⚖️ إشراف وبناء قاعدة البيانات: أ / محمد عاطف محمد (محامٍ ومطور برمجيات)
شعار الموسوعة
موسوعة الأحكام القضائية المصرية
محكمة النقض • الدستورية العليا • مجلس الدولة
الرجوع إلى صفحة البحث الرئيسية

الطعن رقم 38 لسنة 16 قضائية

المحكمة الدستورية العليا 1996-11-16 سنة المكتب الفني: 8
ملخص / وقائع الدعوى: سلطة قضائية " استقلالها وحيدتها "

المبادئ القانونية المستخلصة

⚖️ تشريع - اسلوبه
⚖️ تشريع - نص الفقرة الرابعة من المادة 148 من قانون المرافعات
⚖️ تشريع - نص الفقرة الرابعة من المادة 148 من قانون المرافعات - حيدة القاضى
⚖️ تشريع - نص الفقرة الرابعة من المادة 148 من قانون المرافعات -خصومة الرد
⚖️ تشريع - نص الفقرة الرابعة من المادة 148 من قانون المرافعات - رد القضاة
⚖️ تشريع - نص الفقرة الرابعة من المادة 148 من قانون المرافعات المدنية والتجارية - ضوابط
⚖️ تشريع - نصوص رد القضاة - موازنة
⚖️ تنظيم الحقوق - سلطة تقديرية - حق التقاضى
⚖️ تنظيم الحقوق - سلطة تقديرية - قيودها
⚖️ حق التقاضى - تنظيمه
⚖️ خصومة الرد - الخصومة الاصلية - استقلالهما - الربط بينهما - سياسة تشريعية
⚖️ دستور - حق التقاضى - رد القاضى
⚖️ دستور - سلطة قضائية - استقلالها
⚖️ سلطة قضائية - استقلالها - حيدتها
⚖️ سلطة قضائية - استقلالها وحيدتها - تضاممهما
⚖️ سلطة قضائية - حيدتها
⚖️ سلطة قضائية - ضمانة التجرد

نص وأسباب ومنطوق الحكم

🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف أعضاء وحنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين وحمد أنور صابر أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة . حيث إن الوقائع -على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل فى أن المدعية كانت قد أقامت الدعوى رقم 90 لسنة 1992 شرعى جزئى المنتزه بالإسكندرية بطلب الحكم بالمصروفات الدراسية التى كانت قد أنفقتها على صغيرها من المدعى عليه، فأجابتها المحكمة إلى طلبها، إلا أن حكمها قضى بإلغائه عند الطعن عليه استئنافيا . كذلك كانت المدعية قد أقامت الدعوى رقم 114 لسنة 1992 شرعى جزئى المنتزه بالإسكندرية بطلب إلزام المدعى عليه - والد صغيرها - بمصروفات علاجه، فأجابتها المحكمة إلى طلبها، إلا أن حكمها ألغى بدوره بعد الطعن عليه استئنافيا، مما حملها على تقديم شكوى للتفتيش القضائى بوزارة العدل. وإذ أقامت دعواها الثالثة رقم 91 لسنة 1992 أمام محكمة المنتزة الجزئية للأحوال الشخصية بطلب 480 جنيها قيمة إجراء مناظير طبية لصغيرها، وكان قد قضى لها بهذا المبلغ، إلا أن المدعى عليه طعن كذلك فى هذا الحكم استئنافيا أمام ذات الهيئة الاستئنافية التى سبق أن ألغت الحكمين السابقين الصادرين لصالحها، ومن ثم قامت بردها بكامل أعضائها. وأثناء نظر طلب الرد دفع محاميها بعدم دستورية الفقرة 4 من المادة 148 من قانون المرافعات وكذلك الفقرة الثانية من المادة 157 من هذا القانون. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت برفع الدعوى الدستورية، فقد أقامت الدعوى الماثلة . وحيث إن تنظيم المشرع لأحوال رد القضاة -وعلى ماجاء بالمذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 23 لسنة 1992 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات- قد توخى توكيد قاعدة أصولية قوامها أن كل متقاض يجب أن يطمئن لأن قضاء قاضيه لايصدر إلا عن الحق وحده، دون تأثير من دخائل النفس البشرية فى هواها وتحيزها؛ وكانت ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها، تتعلقان بإدارة العدالة ضمانا لفعاليتها، بما مؤداه بالضرورة تلازمهما، فلا ينفصلان. ومن غير المتصور بالتالى أن يكون الدستور نائيا بالسلطة القضائية عن أن تقوض بنيانها عوامل خارجية تؤثر فى رسالتها، وأن يكون إيصالها الحقوق لذويها مهددا بالتواء ينال من حيدة وتجرد رجالها . وإذا جاز القول -وهو صحيح- بأن الفصل فى الخصومة القضائية -حقا وعدلا- لايستقيم إذا داخلتها عوامل تؤثر فى موضوعية القرار الصادر عنها، أيا كانت طبيعتها، وبغض النظر عن مصدرها أو دوافعها أو أشكالها، فقد صار أمرا مقضيا أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها فى مجال اتصالهما بالفصل فى الحقوق انتصافا، ترجيحا لحقيقتها القانونية، لتكون لهما معا القيمة الدستورية ذاتها، فلا تعلو إحداها على أخراها أو تجبها، بل يتضاممان تكاملاً، ويتكافآن قدراً. وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن استقلال السلطة القضائية، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التى يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم أو حرياتهم، إلا أن حيدتها عنصر فاعل فى صون رسالتها لايقل شأناً عن استقلالها، بما يؤكد تكاملهما. ولئن كان بعض الفقهاء يولون عنايتهم لاستقلال السلطة القضائية، ولايعرضون لحيدتها إلا بصورة جانبية، ويمزجون بينهما أحيانا، إلا أن التمييز بين مفهوم استقلال السلطة القضائية وحيدتها، يتعين أن يكون فاصلا بين معنيين لايتداخلان . ذلك أن استقلال السلطة