الطعن رقم 5 لسنة 18 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
1997-2-1
سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى:
دعوى دستورية " شرط المصلحة الشخصية "
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ استيلاء - تأقيت
⚖️ استيلاء - تشريع - القانون رقم 521 لسنة 1955 - غصب للاموال
⚖️ استيلاء - قوانين تأجير الاماكن - حرية التعاقد - مصلحة مشروعة
⚖️ الدولة القانونية - استيلاء
⚖️ تشريع - القانون رقم 521 لسنة 1955 - استيلاء
⚖️ تشريع - القانون رقم 521 لسنة 1955 - افتئات على الملكية
⚖️ تشريع - القانونان رقما 577 لسنة 1954 و 10 لسنة 1990 بشأن نزع الملكية - تأقيت الاستيلاء
⚖️ دستور - الدولة القانونية
⚖️ دعوى دستورية - المصلحة الشخصية المباشرة - مناطها
⚖️ الملكية الخاصة - حمايتها - وظيفتها الاجتماعية - استيلاء نهائى
⚖️ ملكية خاصة - تنظيم
⚖️ ملكية خاصة - توازن المصالح
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور نهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين أعضاء وحنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين وحمدى أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة . وحيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعية تمتلك الفيلا رقم 1 شارع عابد بالطالبية محافظة الجيزة، إلا أنها لظروف عائلية انتقلت منها إلى الإسكندرية لتقيم بها، بعد تأجيرها الفيلا إلى آخرين مكثوا فيها حتى 1952 . بيد أن منطقة الجيزة التعلمية فاجأتها بأن قراراً بالاستيلاء عليها قد صدر عن وزير التعليم، وأن أجرتها قد قدرت بمبلغ ستين جنيها شهريا، وذلك إعمالا لأحكام القانون النافذ أنئذ - وهو القانون رقم 76 لسنة 1947 - الذى يخول هذا الوزير سلطة الاستيلاء على أى عقار خال يكون لازما للوزارة أو للمعاهد التعليمية. بل إن الوزارة أنشات بعدئذ بعض المبانى على الأرض المحيطة بالفيلا، دون علمها وموافقتها مما حملها على أن تعرض على الوزارة نزع ملكيتها مع ملحقاتها، إلا أن الوزارة - وبعد قبولها لهذا العرض - لم تمض قدما فى تنفيذه، فأقامت ضدها دعواها رقم 9702 لسنة 1991 أمام محكمة الجيزة الابتدائية، طالبة فى صحيفتها الحكم أصليا باستحقاقها العقار، واحتياطيا تقدير قيمته تمهيدا لنقل ملكيته إلى الوزارة بمقدارها . وقد قضت محكمة أول درجة برفض دعواها، وأثناء نظر استئنافها عن هذا الحكم المقيد أمام محكمة استئناف القاهرة برقم 5953 لسنة 112 قضائية، دفعت بعدم دستورية أحكام القانون رقم 521 لسنة 1955 الصادر بتخويل وزارة التعليم سلطة الاستيلاء على أى عقار خال يكون لازما لاحتياجاتها أو لمعاهد التعليم . وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، فقد أقامت المدعية دعواها الدستورية الماثلة . وحيث إن المدعية تنعى على القانون المطعون فيه، الإخلال بالأحكام التى نظم بها الدستور الأساس الاقتصادى للدولة، وكذلك تلك التى كفل بها صون الملكية الخاصة، وأخضع الدولة على ضوئها للقانون - وهى المنصوص عليها فى المواد 4 و32 و34 65 من الدستور - وذلك تأسيسا على أوجه ثلاثة : أولها : أن الأصل فى سلطة الاستيلاء على العقار، أنها استثنائية ينبغى أن تتم فى أضيق الحدود، ولمواجهة ظروف ملحة لاتحتمل التأخير، وأن يكون مداها موقوتا بمدة محددة . فإذا استطال زمن الاستيلاء، وصار ممتدا دون قيد، انقلب عدوانا على الملكية الخاصة التى كفل الدستور صونها بعناصرها جميعا، ويندرج تحتها استعمال واستغلال المالك للشئ في كل الأغراض التى أعد لها، جنيا لثماره . بل أن أثر هذا النوع