون بيان الأفعال التى أثمها المشرع خافيا عليهم . كذلك فإن مراعاة قاعدة التفسير الضيق فى شأن النصوص المطعون عليها، يفترض أن يكون الجزاء على مخالفتها جنائيا، ولايفيد بالضرورة أن يكون هذا الجزاء مدنيا مرددا للقواعد التى تحكم المسئولية المدنية ومبصرا بها، ذلك أن المشرع لايصوغ القواعد القانونية ليؤكد بها معان تتضمنها نصوص قائمة، ولكن ليقرر بموجبها أحكاما جديدة - إحداثا أو تعديلا - لمصلحة يقدرها . وحيث إن التمييز بين كل من المسئولية الجنائية والمدنية، يقتضيه أن أولاهما لاتحركها إلا مصلحة الجماعة بافتراض أن ضررا قد أصابها من خلال إتيان الأفعال التى أثمها المشرع لضرورة اجتماعية قدرها ؛ متدرجا بعقابها تبعا لخطورتها ؛ وناهيا أصلا عن التنازل عن الدعوى الجنائية موضوعها أو التصالح عليها، فلايكون الجزاء عليها محض تعويض، بل إيلاما مقصودا لردع جناتها، ضمانا لأن يكون الوقوع فيها من جديد أقل احتمالا . ولاكذلك المسئولية المدنية التى لايقوم الخطأ فيها على إرادة إتيان الفعل والبصر بنتيجته أو توقعها . بل مناطها كل عمل غير مشروع يُلحق بأحد من الأغيار ضررا، سواء أكان هذا العمل عمدا أم إهمالا . ومن ثم كان التعويض الكامل جزاءها وهو لا يكون كاملا إلا إذا كان جابرا لعناصر الضرر جميعها ماكان منها ماديا أو معنويا دون زيادة أو نقصان ؛ وكان هذا التعويض كذلك من الحقوق الشخصية التى يجوز النزول عنها ؛ وكان اجتماع المسئولية الجنائية والمدنية ممكنا، إذا كان الفعل الواحد مُرتبا لهما معا، بأن كان ضارا بالجماعة وبالفرد فى آن واحد ؛ وكان تباعدهما كذلك متصورا . إلا أن أظهر مايمايز بينهما، أن افتراض الخطأ وإن جاز فى المسئولية المدنية بالقدر وفى الحدود المنطقية التى يبينها المشرع، إلا أن المسئولية الجنائية لايقيمها إلا دليل يمتد لكل أركانها، ويُثْبتها . وحيث إن من المقرر قانونا، أن العبارة التى يفرغ المشرع فيها أحد النصوص القانونية، إنما يتعين فهمها على ضوء المعنى الذى يستخلص منها عادة، وفق موضوعها ؛ وبمراعاة سياقها، وبالنظر إلى الأغراض التى توخاها المشرع من مجموع النصوص التى أتى بها . وحيث إن المخالفات الجمركية - محددة على ضوء المصلحة فى الدعوى الدستورية - قوامها - وعملا بالمادتين 37 و 38 من القانون الجمركى بعد ربطهما بالمادتين 117 و119 من هذا القانون - وجود نقص غير مبرر فى الطرود التى تم تفريغها من الطائرة عما هو مدون بشأنها فى قائمة الشحن، سواء اتصل هذا النقص بعدد الطرود أو بمحتوياتها . وحيث إن الغرامة التى فرضتها المادة 117 من هذا القانون، مُحَدِّدة مقدارها بما لايقل عن عشر الضرائب الجمركية المعرضة للضياع ولايزيد على مثلها ؛ مبناها أن الأصل فى الطرود أن يكون مافرغ منها -سواء فى أعدادها أو محتوياتها - مطابقا لبياناتها فى قائمة الشحن . فإذا نقص مافرغ من هذه الطرود عما هو مدون بشأنها فى تلك القائمة، فإن افتراض تهريبها يقوم فى حق الربان أو قائد الطائرة إعمالا لتلك القرينة القانونية التى أحدثها المشرع، والتى لايدفعها أيهما إلا إذا أقام الدليل على عكسها ببراهين يبرر بها هذا النقص . وحيث إن القول بأن الغرامة التى فرضها المشرع على هذا النحو، تنحل تعويضا مدنيا، لايستقيم وأحكامها، ولايلتئم والأغراض التى توخاها المشرع منها، ومردود كذلك، أولا : بأن الجرائم الجمركية جميعها لاتعتبر من نوع واحد، بل فَصَلَ المشرع بين المخالفات الجمركية من ناحية وجنح التهريب من ناحية أخرى، مفردا لكل منها باباً مستقلا، منتهجا فى ذلك تقسيما ثنائيا للجرائم الجمركية يعتد بقدر العقوبة التى حددها لكل منها، فلاتجمعها وحدة واحدة، بل تتفرق هذه الجرائم فيما بينها بالنظر إلى جسامتها . فما يكون منها أقل وطأة يعتبر مخالفة جمركية، وهو مايعنى أن المشرع أعمل فى شأن الجرائم الجمركية مبدأ التدرج، فلاتكون المخالفات الجمركية إلا جرائم بمعنى الكلمة أراد المشرع بتأثيمها، ردع من يرتكبونها حتى لايتعرض للضياع ماكان يستحق من المكوس على كامل الطرود التى أثبتتها قائمة الشحن، إذا كان مافرغ منها أقل . ومردود ثانيا : بأن المشرع عامل النقص فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها عما هو مدرج فى قائمة الشحن، بافتراض أن الربان قد هربها، ولايتصور أن يتعلق هذا الافتراض إلا بجريمة إدخالها إلى البلاد بطريق غير مشروع دون أداء ضرائبها الجمركية . ولاتقوم الجريمة إلا عن أفعال أثمها المشرع، وهو لايؤثمها إلا من خلال العقوبة التى يفرضها جزاءً على إتيانها، مصيبا بعبئها من يكون مسئولا عنها - من الفاعلين والشركاء - مرتبا بها فى ذممهم أعباء مالية قدر أن ثقلها يعتبر كافيا لردعهم أو لحملهم على تجنبها، وتلك أغراض تستهدفها القوانين الجنائية فى عموم تطبيقاتها . ومردود ثالثا : بأن القانون الجمركى ربط المخالفة الجمركية التى يمثلها النقص غير المبرر فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها، بالفائدة التى تصور أنها تعود على جناتها من وراء ارتكابها، فرد عليهم ماقصدوه منها من خلال الغرامة التى فرضها، والتى نسبها إلى المكوس الجمركية ذاتها بافتراض تعريضها للضياع من قبلهم، فلايكون مبلغها ثابتا، ومن ثم تتوافر لهذه الغرامة - وتلك طبيعتها - خصائص الغرامة النسبية التى يتضامن المسئولون عن الجريمة التى تستوجبها فى دفعها - فاعلين كانوا أو شركاء - فلايحكم عليهم - مع تعددهم -إلا بغرامة واحدة يقيسها المشرع وفقا للضوابط التى قدرها لتناسبها مع الفائدة التى حققها الجناة من جريمتهم، أو التى قصدوا إلى بلوغها بارتكابها، فلاتحصل الإدارة الجمركية إلا على مبلغها لا أكثر ولا أقل، توكيدا لعينيتها التى لاينافيها تقرير حد أدنى لها . ومردود رابعا : بأن لكل جريمة عقوبتها التى لاتنفصل عن الأفعال التى تكونها، بل تمثل منها جزءا لايتجزأ . والغرامة التى فرضتها المادة 117 من القانون الجمركى مناطها تلك المخالفة الجمركية التى افترض المشرع أن الربان أو قائد الطائرة قد ارتكبها، محددا بذلك عقوبتها التى لايجوز توقيعها إلا بتوافر أركان الجريمة التى تتصل بها، وإثباتها بكل عناصرها، فلايحكم بها على من يكون غير مسئول جنائيا عنها، ولوكان مسئولا مدنيا عن ضررها . فإذا تعدد المسئولون عن المخالفة الجمركية - الذين وصفهم