القضائية، يعنى أن تعمل بعيدا عن أشكال التأثير الخارجى التى توهن عزائم رجالها، فيميلون معها عن الحق إغواء أو إرغاماً، ترغيباً أو ترهيباً. فإذا كان انصرافهم عن إنفاذ الحق، تحاملا من جانبهم على أحد الخصوم، وانحيازاً لغيره، لمصالح ذاتية أو لغيرها من العوامل الداخلية التى تثير غرائز ممالأة فريق دون آخر، كان ذلك منهم تغليبا لأهواء النفس، منافيا لضمانة التجرد عند الفصل فى الخصومة القضائية، مما يخل بحيادهم. وقد كفل الدستور استقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة، فى المادتين 165 و166، توقياً لأى تأثير محتمل قد يميل بالقاضى انحرافاً عن ميزان الحق، إلا أن الدستور نص كذلك على أنه لاسلطان على القضاة فى قضائهم لغير القانون . وهذا المبدأ الأخير لايحمى فقط استقلال القاضى، بل يحول كذلك دون أن يكون العمل القضائى وليد نزعة شخصية غير متجردة، ومن ثم تكون حيدة القاضى شرطاً لازماً دستورياً لضمان ألا يخضع فى عمله لغير سلطان القانون. وحيث إن الحق فى رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد، وثيق الصلة بحق التقاضى المنصوص عليه فى المادة 68 من الدستور، ذلك أن مجرد النفاذ إلى القضاء لايعتبر كافياً لصون الحقوق التى تستمد وجودها من النصوص القانونية، بل يتعين دوماً أن يقترن هذا النفاذ، بإزالة العوائق التى تحول دون تسوية الأوضاع الناشئة من العدوان عليها، وبوجه خاص مايتخذ منها صورة الأشكال الإجرائية المعقدة، كى توفر الدولة للخصومة فى نهاية مطافها حلاً منصفاً يقوم على حيدة المحكمة واستقلالها، ويعكس بمضمونه التسوية التى يعمد الخصم إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التى يطلبها . وحيث إن المشرع تدخل بالنصوص التى نظم بها رد القضاة، ليوازن بين أمرين أولهما: ألا يفصل فى الدعوى - وأيا كان موضوعها - قضاة داخلتهم شبهة تقوم بها مظنة ممالأة أحد أطرافها، والتأثير بالتالى فى حيدتهم، فلا يكون عملهم انصرافا لتطبيق حكم القانون فى شأنها، بل تحريفا لمحتواه . ومن ثم أجاز المشرع ردهم وفق أسباب حددها، ليحول دونهم وموالاة نظر الدعوى التى قام سبب ردهم بمناسبتها . ثانيهما : ألا يكون رد القضاة مدخلا إلى التشهير بهم دون حق، وإيذاء مشاعرهم إعناتا، أو التهوين من قدرهم عدوانا، أو لمنعهم من نظر قضايا بذواتها توقيا للفصل فيها كيدا ولدداً. وكان ضروريا بالتالى، أن يكفل المشرع - فى إطار التوفيق بين هذين الاعتبارين، وبما يوازن بينهما - تنظيما لحق الرد لايجاوز الحدود التى ينبغى أن يباشر فى نطاقها، ولايكون موطئا إلى تعطيل الفصل فى النزاع الأصلى . وحيث إن المدعية تنعى على الفقرة 4 من المادة 148 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التى تقضى بجواز رد القاضى إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو موده يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل، غموضها وخفاء معناها وتعلقها بمشاعر تكمن فى الصدور، ويتعذر إثباتها. وحيث إن هذا النعى مردود أولا: بأن العوامل النفسية يستحيل ضبطها بنصوص جامدة، ولاتعريفها بفواصل قاطعة تجليها، بل يتعين أن يكون زمام تطبيقها -عند تحقق مظاهرها- مرنا، فلايكون اقتضابها قاصرا عن أن يحيط بها، ولا اتساعها مفرطا فى مجاوزة نطاقها. ولئن صح القول بأن المشرع قد يلجأ أحيانا إلى قواعد جامدة تقرر لبعض المسائل حلا واحدا لايتغير، كتلك التى تتعلق بالغبن فى بيع عقار لقاصر، أو بجزاء العدول عن العربون أو بفوائد التأخير، إلا أن جمود هذه القواعد ينبغى أن يكون مقصورا على أحوال يقتضيها استقرار التعامل، فلايجوز مد تطبيقها إلى أوضاع يستعصى تطبيقها على التحديد القاطع لظروفها وملابساتها، بل يتعين أن يكون البديل عنها معايير مرنة، ولو كان تطبيقها كاشفا عن عناصر نفسية، كتلك التى تضمنها التقنين المدنى بالنسبة إلى الإكراه والاستغلال، وكذلك فيما يعتبر غلطا جوهريا أو تدليسا جسيما أو باعثا دافعا إلى التعاقد، إذ يقوم تنظيمها جميعا على معايير مرنة تتغاير تطبيقاتها من حالة إلى أخرى. ومردود ثانيا: بأن ماقصد إليه النص المطعون فيه، هو أن يوفر لرد القضاة سببا يقوم على معيار عام يتسع لعديد من الصور التى يتعذر حصرها، وإن كان جامعها قيام مشاعر شخصية بين قاض وأحد الخصوم يرجح معها ألا يكون قضاؤه بغير ميل مستطاعا - إيجابيا كان هذا الميل أم سلبيا - فلايستقيم ميزان الحق مع وجوده . واحترازا لهذا الاحتمال، ونأيا بالعمل القضائى عن أن يكون محاطاً بالشبهات التى لايطمئن معها إلى تجرده، صاغ المشرع النص المطعون فيه . ومردود ثالثا: بأن النص المطعون فيه يقوم على ضوابط محددة لاتنفلت بها متطلبات تطبيقه، ذلك أن المودة والعداوة وإن كانتا من العناصر النفسية الغائرة فى الأعماق، إلا أن الدليل عليها لايقوم إلا من مظاهرخارجية تشى بها أو تفصح عنها، ليكون إثباتها دائرا مع هذه المظاهر وجودا وعدما . وليس لازماً بالتالى أن يكون هذا الدليل مباشراً جازماً لايقبل تأويلا، بل يكفى أن ترشح قرائن الحال لوجودها، وأن يكون تضافرها مؤديا إليها . ومردود رابعا: بأن العداوة والمودة اللتين تضمنهما النص المطعون فيه، لا تفتقران إلى التحديد، بل هما معنيان ترددا فى النصوص القرآنية ذاتها التى ضبطها الله تعالى بالغا بها حد الإعجاز. ومردود خامسا: بأن للنص المطعون فيه -فوق هذا- نظائر فى القوانين المعمول بها فى الدول العربية ليمثل اتجاها عاماً سائدا فيها، بل هو فى مجال التطبيق فى مصر أكثر يسرا من بعضها، إذ ليس لازماً لقيام المودة بين قاض وأحد الخصوم فى الدعوى التى يتولى نظرها، أن تدل القرائن على متانتها ووثاقتها، ولا أن تكون العداوة قد بلغت عمقا يؤكد شدتها وجموحها، بل يكفى لتحقق أيتهما أن تكون شخصية تتصل بذات القاضى وأن يكون من أثرها أن يميل عن ميزان الحق، ولولم تصل العداوة إلى حد الخصومة، ولا المودة إلى حد مؤاكلة أحد الخصوم أو السكنى معه أو قبول هدايا منه قبل رفع الدعوى أو بعدها، بل ولو كان باعثها ومحركها منفصلا عن علاقة زوجية أو قرابة أو مصاهرة . والنص المطعون فيه يعتبر بذلك، منشئا سببا عاماً للرد، منصرفا إلى كل الأحوال التى تثور فيها شبهة لها أساسها حول نوع من المشاعر الشخصية تقوم بالقاضى ، ولايرجح معها الحكم فى الدعوى التى يراد رده عنها بغير ميل يكون عاصفا بالحق، أو مؤثرا فى مجراه . ومن ثم لايقيد هذا النص من صور الرد، بل يتعقبها فى أغلب مظانها، ويكاد أن يحيط بها ويستغرقها . ومردود سادسا: بأن النصوص القانونية التى استقام معناها - ويندرج النص المطعون فيه تحتها - لايكون تطبيقها مشوبا بالغموض، ولاترتبط دستوريتها - وحالتها هذه - بما إذا كان المشرع قد صاغها وفقا لمعيار مرن ضمانا لاتساعها لأوضاع تتغاير ظروفها وملابساتها، أم أفرغها فى صورة جامدة توحيدا لفروض تطبيقها، بل يكون اتفاقها أو اختلافها مع الدستور، مناطا لصحتها أو بطلانها . ولاكذلك النص المطعون فيه الذى خلا من كل عوار يرتد إلى النصوص الدستورية ذاتها . وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 157 من قانون المرافعات بعد أن بينت الإجراءات التى يتعين اتخاذها فى شأن طلب الرد، نصت فى فقرتها الأخيرة على أنه لايجوز - فى جميع الأحوال - الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الحكم الصادر فى الدعوى الأصلية. وحيث إن المدعية تنعى على هذه الفقرة، انطواءها على مصادرة لحق التقاضى، تأسيسا على أن خصومة الرد قد تثار أثناء نظر دعوى تدخل فى اختصاص محكمة جزئية، ومن ثم ينعدم حق الطعن فى الحكم الصادر فيها أمام محكمة النقض التى لايجوز الطعن أمامها فى المواد الجزئية. فضلا عن أن موضوع طلب الرد يعتبر منفصلا عن الدعوى الأصلية، ولايجوز بالتالى أن يرتبط بها. وحيث إن قانون المرافعات حرص على تنظيم الحق فى رد القضاة من زوايا متعددة غايتها ألايكون اللجوء إليه إسرافا أو نزقا، بل اعتدالا وتبصراً، ومن ذلك أن يقدم طلب الرد قبل تقديم أى دفع أو دفاع وإلا سقط الحق فيه، فإذا أقفل باب المرافعة فى الدعوى، غدا طلب الرد ممتنعا . ولايجوز كذلك أن يقدم هذا الطلب ممن سبق له طلب رد نفس القاضى فى الدعوى ذاتها، ولاأن يكون متعلقاً بقضاة المحكمة أو مستشاريها جميعا أو ببعضهم، بحيث لايبقى من عددهم مايكفى للحكم فى الدعوى الأصلية أو طلب الرد . بل أن المشرع - فى إطار هذا الاتجاه -لم يجز الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى الأصلية . وحيث إن بيان المقصود بنص الفقرة الأخيرة من المادة 157 من قانون المرافعات، يقتضى الرجوع إلى الأحكام التى انتظمها هذا القانون فى شأن رد القضاة، منظورا إليها فى مجموعها. وحيث إن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق - ومن بينها حق التقاضى -أنها سلطة تقديريه جوهرها المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة التى تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التى يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزنا . وليس ثمة قيد على مباشرة المشرع لسلطته هذه، إلا أن يكون الدستور قد فرض فى شأن ممارستها ضوابط محددة تعتبر تخوما لها ينبغى التزامها . وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك، على أن التنظيم التشريعى لحق التقاضى لايناقض وجود هذا الحق وفق أحكام الدستور، وأن هذا التنظيم لايتقيد بأشكال جامدة لايريم المشرع عنها تُفرغ قوالبها فى صورة صماء لاتبديل فيها، بل يجوز أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال مايناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التى يباشر هذا الحق عملا في نطاقها، وبما لايصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرنا، فلايكون إفراطا يطلق الخصومة القضائية من عقالها انحرافا بها عن أهدافها، ولاتفريطاً مجافيا لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواما، التزاما بمقاصدها، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق فى صورتها الأكثر اعتدالا . وحيث إن البين من تقرير لجنة الشئون الدستورية والقانونية فى شأن مشروع القانون المعروض عليها بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات - وعلى ضوء مناقشاتها التى تضمنتها مضبطة الجلسة التاسعة والأربعين للفصل التشريعى السادس لمجلس الشعب - أن النص على عدم جواز الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى الأصلية، لم يكن واردا أصلا فى مشروع الحكومة، ولكن اللجنة هى التى انتهت إلى تعديل المادة 157 من هذا القانون بإدخال هذه الفقرة عليها كنص جديد، وكان سندها فى ذلك أن خصومة الرد تتفرع عن الخصومة الأصلية التى لايعتبر الفصل فى طلب الرد منهيا لها، ويتعين بالتالى - وفى إطار الاتساق التشريعى - حملها على القاعدة العامة التى تضمنها قانون المرافعات، والتى تقضى بعدم جواز الطعن فى الأحكام غير المنهية للخصومة إلا مع الحكم الصادر فى موضوع الخصومة الأصلية المنهى لها . وحيث إن خصومة الرد تثير ادعاء فى شأن الخصومة الأصلية مداره أن قاضيها أو بعض قضاتها الذين يتولون الفصل فيها، قد زايلتهم الحيدة التى يقتضيها العمل القضائى، ومن ثم كان لخصومة الرد خطرها ودقتها سواء بالنظر إلى موضوعها أو الآثار التى تنجم عنها، ولاشأن لها بالتالى بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها، ولا بالحقوق التى يطلبونها فيها، ولابإثباتها أو نفيها، بل تستقل تماما عن موضوعها، فلايكون لها من صلة بما هو مطروح فيها، ولابشق من جوانبها، ولابالمسائل المتفرعة عنها أو العارضة عليها، بل تعتصم خصومة الرد بذاتيتها، لتكون لها مقوماتها الخاصة بها . وحيث إن الأهمية التى بلغتها خصومة الرد، وانعكاسها على الخصومة الأصلية التى لايجوز أن يكون الفصل فيها معلقا أو متراخيا إلى غير حد، واتصالها المباشر بولاية الفصل فيها، هى التى تمثلها المشرع حين عدل عما كان قائما من قبل من نظرها على درجتين، ليعهد بولاية الفصل فيها - وعلى ماتنص عليه المادة 153 من قانون المرافعات - إلى إحدى الدوائر بالمحكمة الاستئنافية، سواء أكان القاضى المطلوب رده من مستشاريها أم كان قاضيا جزئيا أو ابتدائيا، ليكون اختصاصها بالفصل فى خصومة الرد مقصورا عليها، محيطا بجوانبها، وازنا بالقسط المطاعن المثارة فيها . ويظل هذا الاختصاص ثابتا لهذه الدائرة، ولو كان الطعن استئنافيا فى الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية، ممتنعا . بل إن قانون المرافعات، أجاز بالفقرة الأخيرة من المادة 157 المطعون عليها، الطعن فى الحكم الصادر عن تلك الدائرة برفض طلب الرد، ولو كان الطعن بطريق النقض غير جائز فى الخصومة الأصلية . وما ذلك إلا توكيد لاستقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية، وإن جاز القول بتعلق أولاهما بثانيتهما، ورفعها بمناسبتها . وحيث إن قانون المرافعات، وإن كفل على هذا النحو، استقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية، إلا أن هذا القانون ربط بينهما فى مجال الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد، إذ لم يجز هذا الطعن إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية، لتقوم بذلك بين هاتين الدعويين صلة محدودة أنشأتها الفقرة الأخيرة من المادة 157 المطعون عليها، وهى بعد صلة مردها أن الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية منهيا لها، قد يكون كافلا للمدعى فى خصومة الرد، الحقوق التى طلبها فى الخصومة الأصلية، ونافيا بالتالى مصلحته الشخصية والمباشرة فى تعييب الحكم الصادر برفض طلب الرد ؛ وكان لازما بالتالى ألا يطعن فيه استقلالا، وأن يتربص الحكم المنهى للخصومة الأصلية، ليقدر على ضوء الحقوق التى أثبتها أو حجبها، ما إذا كان الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد، لازال منتجا . وحيث إنه إذ كان ماتقدم،وكان النص المطعون قد حال بين طالب الرد والطعن فى الحكم الصادر برفض طلبه، قبل أن تظهر الفائدة العملية التى يرتجيها من تجريحه، فإنه بذلك يكون أدخل إلى السياسة التشريعية التى اعتنقها المشرع فى مجال رد القضاة، ضمانا لحصر خصومة الرد فى إطارها المنطقى . ولامجافاة فى ذلك لنصوص الدستور، ذلك أن مايقدره المشرع - وفق أسس موضوعية - كافلا لحسن سير التقاضى، يكون حريا بالاتباع . وحيث إن النصين المطعون عليهما، لايناقضان أى حكم فى الدستورمن أوجه أخرى. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة 148 والفقرة الأخيرة من المادة 157 من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إن تنظيم المشرع لأحوال رد القضاة ــ وعلى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 23 لسنة 1992 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات ــ قد توخى توكيد قاعدة أصولية قوامها أن كل متقاض يجب أن يطمئن لأن قضاء قاضيه لا يصدر إلا عن الحق وحده ، دون تأثير من دخائل النفس البشرية فى هواها وتحيزها ، وكانت ضمانتا إستقلال السلطة القضائية وحيدتها ، تتعلقان بإدارة العدالة ضماناً لفعاليتها ، بما مؤداه بالضرورة تلازمها ، فلا ينفصلان .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