من الاستيلاء لايقتصر على تعطيل هذين العنصرين اللذين لايتصور بقاء حق الملكية كاملا بدونهما، بل يتعداه إلى إنهاء فرص التعامل في الأموال المستولى عليها بعد انحدار قيمتها، وهو مايعتبر عدوانا عليها، وإخلالا بحرية التعاقد التى يندرج مفهومها تحت الحرية الشخصية التى صانها الدستور، مرتقيا بها إلى مدارج الحقوق الطبيعية، ونكولا- فوق هذا - عن ضوابط الشرعية الدستورية التى يجب أن تلتزمها الدولة القانونية في أعمالها وتصرفاتها . ثانيهما : أن تجريد من يملكون من ملكيتهم، لايجوز إلا وفقا للأحكام التي نظمها قانون نزع الملكية . ولئن جاز الاستيلاء استثناء على أموال تراها وزارة التعليم لازمة لها أو لمعاهدها، إلا أن ابتلاع القاعدة من خلال مستثنياتها غير متصور، بل يتعين أن تفرض القاعدة العامة وجودها وألايفسرالاستثناء منها إلا فى أضيق الحدود . وكان ينبغى على وزارة التعليم أن تبادر من تلقاء نفسها إلى التخلى عن الفيلا المتنازع عليها والأرض التى تحيطها بعد تعذر اتفاقها مع أصحابها على قيمة يقبلونها للنزول عنها، أو أن تتخذ بمبادرة منها إجراءات نزع ملكيتها . ثالثها : أن النص فى قوانين إيجار الأماكن على اعتبار الأماكن المستولى عليها مؤجرة للجهات التى تقرر الاستيلاء لصالحها، يفيد بالضرورة أن يكون الاستيلاء عليها موقوتا بعد أن استثنتها هذه القوانين من الأحكام التي فرضتها فى شأن مقدار الأجرة وامتداد الإجارة امتدادا قانونيا بعد انتهاء مدتها . ولايتصور بعدئذ أن يكون الاستيلاء غير مقيد بزمن معين، ولا أن يخل بالتوازن المفترض فى شأن علائق إيجارية قوامها الإرادة، لاسيما وأن من غير الجائز أن تمتد القيود التى يفرضها المشرع على حق الملكية، إلى الدائرة التى اعتبرها الدستور مجالا حيويا لهذا الحق، وإلا كان إبطالها لازماً. وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يتحقق ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة التى تقوم عليها الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسائل الدستورية لازما للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع؛ وكان القانون المطعون عليه -رقم 521 لسنة 1955، قد تضمن مادتين فصلتا الأحكام الموضوعية التي انتظمها، تخول أولاها وزير التربية والتعليم أن يصدر قرارات بالاستيلاء على العقارات الخالية اللازمة لوزارة التعليم ومعاهدها، والجهات التى تعاونها في أداء رسالتها . وتنص ثانيتها على إلغاء القانون رقم 76 لسنة 1947 السابق عليه ؛ وكان الاستيلاء قد صار - وعملا بنص المادة الأولى من القانون اللاحق - ممتدا إلى غير حد، بعد أن كان موقوتا وفقا لنص المادة الثانية من القانون الملغى، فإن مصلحة المدعية تنحصر فى الطعن على المادة الأولى من القانون الجديد، دون غيرها من الأحكام التى تضمنها هذا القانون. وحيث إن التنظيم العام لسلطة الاستيلاء المؤقت على العقار، تقرر من خلال قانونين هما القانون رقم 577 لسنة 1954 والقانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع الملكية، وقد حدد أولهما مدة الاستيلاء بما لايجاوز سنين ثلاثا، يبدأ سريانها من تاريخ الاستيلاء الفعلى على العقار، على أن يعود بعد انتهائها إلى أصحابه بالحالة التى كان عليها عند الاستيلاء . ولايجوز مد هذه المدة إلا عند الضرورة، وباتفاق ذوى الشأن على المدة الزائدة، فإذا صار هذا الاتفاق متعذرا، تعين قبل انقضاء المدة الأصلية بوقت ملائم، أن تتخذ الجهة الإدارية الإجراءات التى يقتضيها نزع ملكية العقار . وقد اعتنق ثانيهما هذه القواعد ذاتها باستثناء أن مدة الاستيلاء تعتبر منتهية