المشرع بالفاعلين والشركاء - كان تضامنهم فى الوفاء بعقوبتها، لازما . ومردود خامسا : بأن القانون الجمركى وإن خول الإدارة الجمركية ذاتها توقيع الغرامة التى حددتها النصوص المطعون عليها، إلا أن طبيعتها لاتتحدد إلاعلى ضوء خصائصها، وليس بالنظر إلى الجهة التى اختصها المشرع بفرضها . وإذا كان القانون الجمركى قد خول هذه الجهة الإدارية - التى عينها بالفقرة الأولى من المادة 119 - أن تفرض الغرامة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة 117 بمناسبة النقص غير المبرر فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها عما هو مدرج فى قائمة الشحن، فذلك استصحابا للسياسة التشريعية التى التزمها عند العمل باللائحة الجمركية القديمة التى صدر بها أمر عال فى 2ا من أبريل 1884، والتى لايجوز التذرع بها لتحوير طبيعة الغرامة النسبية محل النزاع، من خلال نفى الصفة الجنائية عنها . ومردود سادساً : بأن المذكرة الايضاحية لمشروع القانون الجمركى، صريحة فى نصها على أن النقص، أو الزيادة غير المبررة سببان لايقاع الغرامة التى نسبها المشرع إلى المكوس الجمركية المعرضة للضياع بدلا من تحديدها بمبلغ معين، وأنه تمشيا مع << مبدأ التدرج فى العقوبة >> رؤى أن تزيد نسبتها فى حالة الزيادة غير المبررة عن حالة النقص غير المبرر . وحيث إن لكل جريمة ينشئها المشرع أركانها التى يجب أن تثبتها سلطة الاتهام من خلال تقديمها لأدلتها والإقناع بها بما يزيل كل شك معقول حولها، ذلك أنها تعمد من خلال اتهامها لشخص بجريمة تدعيها، إلى خلق واقع جديد يناقض افتراض البراءة باعتباره تعبيرا عن الفطرة التى جبل الإنسان عليها، وصار متصلا بها منذ ميلاده، فلاتنقضها إرادة أيا كان وزنها. وإنما ينحيها حكم قضائى تعلق بجريمة بذاتها، وغدا باتا فى شأن نسبتها إلى فاعلها. وحيث إن من المقرر كذلك أن القرائن القانونية - حتى ماكان منها قاطعا - هى التى يقيمها المشرع مقدما ويعممها بعد أن يصوغها على ضوء مايكون راجح الوقوع عملا ؛ وكان المشرع بتقريره لها، إنما يتوخى إعفاء الخصم من التدليل على واقعة بذاتها بعد أن أحل غيرها محلها، وأقامها بديلا عنها، ليتحول الدليل إليها، فإذا أثبتها الخصم، اعتبر ذلك إثباتا للواقعة الأصلية بحكم القانون . فلاتكون القرائن القانونية بذلك إلا إثباتا غير مباشر، مرتبطا أصلا بالمسائل المدنية، فإن تعدتها إلى غيرها، صار أمر دستوريتها محددا على ضوء مساسها بالحرية الشخصية، وإخلالها بمقوماتها. وحيث إن اختصاص السلطة التشريعية بإقرار القواعد القانونية ابتداء، أو تفويض السلطة التنفيذية فى إصدارها فى الحدود التى بينها الدستور، لايخول أيتهما العدوان على اختصاص عهد به الدستور إلى السلطة القضائية وقصره عليها، وإلا كان هذا افتئاتا على ولايتها، وتقويضا لاستقلالها . ولايجوز بالتالى أن يمتد اختصاص السلطة التشريعية فى مجال إنشاء الجرائم وتقرير عقوباتها، إلى إحداثها لقرائن قانونية تنفصل عن واقعها ولاتربطها بالتالى ثمة علاقة منطقية بالنتائج التى رتبتها عليها، لتحول بها بين السلطة القضائية ومباشرة مهامها فى نطاق