من غير المتصور أن يكون الدستور نائياً بالسلطة القضائية عن أن تقوض بنيانها عوامل خارجية تؤثر فى رسالتها ، وأن يكون إيصالها الحقوق لذويها مهدداً بالتواء ينال من حيدة وتجرد رجالها . وإذا جاز القول ــ وهو صحيح ــ بأن الفصل فى الخصومة القضائية ــ حقاً وعدلاً ــ لا يستقيم إذا داخلتها عوامل تؤثر فى موضوعية القرار الصادر عنها ، أيا كانت طبيعتها ، وبغض النظر عن مصدرها أو دوافعها أو أشكالها ، فقد صار أمراً مقضياً أن تتعادل ضمانتا إستقلال السلطة القضائية وحيدتها فى مجال إتصالهما بالفصل فى الحقوق إنصافاً ، ترجيحاً لحقيقتها القانونية ، لتكون لهما معاً القيمة الدستورية ذاتها ، فلا تعلو إحداها على أخراها أو تجبها ، بل يتضاممان تكاملاً ، ويتكافآن قدراً .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن إستقلال السلطة القضائية ، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون ، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التى يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم أو حرياتهم ، إلا أن حيدتها عنصر فاعل فى صون رسالتها لا يقل شأناً عن إستقلالها ، بما يؤكد تكاملها . ولئن كان بعض الفقهاء يولون عنايتهم لاستقلال السلطة القضائية ، ولا يعرضون لحيدتها إلا بصورة جانبية ، ويمزجون بينهما أحياناً ، إلا أن التمييز بين مفهوم إستقلال السلطة القضائية وحيدتها ، يتعين أن يكون فاصلاً بين معنيين لا يتداخلان . ذلك أن إستقلال السلطة القضائية ، يعنى أن تعمل بعيداً عن أشكال التأثير الخارجى التى توهن عزائم رجالها ، فيميلون معها عن الحق إغواء أو إرغاماً ، ترغيباً أو ترهيباً . فإذا كان إنصرافهم عن إنفاذ الحق ، تحاملاً من جانبهم على أحد الخصوم ، وإنحيازاً لغيره ، لمصالح ذاتية أو لغيرها من العوامل الداخلية التى تثير غرائز ممالأة فريق دون آخر ، كان ذلك منهم تغليباً لأهواء النفس ، منافياً لضمانة التجرد عند الفصل فى الخصومة القضائية ، مما يخل بحيادهم .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن إستقلال السلطة القضائية ، وإن كان لازماً لضمان موضوعية الخضوع للقانون ، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التى يطلبونها عند وقوع عدوان على حقوقهم أو حرياتهم ، إلا أن حيدتها عنصر فاعل فى صون رسالتها لا يقل شأناً عن إستقلالها ، بما يؤكد تكاملها . ولئن كان بعض الفقهاء يولون عنايتهم لاستقلال السلطة القضائية ، ولا يعرضون لحيدتها إلا بصورة جانبية ، ويمزجون بينهما أحياناً ، إلا أن التمييز بين مفهوم إستقلال السلطة القضائية وحيدتها ، يتعين أن يكون فاصلاً بين معنيين لا يتداخلان . ذلك أن إستقلال السلطة القضائية ، يعنى أن تعمل بعيداً عن أشكال التأثير الخارجى التى توهن عزائم رجالها ، فيميلون معها عن الحق إغواء أو إرغاماً ، ترغيباً أو ترهيباً . فإذا كان إنصرافهم عن إنفاذ الحق ، تحاملاً من جانبهم على أحد الخصوم ، وإنحيازاً لغيره ، لمصالح ذاتية أو لغيرها من العوامل الداخلية التى تثير غرائز ممالأة فريق دون آخر ، كان ذلك منهم تغليباً لأهواء النفس ، منافياً لضمانة التجرد عند الفصل فى الخصومة القضائية ، مما يخل بحيادهم .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
كفل الدستور إستقلال السلطة القضائية وإستقلال القضاة ، فى المادتين 165 و 166 ، توقياً لأى تأثير محتمل قد يميل بالقاضى إنحرافاً عن ميزان الحق ، إلا أن الدستور نص كذلك على أنه لا سلطان على القضاة فى قضائهم لغير القانون . وهذا المبدأ الأخير لا يحمى فقط إستقلال القاضى ، بل يحول كذلك دون أن يكون العمل القضائى وليد نزعة شخصية غير متجردة ، ومن ثم تكون حيدة القاضى شرطاً لازماً دستورياً لضمان ألا يخضع فى عمله لغير سلطان القانون .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
إن الحق فى رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد ، وثيق الصلة بحق التقاضى المنصوص عليه فى المادة 68 من الدستور ، ذلك أن مجرد النفاذ إلى القضاء لا يعتبر كافياً لصون الحقوق التى تستمد وجودها من النصوص القانونية ، بل يتعين دوماً أن يقترن هذا النفاذ ، بإزالة العوائق التى تحول دون تسوية الأوضاع الناشئة من العدوان عليها ، وبوجه خاص ما يتخذ منها صورة الأشكال الإجرائية المعقدة ، كى توفر الدولة الخصومة فى نهاية مطافها حلاً منصفاً يقوم على حيدة المحكمة وإستقلالها ، ويمكن بمضمونه التسوية التى يعمد الخصم إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التى يطلبها .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
إن المشرع تدخل بالنصوص التى نظم بها رد القضاة ، ليوازن بين أمرين أولهما : ألا يفصل فى الدعوى ــ وأيا كان موضوعها ــ قضاة داخلتهم شبهة تقوم بها مظنة ممالأة أحد أطرافها ، والتأثير بالتالى فى حيدتهم ، فلا يكون عملهم إنصرافاً لتطبيق حكم القانون فى شأنها ، بل تحريفاً لمحتواه . ومن ثم أجاز المشرع ردهم وفق أسباب حددها ، ليحول دونهم وموالاة نظر الدعوى التى قام سبب ردهم بمناسبتها . ثانيهما : ألا يكون رد القضاة مدخلاً إلى التشهير بهم دون حق ، وإيذاء مشاعرهم إعناتاً ، أو التهوين من قدرهم عدواناً ، أو لمنعهم من نظر قضايا بذواتها توقياً للفصل فيها كيداً ولدداً . وكان ضرورياً بالتالى ، أن يكفل المشرع ــ فى إطار التوفيق بين هذين الإعتبارين ، وبما يوازن بينهما ــ تنظيماً لحق الرد لا يجاوز الحدود التى ينبغى أن يباشر فى نطاقها ، ولا يكون موطئاً إلى تعطيل الفصل فى النزاع الأصلى .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