بانتهاء الاغراض التى توخاها، أو بمضى ثلاث سنين من تاريخ الاستيلاء الفعلى أيهما أقرب. وحيث إن ماتقدم مؤداه، أن هذا التنظيم العام لسلطة الاستيلاء على العقار - حتى مع قيام حالة الضرورة الملجئة التى تسوغ مباشرتها - يعارض استمرار آثارها إلى غير حد، ويجعل توقيتها شرطا جوهريا لازما لممارستها، فلايكون تراميها فى الزمان ملتئما مع طبيعتها، بل منافيا للأصل فيها، كافلا عملا نزع ملكية الأموال محلها بغير الوسائل التى رسمها القانون لهذا الغرض. بيد أن القانون المطعون فيه نقض هذا الأصل فى شأن العقارات التي تحتاجها وزارة التعليم ومعاهدها أو الجهات التى تعاونها فى أداء رسالتها، مخولا وزير التعليم سلطة الاستيلاء عليها دون تقيد بزمن معين، ومفصحا عن هذا الاتجاه من خلال إلغاء القانون السابق عليه - وهو القانون رقم 76 لسنة 1947 - الذى جعل مدة الاستيلاء غايتها سنة واحدة لايجوز تجديدها إلا بعد تجديد العمل بهذا القانون، وناعيا على هذا التحديد افتقاره إلى المرونة الكافية التى تقتضيها الضرورة العملية التى تسوغ الاستيلاء. وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القانون المطعون فيه قد صدر متضمنا تنظيما خاصا لسلطة الاستيلاء التى يباشرها وزير التعليم، فإن هذا التنظيم لايكون مُقَيدا بالإطار العام لهذه السلطة محددا على ضوء الأحكام التى أوردها فى شأنها القانونان رقما 577 لسنة 1954 و 10 لسنة 1990 على التوالى، ذلك أن كل تنظيم عام لايقيد القواعد القانونية التى تضمنها تنظيم خاص، ولايعتبر محددا لمجال تطبيقها أو معدلا لها، وإنما يقتصر أثره على تكملتها فيما لانص عليه فيها. وحيث إن ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة من أن القانون المطعون فيه يعيد تنظيم الملكية الخاصة فى إطار وظيفتها الاجتماعية، ودون إخلال بالضوابط التى فرضها الدستور فى شأنها، مردود أولا : بما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن الدولة القانونية - وفقا لنص المادتين 64 و 65 من الدستور - هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها بقواعد قانونية تعلو عليها، وتكون ضابطا لأعمالها وتصرفاتها بأشكالها المختلفة ؛ وكان خضوعها للقانون على هذا النحو، يقتضيها ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها منتهيا إلى نزع ملكيتها جبراعن أصحابها، وهو يكون كذلك إذا كان ممتدا إلى غير حد، معطلا حقهم في الحصول على التعويض كاملا عنها بقدر قيمتها، ومؤديا عملا إلى تقويض دعائمها، فلايكون انتفاعهم بها ممكنا، وكان الاستيلاء لايعتبر بديلا عن نزع الملكية، ولا موازيا لتجريد أصحابها منها، أو معادلاً فى أثره لزوالها عنهم، إلا إذا استطال زمنا ينفلت به عن حدود الدائرة التى كان ينبغى أن يعمل فيها، فإن التقيد بنطاقها يكون - من الناحية الدستورية - لازما. ومردود ثانيا : بأن الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة فى إطار وظيفتها الاجتماعية، تفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها جوهر بنيانها، وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها، وينحدر بالحماية المقررة لها إلى مادون مستوياتها الموضوعية ؛ وكان الاستيلاء نهائيا على أموال بذواتها لايصون حرمتها، ولوظل سند ملكيتها بيد أصحابها ؛ وكان القانون المطعون فيه قد أطلق زمن الاستيلاء من كل قيد، وصار بالتالى ممتدا دون حد، مالم تقرر الجهة الإدارية بنفسها رد الأموال المستولى عليها لأصحابها ؛ وكان صون الملكية الخاصة وإعاقتها لايجتمعان، فإن هدم بنيانها من خلال قيود ترهقها مع استمرارها