الدعوى الجنائية التى اختصها بالفصل فيها. وحيث إن الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها فى صلبه، الحماية من جوانبها العملية لا من معطياتها النظرية ؛ وكان ذلك مؤداه أن الأغراض النهائية للقوانين الجنائية ينافيها على الأخص أن يدان المتهمون لغير جريرة، أو عن طريق الإخلال بالموازين الدقيقة التى يتكافأ بها مركز سلطة الاتهام مع حقوق متهميها . وحيث إنه متى كان ذلك، وكانت جريمة التهريب الجمركى من الجرائم العمدية التى لايجوز افتراضها، ولاتتوافر أركانها إلا بإرادة ارتكابها، ولاتعتبر الشبهة التى تحيطها ويظن معها الوقوع فيها، سلوكا محددا أتاه جان، بل توهما لايقوم به دليل، ولاتنهض به المسئولية الجنائية ؛ وكان المشرع قد أقام من مجرد وجود نقص فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها، قرينة على تهريبها لايدفعها المتهمون عنهم إلا بتقديمهم ما ينقضها، فلايكون إخفاقهم فى نفيها، إلا تقريرا لمسئوليتهم الجنائية بما يناقض افتراض براءتهم، ويحول دون انتفاعهم بضمانة الدفاع التى تفترض لممارستها قيام اتهام محدد ضدهم، معززبالبراهين الجائز قبولها قانونا ؛ وإخلالا بالضوابط التى فرضها الدستور فى مجال محاكمتهم إنصافا ؛ وتعديا كذلك على الحدود التى فصل بها بين ولاية كل من السلطتين التشريعية والقضائية، بما يصم النصوص المطعون عليها - فى مجال تطبيقها فى شأن النقص غير المبرر فى عدد الطرود أو محتوياتها - بمخالفتها لأحكام المواد 41 و66 و67 و69 و165 من الدستور. وحيث إن توافر الصفة الجنائية فى المخالفات الجمركية التى تضمنتها النصوص المطعون عليها مؤداه أن نظرها، وإيقاع عقوبتها، لايكون إلا عملا قضائيا على ضوء المادتين 66و 67 من الدستور . فلهذه الأسباب حكمت المحكمة أولا: بعدم دستورية ما تضمنته المواد 37 و 38 و 117 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963، من اعتبار مجرد النقص فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها عما أدرج فى قائمة الشحن، قرينة على تهريبها، مستوجبا فرض الغرامة المنصوص عليها فى المادة 117 من هذا القانون ؛ مالم يبرر الربان أو قائد الطائرة هذا النقص . ثانيا: بعدم دستورية ما تضمنته المادة 119 من ذلك القانون، من تخويل مدير الجمارك الاختصاص بفرض الغرامة المشار إليها . ثالثا: بسقوط الأحكام الأخرى التى تضمنتها النصوص المطعون عليها، والتى ترتبط بأجزائها المحكوم بعدم دستوريتها، ارتباطا لايقبل التجزئة . رابعا: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة:
أولاً: عدم دستورية ما تضمنته المواد 37 و38 و117 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963، من اعتبار مجرد النقص في عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها عما أدرج في قائمة الشحن، قرينة على تهريبها، مستوجباً فرض الغرامة المنصوص عليها في المادة 117 من هذا القانون ما لم يبرر الربان أو قائد الطائرة هذا النقص,
ثانياً: بعدم دستورية ما تضمنته المادة 119 من ذلك القانون من تخويل مدير الجمارك الإختصاص بفرض الغرامة المشار إليها.