نص الفقرة 4 من المادة 148 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التى تقضى بجواز رد القاضى إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم إستطاعته الحكم بغير ميل ، يقوم على ضوابط محددة لا تنفلت بها متطلبات تطبيقه ، ذلك أن المودة والعداوة وإن كانتا من العناصر النفسية الغائرة فى الأعماق ، إلا أن الدليل عليها لا يقوم إلا من مظاهر خارجية تشى بها أو تفصح عنها ، ليكون إثباتها دائراً مع هذه المظاهر وجوداً وعدماً . وليس لازماً بالتالى أن يكون هذا الدليل مباشراً جازماً لا يقبل تأويلاً ، بل يكفى أن ترشح قرائن الحال لوجودها ، وأن يكون تضافرها مؤدياً إليها . كذلك ما قصد إليه النص المطعون فيه ، هو أن يوفر لرد القضاة سبباً يقوم على معيار عام يتسع لعديد من الصور التى يتعذر حصرها ، وإن كان جامعها أن مشاعر شخصية تقوم بين قاض وأحد الخصوم يرجح معها ألا يكون قضاؤه بغير ميل مستطاعاً ، سواء كان هذا الميل إيجابياً أم سلبياً ، فلا يستقيم ميزان الحق مع وجوده وإحتراز لهذا الاحتمال ، ونأياً بالعمل القضائى على أن يكون محاطاً بالشبهات التى لا يطمئن معها إلى تجرده ، صيغ النص المطعون فيه . ومردود ثالثاً بأن العوامل النفسية يستحيل ضبطها بنصوص جامدة ، ولا تعريفها بفواصل قاطعة تجليها ، بل يتعين أن يكون زمام تطبيقها ــ عند تحقق مظاهرها ــ مرناً ، فلا يكون إقتضابها قاصراً على أن يحيط بها ، ولا إتساعها مفرطاً فى مجاوزة نطاقها . ولئن صح القول بأن المشرع قد يلجأ أحياناً إلى قواعد جامدة تقرر لبعض المسائل حلاً واحداً لا يتغير ، كتلك التى تتعلق بالغبن فى بيع عقار لقاصر ، أو بجزاء العدول عن العربون أو بفوائد التأخير ، إلا أن جمود هذه القواعد ينبغى أن يكون مقصوراً على أحوال يقتضيها إستقرار التعامل ، فلا يجوز مد تطبيقها إلى أوضاع يستعصى تطبيقها على التحديد القاطع لظروفها وملابساتها ، بل يتعين أن يكون البديل عنها معايير مرنة ، ولو كان تطبيقها كاشفاً عن عناصر نفسية ، كذلك التى تضمنها التقنين المدنى بالنسبة إلى الإكراه والاستغلال ، وكذلك فيما يعتبر غلطاً جوهرياً أو تدليساً جسيماً أو باعثاً دافعاً إلى التعاقد ، إذ يقوم تنظيمها جميعاً على معايير مرنة تتغاير تطبيقاتها من حالة إلى أخرى .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
نص الفقرة 4 من المادة 148 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التى تقضى بجواز رد القاضى إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم إستطاعته الحكم بغير ميل ، يقوم على ضوابط محددة لا تنفلت بها متطلبات تطبيقه ، ذلك أن المودة والعداوة وإن كانتا من العناصر النفسية الغائرة فى الأعماق ، إلا أن الدليل عليها لا يقوم إلا من مظاهر خارجية تشى بها أو تفصح عنها ، ليكون إثباتها دائراً مع هذه المظاهر وجوداً وعدماً . وليس لازماً بالتالى أن يكون هذا الدليل مباشراً جازماً لا يقبل تأويلاً ، بل يكفى أن ترشح قرائن الحال لوجودها ، وأن يكون تضافرها مؤدياً إليها . كذلك ما قصد إليه النص المطعون فيه ، هو أن يوفر لرد القضاة سبباً يقوم على معيار عام يتسع لعديد من الصور التى يتعذر حصرها ، وإن كان جامعها أن مشاعر شخصية تقوم بين قاض وأحد الخصوم يرجح معها ألا يكون قضاؤه بغير ميل مستطاعاً ، سواء كان هذا الميل إيجابياً أم سلبياً ، فلا يستقيم ميزان الحق مع وجوده وإحتراز لهذا الاحتمال ، ونأياً بالعمل القضائى على أن يكون محاطاً بالشبهات التى لا يطمئن معها إلى تجرده ، صيغ النص المطعون فيه . ومردود ثالثاً بأن العوامل النفسية يستحيل ضبطها بنصوص جامدة ، ولا تعريفها بفواصل قاطعة تجليها ، بل يتعين أن يكون زمام تطبيقها ــ عند تحقق مظاهرها ــ مرناً ، فلا يكون إقتضابها قاصراً على أن يحيط بها ، ولا إتساعها مفرطاً فى مجاوزة نطاقها . ولئن صح القول بأن المشرع قد يلجأ أحياناً إلى قواعد جامدة تقرر لبعض المسائل حلاً واحداً لا يتغير ، كتلك التى تتعلق بالغبن فى بيع عقار لقاصر ، أو بجزاء العدول عن العربون أو بفوائد التأخير ، إلا أن جمود هذه القواعد ينبغى أن يكون مقصوراً على أحوال يقتضيها إستقرار التعامل ، فلا يجوز مد تطبيقها إلى أوضاع يستعصى تطبيقها على التحديد القاطع لظروفها وملابساتها ، بل يتعين أن يكون البديل عنها معايير مرنة ، ولو كان تطبيقها كاشفاً عن عناصر نفسية ، كذلك التى تضمنها التقنين المدنى بالنسبة إلى الإكراه والاستغلال ، وكذلك فيما يعتبر غلطاً جوهرياً أو تدليساً جسيماً أو باعثاً دافعاً إلى التعاقد ، إذ يقوم تنظيمها جميعاً على معايير مرنة تتغاير تطبيقاتها من حالة إلى أخرى .