دون مبرر، يكون افتئاتا عليها، منافيا للحق فيها. وحيث إن ماتنص عليه قوانين إيجار الأماكن على تعاقبها - بدءا بالقانون رقم 121 لسنة 1947 وانتهاء بالقانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر - من أن الأماكن الصادرة فى شأنها قرارات استيلاء تعتبر مؤجرة إلى الجهات التي تم الاستيلاء لصالحها، مؤداه أن يقوم قرار الاستيلاء مقام عقد الإيجار خلافا للأصل فى القوانين الاستثنائية لإيجار الأماكن التى يقتصر مجال سريانها على العلائق الإيجارية التى أنشأتها إرادة أطرافها، وبافتراض صحتها إلى حين انتهاء مدتها قانونا ؛ وكان هذا الاستيلاء، وإن توخى أصلا تحقيق أغراض تقتضيها الضرورة، كاستيلاء وزارة التعليم على الدور اللازمة للمدارس، إلا أن هذه الضرورة ينبغى أن تقدر بقدرها، فلايكون الاستيلاء إلا مقيدا زمنا، ومقابل تعويض عادل، وبشرط أن تُرد الأموال المستولى عليها إلى أصحابها - خالية مما يثقلها - بعد انتهاء مدة محددة يكون زمنها مرتبطا باعتدالها، فلا يقوم قرار الاستيلاء على أموال بذاتها صحيحا إذا ظل نفاذه متراخيا دون ضابط، أو صدر مقيدا بزمن محدود، ولكن دون ماضرورة تقتضيه، بل كان انحيازا من الجهة الإدارية لعسفها، أو خيارا غير مبرر من جانبها . ذلك أن حرية التعاقد هى الأصل فى العقود جميعها، فلاتنشئها إلا الإرادة الواعية، وهى كذلك تقضيها، ولايتصور أن تخلى هذه الحرية مكانها لإجراء ينال منها أو يقوضها، مالم يكن كافلا لمصلحة مشروعة تربو عليها . وحيث إن نزع ملكية بعض الأموال، وإن كان يفترض تعطيل وظائفها بإخراجها من حوزة أصحابها ؛ وكان من المقرر أنه لايجوز لجهة الإدارة أن تعيد تنظيم نطاق المصالح التى يحميها حق الملكية إلا وفقا للأحكام المنصوص عليها فى الدستور، ولا أن تنال دون مقتض من هذا الحق من خلال سلطاتها البوليسية ؛ وكان ثابتا كذلك أن الملكية فى ذاتها لايجوز أن يؤول أمرها إلى زوال تبعا لثقل القيود التى تفرض عليها، وتتابعها وامتدادها زمنا، فلايبقى من منافعها شيئا ذا قيمة، فقد غدا لازما توكيد أن الملكية وإن كان يجوز تنظيمها، إلا أن هذه السلطة التنظيمية << لايجوز أن تجاوز بمداها الحدود اللازمة لضبطها، وإلا اعتبر إطلاقها من عقالها، وتجردها من كوابحها، أخذا للملكية من أصحابها >>. ولئن كان هذا المعيار العام مرنا لايتضمن حصرا لصورتطبيقه، إلا أن من البدهى أن مايعتبر اقتحاما ماديا ودائما للملكية، لايخرج عن أن يكون اعتصارا لمحتواها . وكذلك الأمر كلما كان التنظيم التشريعي لحق الملكية حائلا دون استعمالها اقتصاديا فى الأغراض المقصودة منها، أو معطلا كل خيار لأصحابها فى توجيهها إنتاجيا وفق ما يقدرون أكفل لمصالحهم . ولايجوز أن يقال عندئذ بأن للدولة مصلحة مشروعة فى هذا التنظيم، من خلال ترتيبها لأوضاع تتصل بتطوير مجتمعها،واستثارة ملامحها الإيجابية، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد الدستور، إذ هى مدخلها وقاعدة بنيانها، ولايتصور أن تقوم المصلحة على خلافها، وما الملكية إلا المزايا التى تنتجها وتتصل بها، فإذا انقض المشرع عليها، كان ذلك تجريدا لأصحابها منها. وحيث إن البين من النصوص التى تضمنها القانون المطعون فيه، أن الاستيلاء وفقا للأحكام التى تضمنتها مادته الأولى، ليس موقوتا، بل متراخيا إلى غير حد، وموكولا انتهاؤه إلى السلطة التقديرية لوزير التعليم، فلايبقى من الأموال التى يرد عليها شئ من منافعها، بل تخرج بتمامها من السلطة الفعلية لأصحابها، مع حرمانهم من كل فائدة اقتصادية يمكن أن تعود عليهم منها، وبما يعطل وظائفها عملا . وهو مايعدل - فى الآثار التى