ثالثاً: بسقوط الأحكام الأخرى التى تضمنتها النصوص المطعون عليها والتي ترتبط بأجزائها المحكوم بعدم دستوريتها، ارتباطاً لا يقبل التجزئة.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
ولاية هذه المحكمة فى الدعاوى الدستورية ــ وعلى ما جرى به قضاؤها ــ لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى إتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة فى قانونها ، وكان نطاق الدعوى الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم إقامتها ، إنما يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذى أثير أمام محكمة الموضوع ، وفى الحدود التى تقدر فيها جديته ، وكان المدعى فى الدعوى الماثلة قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية المواد 37 و 38 و 117 و 119 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 ، وإنحصر فى هذا النطاق وحده ، التصريح الصادر للمدعية عن محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية ، فإن الطعن على قرار رئيس الجمهورية رقم 202 لسنة 1980 بإصدار التعريفة الجمركية ، يكون مجاوزاً نطاق المسائل الدستورية التى تدعى هذه المحكمة الفصل فيها .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
القول بأن الغرامة التى تضمنتها النصوص المطعون عليها ، لا تعتبر محض تعويض ، ولا جزاء جنائياً صرفاً ، وإنما يختلط هذان المعنيان فيها ، ويعتبران من ملامحها ، فلا ينفصلان عنها ، مردود ، بأن لكل من المسئولية المدنية والجنائية مفهومها وأركانها ، فلا يتماثلان ، ولا يتصور أن تفصل هذه المحكمة فى دستورية النصوص المطعون عليها على ضوء إجتماع مسئوليتين متنافرتين فيها بالنظر إلى تباين أحكامهما وتعارضها . وليس لهذه المحكمة كذلك أن تختار من هاتين المسئوليتين عناصر تصطفيها بنفسها ، إستبداداً منها برأيها ، لترجحها على ما عداها ، وأن تتخذها بالتالى ــ ودون سند من الدستور أو القانون ــ معياراً للشرعية الدستورية . ولا يجوز من ثم ، النظر إلى الغرامة التى فرضتها النصوص المطعون عليها باعتبارها واقعة بين منطقتين متداخلتين ، بل الصحيح أن لكل من المسئولية الجنائية والمدنية ، دائرتها ومجال عملها ، فلا يتماسان أو يتلاقيان . وإمتناع تشابههما مؤداه أن الغرامة التى تضمنتها هذه النصوص يتعين تكييفها إما بوصفها تعويضاً مدنياً ، أو باعتبارها جزاء جنائياً . وغير ذلك يعجز هذه المحكمة عن مباشرتها لرقابتها فى شأن دستورية الغرامة المطعون عليها .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
فى مجال الفصل فيما إذا كانت الغرامة الجمركية تعد تعويضاً مدنياً ، أم محض عقوبة جنائية ، فإن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن النصوص العقابية لا تفقد طبيعتها لمجرد غموضها أو تميعها . ولا تزايلها ــ لهذا الاعتبار وحده ــ خصائصها كنصوص قانونية أوردها المشرع فى مجال التجريم ، إذ لا يعدو إنبهامها أو تسيبها ، أن يكون عواراً أصابها مؤدياً إلى إبطالها لانتفاء وضوحها ويقينها . وهما معينان يلازمانها ضماناً لأن يكون المخاطبون بها واعين بحقيقتها ، فلا يكون بيان الأفعال التى أثمها المشرع خافياً عليهم .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
مراعاة قاعدة التفسير الضيق فى شأن النصوص المطعون عليها ، يفترض أن يكون الجزاء على مخالفتها جنائياً ، ولا يفيد بالضرورة أن يكون هذا الجزاء مدنياً مردداً للقواعد التى تحكم المسئولية المدنية ومبصراً بها ، ذلك أن المشرع لا يصوغ القواعد القانونية ليؤكد بها معان تتضمنها نصوص قائمة ، ولكن ليقرر بموجبها أحكامأ جديدة ــ إحداثاً أو تعديلاً ــ لمصلحة يقدرها .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