📌 المبدأ / الفقرة (10)
ليس لازماً لقيام المودة بين قاض وأحد الخصوم فى الدعوى التى يتولى نظرها ، أن تدل القرائن على متانتها و وثاقتها ، ولا أن تكون العداوة قد بلغت عمقاً يؤكد شدتها وجموحها ، بل يكفى لتحقق أيتهما أن تكون شخصية تتصل بذات القاضى ، وأن يكون من أثرها أن يميل عن ميزان الحق ، ولو لم تصل العداوة إلى حد الخصومة ، ولا المودة إلى حد مؤاكلة أحد الخصوم أو السكنى معه أو قبول هدايا منه قبل رفع الدعوى أو بعدها ، بل وكان باعثها ومحركها منفصلاً عن علاقة زوجية أو قرابة أو مساهرة . والنص المطعون فيه يعتبر بذلك ، منشئاً سبباً عاماً للرد ، منصرفاً إلى كل الأحوال التى تثور فيها شبهة لها أساسها حول نوع من المشاعر الشخصية تقوم بالقاضى ، ولا يرجح معها الحكم فى الدعوى التى يراد رده عنها بغير ميل يكون عاصفاً بالحق ، أو مؤثراً فى مجراه . ومن ثم لا يقيد هذا النص من صور الرد ، بل يتعقبها فى أغلب مظانها ، ويكاد أن يحيط بها ويستغرقها .
📌 المبدأ / الفقرة (11)
ليس لازماً لقيام المودة بين قاض وأحد الخصوم فى الدعوى التى يتولى نظرها ، أن تدل القرائن على متانتها و وثاقتها ، ولا أن تكون العداوة قد بلغت عمقاً يؤكد شدتها وجموحها ، بل يكفى لتحقق أيتهما أن تكون شخصية تتصل بذات القاضى ، وأن يكون من أثرها أن يميل عن ميزان الحق ، ولو لم تصل العداوة إلى حد الخصومة ، ولا المودة إلى حد مؤاكلة أحد الخصوم أو السكنى معه أو قبول هدايا منه قبل رفع الدعوى أو بعدها ، بل وكان باعثها ومحركها منفصلاً عن علاقة زوجية أو قرابة أو مساهرة . والنص المطعون فيه يعتبر بذلك ، منشئاً سبباً عاماً للرد ، منصرفاً إلى كل الأحوال التى تثور فيها شبهة لها أساسها حول نوع من المشاعر الشخصية تقوم بالقاضى ، ولا يرجح معها الحكم فى الدعوى التى يراد رده عنها بغير ميل يكون عاصفاً بالحق ، أو مؤثراً فى مجراه . ومن ثم لا يقيد هذا النص من صور الرد ، بل يتعقبها فى أغلب مظانها ، ويكاد أن يحيط بها ويستغرقها .
📌 المبدأ / الفقرة (12)
أن النصوص القانونية التى إستقام معناها ــ ويندرج النص المطعون فيه تحتها ــ لا يكون تطبيقها مشوباً بالغموض ، ولا ترتبط دستوريتها ــ وحالتها هذه ــ بما إذا كان المشرع قد صاغها وفقاً لمعيار مرن ضماناً لاتساعها لأوضاع تتغاير ظروفها وملابساتها ، أم أفرغها فى صورة جامدة توحيداً لفروض تطبيقها ، بل يكون إتفاقها أو إختلافها مع الدستور ، مناط لصحتها أو بطلانها . ولا كذلك النص المطعون فيه الذى خلا من كل عوار يرتد إلى النصوص الدستورية ذاتها .
📌 المبدأ / الفقرة (13)
الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق ــ ومن بينها حق التقاضى ــ أنها سلطة تقديرية جوهرها المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة التى تتصل بالموضوع محل التنظيم ، لاختيار أنسبها لفحواه ، وأحراها بتحقيق الأغراض التى يتوخاها ، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً . وليس ثمة قيد على مباشرة المشرع لسلطته هذه ، إلا أن يكون الدستور قد فرض فى شأن ممارستها ضوابط محددة تعتبر تخوماً لها ينبغى إلتزامها .
📌 المبدأ / الفقرة (14)
الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق ــ ومن بينها حق التقاضى ــ أنها سلطة تقديرية جوهرها المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة التى تتصل بالموضوع محل التنظيم ، لاختيار أنسبها لفحواه ، وأحراها بتحقيق الأغراض التى يتوخاها ، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزناً . وليس ثمة قيد على مباشرة المشرع لسلطته هذه ، إلا أن يكون الدستور قد فرض فى شأن ممارستها ضوابط محددة تعتبر تخوماً لها ينبغى إلتزامها .