يرتبها - نزع الملكية من أصحابها دون تعويض، وفى غير الأحوال التى نص عليها القانون، وبعيدا عن القواعد الإجرائية التى رسمها، بما يعتبر غصبا لها يحيل أصلها عدما . بل إن اغتيالها على هذا النحو يمثل أسوأ صور العدوان عليها، لاتخاذه الشرعية ثوبا وإطارا، وانحرافه عنها قصدا ومعنى، فلاتكون الملكية التى كفل الدستور صونها إلا سرابا أو وهما . وحيث إنه على ضوء ما تقدم، يكون نص المادة الأولى من القانون المطعون فيه مخالفا لأحكام المواد 32 و 34 و 64 و 65 من الدستور. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة الأولى من القانون رقم 521 لسنة 1955 بتخويل وزير التعليم سلطة الاستيلاء على العقارات اللازمة للوزارة ومعاهد التعليم، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة الأولى من القانون رقم 521 لسنة 1955 بتخويل وزير التعليم سلطة الإستيلاء على العقارات اللازمة للوزارة ومعاهد التعليم.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
المصلحة الشخصية المباشرة ــ وهو شرط لقبول الدعوى الدستورية ــ مناطها أن يتحقق ثمة إرتباط بينها وبين المصلحة التى يقوم بها النزاع الموضوعى ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع ، وكان القانون المطعون عليه ــ رقم 521 لسنة 1955 ــ قد تضمن مادتين فصلتا الأحكام الموضوعية التى إنتظمها ، تخول أولاهما وزير التربية والتعليم أن يصدر قرارات بالإستيلاء على العقارات الخالية اللازمة لوزارة التعليم وعاهدها ، والجهات التى تعاونها فى أداء رسالتها . وتنص ثانيتهما على إلغاء القانون رقم 76 لسنة 1947 السابق عليه ، وكان الإستيلاء قد صار ــ وعملاً بنص المادة الأولى من القانون اللاحق ــ ممتداً إلى غير حد ، بعد أن كان موقوفاً وفقاً لنص المادة الثانية من القانون الملغى ، فإن مصلحة المدعية تنحصر فى الطعن على المادة الأولى من القانون الجديد ، دون غيرها من الأحكام التى تضمنها هذا القانون .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
التنظيم العام لسلطة الاستيلاء المؤقت على العقار ، تقرر من خلال قانونين هما القانون رقم 577 لسنة 1954 والقانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع الملكية ، وقد حدد أولهما مدة الاستيلاء بما لا يجاوز سنين ثلاثاً ، يبدأ سريانها من تاريخ الاستيلاء الفعلى على العقار على أن يعود إلى أصحابه بالحالة التى كان عليها عند الاستيلاء . ولا يجوز مد هذه المدة إلا عند الضرورة ، وبإتفاق ذوى الشأن على المدة الزائدة ، فإذا صار هذا الإتفاق متعذراً ، تعين قبل إنقضاء المدة الأصلية بوقت ملائم ، أن تتخذ الجهة الإدارية الإجراءات التى يقتضيها نزع ملكية العقار . وقد إعتنق ثانيهما هذه القواعد ذاتها باستثناء أن مدة الاستيلاء تعتبر منتهية بإنتهاء الأغراض التى توخاها ، أو بمضى ثلاث سنين من تاريخ الاستيلاء الفعلى أيهما أقرب . وحيث إن ما تقدم مؤداه ، أن هذا التنظيم العام لسلطة الاستيلاء على العقار ــ حتى مع قيام حالة الضرورة الملجئة التى تسوغ مباشرتها ــ يعارض إستمرار آثارها إلى غير حد ، ويجعل توقيتها شرطاً جوهرياً لازماً لممارستها ، فلا يكون تراميها فى الزمان ملتئماً مع طبيعتها ، بل منافياً للأصل فيها ، كافلاً عملاً نزع ملكية الأموال محلها بغير الوسائل التى رسمها القانون لهذا الغرض .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