المسئولية الجنائية لا تحركها إلا مصلحة الجماعة بافتراض أن ضرراً قد أصابها من خلال إتيان الأفعال التى أثمها المشرع لضرورة إجتماعية قدرها ، متدرجاً بعقابها تبعاً لخطورتها ، وناهياً أصلاً عن التنازل عن الدعوى الجنائية موضوعها أو التصالح عليها ، فلا يكون الجزاء عليها محض تعويض ، بل إيلاماً مقصوداً لردع جناتها ، ضماناً لأن يكون الوقوع فيها من حديد أقل إحتمالاً .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
المسئولية المدنية هى التى لا يقوم الخطأ فيها على إرادة إتيان الفعل والبصر بنتيجته أو توقعها . بل مناطها كل عمل غير مشروع يلحق بأحد من الأغيار ضرراً ، سواء أكان هذا العمل عمداً أم إهمالاً . ومن ثم كان التعويض الكامل جزاءها وهو لا يكون كاملاً إلا إذا كان جابراً لعناصر الضرر جميعها ما كان منها مادياً أو معنوياً دون زيادة أو نقصان ، وكان هذا التعويض كذلك من الحقوق الشخصية التى يجوز النزول عنها ، وكان إجتماع المسئولية الجنائية والمدنية ممكناً ، إذا كان الفعل الواحد مرتباً لهما معاً ، بل كان ضاراً بالجماعة وبالفرد فى آن واحد ، وكان تباعدهما كذلك متصوراً . إلا أن أظهر ما يمايز بينهما ، أن إفتراض الخطأ وإن جاز فى المسئولية المدنية بالقدر وفى الحدود المنطقية التى يبينها المشرع ، إلا أن المسئولية الجنائية لا يقيمها إلا دليل يمتد لكل أركانها ، ويثبتها .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
المسئولية المدنية هى التى لا يقوم الخطأ فيها على إرادة إتيان الفعل والبصر بنتيجته أو توقعها . بل مناطها كل عمل غير مشروع يلحق بأحد من الأغيار ضرراً ، سواء أكان هذا العمل عمداً أم إهمالاً . ومن ثم كان التعويض الكامل جزاءها وهو لا يكون كاملاً إلا إذا كان جابراً لعناصر الضرر جميعها ما كان منها مادياً أو معنوياً دون زيادة أو نقصان ، وكان هذا التعويض كذلك من الحقوق الشخصية التى يجوز النزول عنها ، وكان إجتماع المسئولية الجنائية والمدنية ممكناً ، إذا كان الفعل الواحد مرتباً لهما معاً ، بل كان ضاراً بالجماعة وبالفرد فى آن واحد ، وكان تباعدهما كذلك متصوراً . إلا أن أظهر ما يمايز بينهما ، أن إفتراض الخطأ وإن جاز فى المسئولية المدنية بالقدر وفى الحدود المنطقية التى يبينها المشرع ، إلا أن المسئولية الجنائية لا يقيمها إلا دليل يمتد لكل أركانها ، ويثبتها .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
إدعاء أن الغرامة التى فرضها المشرع على هذا النحو ، تنحل تعويضاً مدنياً ، لا يستقيم وأحكامها ، ولا يلتئم والأغراض التى توخاها المشرع منها ، ذلك أن الجرائم الجمركية جميعها لا تعتبر من نوع واحد ، بل فصل المشرع بين المخالفات الجمركية من ناحية وجنح التهريب من ناحية أخرى ، مفرداً لكل منها باباً مستقلاً ، منتهجاً فى ذلك تقسيماً ثنائياً للجرائم الجمركية يعتد بقدر العقوبة التى حددها لكل منها ، فلا تجمعها وحدة واحدة ، بل تتفرق هذه الجرائم فيما بينها بالنظر إلى جسامتها . فما يكون منها أقل وطأة يعتبر مخالفة جمركية ، وهو ما يعنى أن المشرع أعمل فى شأن الجرائم الجمركية مبدأ التدرج ، فلا تكون المخالفات الجمركية إلا جرائم بمعنى الكلمة أراد المشرع بتأثيمها ، ردع من يرتكبونها حتى لا يتعرض للضياع ما كان يستحق من المكوس على كامل الطرود التى أثبتتها قائمة الشحن ، إذا كان ما فرغ منها أقل . كما أن المشرع عامل النقص فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها عما هو مدرج فى قائمة الشحن ، بافتراض أن الربان قد هربها ، ولا يتصور أن يتعلق هذا الافتراض إلا بجريمة إدخالها إلى البلاد بطريق غير مشروع دون أداء ضرائبها الجمركية . ولا تقوم الجريمة إلا عن أفعال أثمها المشرع ، وهو لا يؤثمها إلا من