القانون المطعون فيه نقض هذا الأصل فى شأن العقارات التى تحتاجها وزارة التعليم ومعاهدها أو الجهات التى تعاونها فى أداء رسالتها ، مخولاً وزير التعليم سلطة الاستيلاء عليها دون تقيد بزمن معين ، ومفصحاً عن هذا الاتجاه من خلال إلغاء القانون السابق عليه ــ وهو القانون رقم 76 لسنة 1947 ــ الذى جعل مدة الاستيلاء غايتها سنة واحدة لا يجوز تجديدها إلا بعد تجديد العمل بهذا القانون ، وناعياً على هذا التحديد إفتقاره إلى المرونة الكافية التى تقتضيها الضرورة العملية التى تسوغ الاستيلاء . متى كان ذلك ، وكان القانون المطعون فيه قد صدر متضمناً تنظيماً خاصاً لسلطة الاستيلاء التى يباشرها وزير التعليم ، فإن هذا التنظيم لا يكون مقيداً بالإطار العام لهذه السلطة محدداً على ضوء الأحكام التى أوردها فى شأنها القانونان رقما 577 لسنة 1954 و 10 لسنة 1990 على التوالى ، ذلك أن كل تنظيم عام لا يقيد القواعد القانونية التى تضمنها تنظيم خاص ، ولا يعتبر محدداً لمجال تطبيقها أو معدلاً لها ، وإنما يقتصر أثره على تكملتها فيما لا نص عليه فيها .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن الدولة القانونية ــ وفقاً لنص المادتين 64 و 65 من الدستور ــ هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها بقواعد قانونية تعلو عليها ، وتكون ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها بأشكالها المختلفة ، وكان خضوعها للقانون على هذا النحو ، يقتضيها ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها منتهياً إلى نزع ملكيتها جبراً عن أصحابها ، وهو يكون كذلك إذا كان ممتداً إلى غير حد ، معطلاً حقهم فى الحصول على التعويض كاملاً عنها بقدر قيمتها ومؤدياً عملاً إلى تفويض دعائمها ، فلا يكون إنتفاعهم بها ممكناً ، وكان الاستيلاء لا يعتبر بديلاً عن نزع الملكية ، ولا موازياً لتجريد أصحابها منها ، أو معادلاً فى اثره لزوالها عنهم ، إلا إذا إستطال زمناً ينفلت به عن حدود الدائرة التى كان ينبغى أن يعمل فيها ، فإن التقيد بنطاقها يكون ــ من الناحية الدستورية ــ لازماً .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن الدولة القانونية ــ وفقاً لنص المادتين 64 و 65 من الدستور ــ هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها بقواعد قانونية تعلو عليها ، وتكون ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها بأشكالها المختلفة ، وكان خضوعها للقانون على هذا النحو ، يقتضيها ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها منتهياً إلى نزع ملكيتها جبراً عن أصحابها ، وهو يكون كذلك إذا كان ممتداً إلى غير حد ، معطلاً حقهم فى الحصول على التعويض كاملاً عنها بقدر قيمتها ومؤدياً عملاً إلى تفويض دعائمها ، فلا يكون إنتفاعهم بها ممكناً ، وكان الاستيلاء لا يعتبر بديلاً عن نزع الملكية ، ولا موازياً لتجريد أصحابها منها ، أو معادلاً فى اثره لزوالها عنهم ، إلا إذا إستطال زمناً ينفلت به عن حدود الدائرة التى كان ينبغى أن يعمل فيها ، فإن التقيد بنطاقها يكون ــ من الناحية الدستورية ــ لازماً .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن الدولة القانونية ــ وفقاً لنص المادتين 64 و 65 من الدستور ــ هى التى تتقيد فى كافة مظاهر نشاطها بقواعد قانونية تعلو عليها ، وتكون ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها بأشكالها المختلفة ، وكان خضوعها للقانون على هذا النحو ، يقتضيها ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها منتهياً إلى نزع ملكيتها جبراً عن أصحابها ، وهو يكون كذلك إذا كان ممتداً إلى غير حد ، معطلاً حقهم فى الحصول على التعويض كاملاً عنها بقدر قيمتها ومؤدياً عملاً إلى تفويض دعائمها ، فلا يكون إنتفاعهم بها ممكناً ، وكان الاستيلاء لا يعتبر بديلاً عن نزع الملكية ، ولا موازياً لتجريد أصحابها منها ، أو معادلاً فى اثره لزوالها عنهم ، إلا إذا إستطال زمناً ينفلت به عن حدود الدائرة التى كان ينبغى أن يعمل فيها ، فإن التقيد بنطاقها يكون ــ من الناحية الدستورية ــ لازماً .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة فى إطار وظيفتها الاجتماعية ، تفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها جوهر بنيانها ، وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها ، وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما دون مستوياتها الموضوعية ، وكان الاستيلاء نهائياً على أموال بذواتها لا يصون حرمتها ، ولو ظل سند ملكيتها بيد أصحابها ، وكان القانون المطعون فيه قد أطلق زمن الاستيلاء من كل قيد ، وصار بالتالى ممتداً دون حد ، ما لم تقرر الجهة الإدارية بنفسها رد الأموال المستولى عليها لأصحابها ، وكان صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان ، فإن هدم بنيانها من خلال قيود ترهقها مع إستمرارها دون مبرر ، يكون إفتئاتاً عليها ، منافياً للحق فيها .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة فى إطار وظيفتها الاجتماعية ، تفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها جوهر بنيانها ، وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها ، وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما دون مستوياتها الموضوعية ، وكان الاستيلاء نهائياً على أموال بذواتها لا يصون حرمتها ، ولو ظل سند ملكيتها بيد أصحابها ، وكان القانون المطعون فيه قد أطلق زمن الاستيلاء من كل قيد ، وصار بالتالى ممتداً دون حد ، ما لم تقرر الجهة الإدارية بنفسها رد الأموال المستولى عليها لأصحابها ، وكان صون الملكية الخاصة وإعاقتها لا يجتمعان ، فإن هدم بنيانها من خلال قيود ترهقها مع إستمرارها دون مبرر ، يكون إفتئاتاً عليها ، منافياً للحق فيها .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
ما تنص عليه قوانين إيجار الأماكن على تعاقبها ــ بدءاً بالقانون رقم 121 لسنة 1947 وإنتهاء بالقانون رقم 49 لسنة 1977 فى شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر ــ من أن الأماكن الصادرة فى شأنها قرارات إستيلاء تعتبر مؤجرة إلى الجهات التى تم الاستيلاء لصالحها ، مؤداه أن يقوم قرار الاستيلاء مقام عقد الإيجار خلافاً للأصل فى القوانين الاستثنائية لإيجار الأماكن التى يقتصر مجال سريانها على العلائق الإيجارية التى أنشأتها إرادة أطرافها ، وبافتراض صحتها إلى حين إنتهاء مدتها قانوناً ، وكان هذا الإستيلاء ، وإن توخى أصلاً تحقيق أغراض تقتضيها الضرورة ، كاستيلاء وزارة التعليم على الدور اللازمة للمدارس ، إلا أن هذه الضرورة ينبغى أن تقدر بقدرها ، فلا يكون الاستيلاء إلا مقيداً زمناً ، ومقابل تعويض عادل ، وبشرط أن ترد الأموال المستولى عليها إلى أصحابها ــ خالية مما يثقلها ــ بعد إنتهاء مدة محددة يكون زمنها مرتبطاً باعتدالها ، فلا يقوم قرار الاستيلاء على أموال بذاتها صحيحاً إذ ظل نفاذه متراخياً دون ضابط ، أو صدر مقيداً بزمن محدود ، ولكن دون ما ضرورة تقتضيه ، بل كان إنحياز من الجهة الإدارية لعسفها ، أو خياراً غير مبرر من جانبها . ذلك أن حرية التعاقد هى الأصل فى العقود جميعاً ، فلا تنشئها إلا الإرادة الواعية ، وهى كذلك تقضيها ، ولا يتصور أن تخلى هذه الحرية مكانها لإجراء ينال منها أو يقوضها ، ما لم يكن كافلاً لمصلحة مشروعة تربو عليها .