خلال العقوبة التى يفرضها جزاءً على إتيانها ، مصيباً بعبئها من يكون مسئولاً عنها ــ من الفاعلين والشركاء ــ مرتباً بها فى ذممهم أعباء مالية قدر أن ثقلها يعتبر كافياً لردعهم أو لحملهم على تجنبها ، وتلك أغراض تستهدفها القوانين الجنائية فى عموم تطبيقاتها . كذلك فإن القانون الجمركى ربط المخالفة الجمركية التى يمثلها النقص غير المبرر فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها ، بالفائدة التى تصور أنها تعود على جناتها من وراء إرتكابها ، فرد عليهم ما قصدوه منها من خلال الغرامة التى فرضها ، والتى نسبها إلى المكوس الجمركية ذاتها بافتراض تعريضها للضياع من قبلهم ، فلا يكون مبلغها ثابتاً ، ومن ثم تتوافر لهذه الغرامة ــ وتلك طبيعتها خصائص الغرامة النسبية التى يتضامن المسئولون عن الجريمة التى تستوجبها فى دفعها ــ فاعلين كانوا أو شركاء ــ فلا يحكم عليهم ــ مع تعددهم ــ إلا بغرامة واحدة يقيسها المشرع وفقاً للضوابط التى قدرها لتناسبها مع الفائدة التى حققها الجناة من جريمتهم ، أو التى قصدوا إلى بلوغها بارتكابها ، فلا تحصل الإدارة الجمركية إلا على مبلغها لا أكثر ولا أقل ، توكيداً لعينيتها التى لا ينافيها تقرير حد أدنى لها . وإذ كان لكل جريمة عقوبتها التى لا تنفصل عن الأفعال التى تكونها ، بل تمثل منها جزءاً لا يتجزأ . فإن الغرامة التى فرضتها المادة 117 من القانون الجمركى مناطها تلك المخالفة الجمركية التى إفترض المشرع أن الربان أو قائد الطائرة قد إرتكبها ، محدداً بذلك عقوبتها التى لا يجوز توقيعها إلا بتوافر أركان الجريمة التى تتصل بها ، وإثباتها بكل عناصرها ، فلا يحكم بها على من يكون غير مسئول جنائياً عنها ، ولو كان مسئولاً مدنياً عن ضررها . فإذا تعدد المسئولون عن المخالفة الجمركية ــ الذين وصفهم المشرع بالفاعلين والشركاء ــ كان تضامنهم فى الوفاء بعقوبتها ، لازماً . ولئن كان القانون الجمركى ، قد خول الإدارة الجمركية ذاتها توقيع الغرامة التى حددتها النصوص المطعون عليها ، إلا أن طبيعتها لا تتحدد إلا على ضوء خصائصها ، وليس بالنظر إلى الجهة التى إختصمها المشرع بفرضها . وإذا كان القانون الجمركى قد خول هذه الجهة الإدارية ــ التى عينها بالفقرة الأولى من المادة 119 ــ أن تفرض الغرامة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة 117 بمناسبة النقض غير المبرر فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها عما هو مدرج فى قائمة الشحن ، فذلك إستصحاباً للسياسة التشريعية التى إلتزمها عند العمل باللائحة الجمركية التى صدر بها أمر عال فى 2 من أبريل 1884 ، والتى لا يجوز التذرع بها لتحوير طبيعة الغرامة النسبية محل النزاع ، من خلال نفى الصفة الجنائية عنها . وفضلاً عن ذلك فإن المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون الجمركى ، صريحة فى نصها على أن النقص ، أو الزيادة غير المبررة ، سببان لإيقاع الغرامة التى نسبها المشرع إلى المكوس الجمركية المعرضة للضياع بدلاً من تحديدها بمبلغ معين ، وأنه تمشياً مع " مبدأ التدرج فى العقوبة " رؤى أن تزيد نسبتها فى حالة الزيادة غير المبررة عن حالة النقص غير المبرر .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
لكل جريمة ينشئها المشرع أركانها التى يجب أن تثبتها سلطة الإتهام من خلال تقديمها لأدلتها والإقناع بها بما يزيل كل شك معقول حولها ، ذلك أنها تعمد من خلال إتهامها لشخص بجريمة تدعيها . إلى خلق واقع جديد يناقض إفتراض البراءة باعتباره تعبيراً عن الفطرة التى جبل الإنسان عليها ، وصار متصلاً بها منذ ميلاده ، فلا تنقضها إرادة أيا كان وزنها . وإنما ينحيها حكم قضائى تعلق بجريمة بذاتها ، وغدا باتاً فى شأن نسبتها إلى فاعلها .