📌 المبدأ / الفقرة (10)
نزع ملكية بعض الأموال ، وإن كان يفترض تعطيل وظائفها بإخراجها من حوزة أصحابها ، وكان من المقرر أنه لا يجوز لجهة الإدارة أن تعيد تنظيم نطاق المصالح التى يحميها حق الملكية إلا وفقاً للأحكام المنصوص عليها فى الدستور ، ولا أن تنال دون مقتض من هذا الحق من خلال سلطاتها البوليسية ، وكان ثابتاً كذلك أن الملكية فى ذاتها لا يجوز أن يؤول أمرها إلى زوال تبعاً لثقل القيود التى تفرض عليها ، وتتابعها وإمتدادها زمناً ، فلا يبقى من منافعها شيئاً ذا قيمة ، فقد غدا لازماً توكيد أن الملكية وإن كان يجوز تنظيمها ، إلا أن هذه السلطة التنظيمية " لا يجوز أن تجاوز بمداها الحدود اللازمة لضبطها ، وإلا إعتبر إطلاقها من عقالها ، وتجردها من كوابحها ، أخذاً للملكية من أصحابها " . ولئن كان هذا المعيار العام مرناً لا يتضمن حصراً لصور تطبيقه ، إلا أن من البدهى أن ما يعتبر إقتحاماً مادياً ودائماً للملكية ، لا يخرج عن أن يكون إعتصاراً لمحتواها . وكذلك الأمر كلما كان التنظيم التشريعى لحق الملكية حائلاً دون إستعمالها إقتصادياً فى الأغراض المقصودة منها ، أو معطلاً كل خيار لأصحابها فى توجيهها إنتاجياً وفق ما يقدرون أكفل لمصالحهم . ولا يجوز أن يقال عندئذ بأن للدولة مصلحة مشروعة فى هذا التنظيم ، من خلال ترتيبها لأوضاع تتصل بتطوير مجتمعها ، وإستثارة ملامحها الإيجابية ، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد الدستور ، إذ هى مدخلها وقاعدة بنيانها ، ولا يتصور أن تقوم المصلحة على خلافها ، وما الملكية إلا المزايا التى تنتجها وتتصل بها ، فإذا إنقض المشرع عليها ، كان ذلك تجريداً لأصحابها منها .
📌 المبدأ / الفقرة (11)
البين من النصوص التى تضمنها القانون المطعون فيه ، أن الاستيلاء وفقاً للأحكام التى تضمنتها مادته الأولى ، ليس موقوتاً ، بل متراخياً إلى غير حد ، وموكولاً إنتهاؤه إلى السلطة التقديرية لوزير التعليم ، فلا يبقى من الأموال التى يرد عليها شئ من منافعها ، بل تخرج بتمامها من السلطة الفعلية لأصحابها ، مع حرمانهم من كل فائدة إقتصادية يمكن أن تعود عليهم منها ، وبما يعطل وظائفها عملاً . وهو ما يعدل ــ فى الآثار التى يرتبها ــ نزع الملكية من أصحابها دون تعويض ، وفى غير الأحوال التى نص عليها القانون ، وبعيداً عن القواعد الإجرائية التى رسمها ، بما يعتبر غصباً لها يحيل اصلها عدماً . بل إن إغتيالها على هذا النحو يمثل أسوأ صور العدوان عليها ، لاتخاذه الشرعية ثوباً وإطاراً ، وإنحرافه عنها قصداً ومعنى ، فلا تكون الملكية التى كفل الدستور صونها إلى سراباً أو وهماً .