📌 المبدأ / الفقرة (10)
القرائن القانونية ــ حتى ما كان منها قاطعاً ــ هى التى يقيمها المشرع مقدماً ويعممها بعد أن يصوغها على ضوء ما يكون راجح الوقوع عملاً ، وكان المشرع بتقريره لها ، إنما يتوخى إعفاء الخصم من التدليل على واقعة بذاتها بعد أن أحل غيرها محلها ، وأقامها بديلاً عنها ، ليتحول الدليل إليها ، فإذا أثبتها الخصم ، إعتبر ذلك إثباتاً للواقعة الأصلية بحكم القانون . فلا تكون القرائن القانونية بذلك إلا إثباتاً غير مباشر ، مرتبط أصلاً بالمسائل المدنية ، فإن تعدتها إلى غيرها ، صار أمر دستوريتها محدداً على ضوء مساسها بالحرية الشخصية ، وإخلالها بمقوماتها .
📌 المبدأ / الفقرة (11)
إختصاص السلطة التشريعية بإقرار القواعد القانونية إبتداء ، أو تفويض السلطة التنفيذية فى إصدارها فى الحدود التى بينها الدستور ، لا يخول أيتهما العدوان على إختصاص عهد به الدستور إلى السلطة القضائية وقصره عليها ، وإلا كان هذا إفتئاتاً على ولايتها ، وتفويضاً لاستقلالها . ولا يجوز بالتالى أن يمتد إختصاص السلطة التشريعية فى مجال إنشاء الجرائم وتقرير عقوباتها ، إلى إحداثها لقرائن قانونية تنفصل عن واقعها ولا تربطها بالتالى ثمة علاقة منطقية بالنتائج التى رتبتها عليها ، لتحول بها بين السلطة القضائية ومباشرة مهامها فى نطاق الدعوى الجنائية التى إختصها بالفصل فيها.
📌 المبدأ / الفقرة (12)
أن الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها فى صلبه ، الحماية من جوانبها العملية لا من معطياتها النظرية ، وكان ذلك مؤداه أن الأغراض النهائية للقوانين الجنائية ينافيها على الأخص أن يدان المتهمون لغير جريرة ، أو عن طريق الإخلال بالموازين الدقيقة التى يتكافأ بها مركز سلطة الاتهام مع حقوق متهميها .
📌 المبدأ / الفقرة (13)
أن الدستور يكفل للحقوق التى نص عليها فى صلبه ، الحماية من جوانبها العملية لا من معطياتها النظرية ، وكان ذلك مؤداه أن الأغراض النهائية للقوانين الجنائية ينافيها على الأخص أن يدان المتهمون لغير جريرة ، أو عن طريق الإخلال بالموازين الدقيقة التى يتكافأ بها مركز سلطة الاتهام مع حقوق متهميها .
📌 المبدأ / الفقرة (14)
جريمة التهريب الجمركى من الجرائم العملية التى لا يجوز إفتراضها ، ولا تتوافر أركانها إلا بإرادة إرتكابها ، ولا تعتبر الشبهة التى تحيطها ويظن معها الوقوع فيها ، سلوكاً محدداً أتاه جان ، بل توهماً لا يقوم به دليل ، ولا تنهض به المسئولية الجنائية ، وكان المشرع قد أقام من مجرد وجود نقص فى عدد الطرود المفرغة أو محتوياتها ، قرينة على تهريبها لا يدفعها المتهمون عنهم إلا بتقديمهم ما ينقضها ، فلا يكون إخفاقهم فى نفيها ، إلا تقريراً لمسئوليتهم الجنائية بما يناقض إفتراض براءتهم ، ويحول دون إنتفاعهم بضمانة الدفاع التى تفترض لممارستها قيام إتهام محدد ضدهم ، معزز بالبراهين الجائز قبولها قانوناً ، وإخلالاً بالضوابط التى فرضها الدستور فى مجال محاكمتهم إنصافاً ، وتعدياً كذلك على الحدود التى فصل بها بين ولاية كل من السلطتين التشريعية والقضائية .