📌 المبدأ / الفقرة (15)
إن قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك ، على أن التنظيم التشريعى لحق التقاضى لا يناقض وجود هذا الحق وفق أحكام الدستور ، وأن هذا التنظيم لا يتقيد بأشكال جامدة لا يريم المشرع عنها تفرغ قوالبها فى صورة صماء لا تبديل فيها ، بل يجوز أن يغاير فيما بينها ، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها ، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التى يباشر هذا الحق عملاً فى نطاقها ، وبما لا يصل إلى حد إهداره ، ليظل هذا التنظيم مرناً ، فلا يكون إفراطاً يطلق الخصومة القضائية من عقالها إنحرافاً بها عن أهدافها ، ولا تفريطاً مجافياً لمتطلباتها ، بل بين هذين الأمرين قواماً ، التزاماً بمقاصدها ، باعتبارها شكلاً للحماية القضائية للحق فى صورتها الأكثر إعتدالاً .
📌 المبدأ / الفقرة (16)
إن خصومة الرد تثير إدعاء فى شأنه الخصومة الأصلية مداره أن قاضيها أو بعض قضاتها الذين يتولون الفصل فيها ، قد زايلتهم الحيدة التى يقتضيها العمل القضائى ، ومن ثم كان لخصومة الرد خطرها ودقتها سواء بالنظر إلى موضوعها أو الآثار التى تنجم عنها ، ولا شأن لها بالتالى بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها ، ولا بالحقوق التى يطلبونها فيها ، ولا بإثباتها أو نفيها ، بل تستقل تماماً عن موضوعها ، فلا يكون لها من صلة بما هو مطروح فيها ، ولا يشق من جوانبها ، ولا بالمسائل المتفرعة عنها أو العارضة عليها ، بل تعتصم خصومة الرد بذاتيتها ، لتكون لها مقوماتها الخاصة بها . والأهمية التى بلغتها خصومة الرد ، وإنعكاسها على الخصومة الأصلية التى لا يجوز أن يكون الفصل فيها معلقاً أو متراخياً إلى غير حد ، وإتصالها المباشر بولاية الفصل فيها ، هى التى تمثلها المشرع حين عدل عما كان قائماً من قبل من نظرها على درجتين ، ليعهد بولاية الفصل فيها ــ وعلى ما تنص عليه المادة 153 من قانون المرافعات ــ إلى إحدى الدوائر بالمحكمة الاستئنافية ، سواء أكان القاضى المطلوب رده من مستشاريها أم كان قاضياً جزئياً أو إبتدائياً ، ليكون إختصاصها بالفصل فى خصومة الرد مقصوراً عليها ، محيطاً بجوانبها ، وازناً بالقسط المطاعن المثارة فيها . ويظل هذا الاختصاص ثابتاً لهذه الدائرة ، ولو كان الطعن إستئنافياً فى الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية ، ممتنعاً . بل إن قانون المرافعات ، أجاز بالفقرة الأخيرة من المادة 157 المطعون عليها ، الطعن فى الحكم الصادر عن تلك الدائرة برفض طلب الرد ، ولو كان الطعن بطريق النقض غير جائز فى الخصومة الأصلية . وما ذلك إلا توكيد لإستقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية ، وإن جاز القول بتعلق أولاهما بثانيتهما ، ورفعها بمناسبتها . ولئن كان قانون المرافعات . كافلاً على هذا النحو ، إستقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية ، إلا أن هذا القانون ربط بينهما فى مجال الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد ، إذ لم يجز هذا الطعن إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية ، لتقوم بذلك بين هاتين الدعويين صلة محدودة أنشأتها الفقرة الأخيرة من المادة 157 المطعون عليها ، وهى بعد صلة مردها أن الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية منهياً لها ، قد يكون كافلاً للمدعى فى خصومة الرد ، الحقوق التى طلبها فى الخصومة الأصلية ، ونافياً بالتالى مصلحته الشخصية والمباشرة فى تعييب الحكم الصادر برفض طلب الرد ، وكان لازماً بالتالى ألا يطعن فيه إستقلالاً ، وأن يتربص الحكم المنهى للخصومة الأصلية ، ليقدر على ضوء الحقوق التى أثبتها أو حجبها ، ما إذا كان الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد ، لا زال منتجاً . وإذ حال النص المطعون فيه بين طالب الرد والطعن فى الحكم الصادر برفض طلبه ، قبل أن تظهر الفائدة العملية التى يرتجيها من تجريحه ، فإنه بذلك يكون أدخل إلى السياسة التشريعية التى إعتنقها المشرع فى مجال رد القضاة ، ضماناً لحصر خصومة الرد فى إطارها المنطقى . ولا مجافاة فى ذلك لنصوص الدستور ، ذلك أن ما يقدره المشرع ــ وفق أسس موضوعية ــ كافلاً لحسن سير التقاضى ، يكون حرياً بالاتباع .
📌 المبدأ / الفقرة (17)
إن خصومة الرد تثير إدعاء فى شأنه الخصومة الأصلية مداره أن قاضيها أو بعض قضاتها الذين يتولون الفصل فيها ، قد زايلتهم الحيدة التى يقتضيها العمل القضائى ، ومن ثم كان لخصومة الرد خطرها ودقتها سواء بالنظر إلى موضوعها أو الآثار التى تنجم عنها ، ولا شأن لها بالتالى بنطاق الخصومة الأصلية المرددة بين أطرافها ، ولا بالحقوق التى يطلبونها فيها ، ولا بإثباتها أو نفيها ، بل تستقل تماماً عن موضوعها ، فلا يكون لها من صلة بما هو مطروح فيها ، ولا يشق من جوانبها ، ولا بالمسائل المتفرعة عنها أو العارضة عليها ، بل تعتصم خصومة الرد بذاتيتها ، لتكون لها مقوماتها الخاصة بها . والأهمية التى بلغتها خصومة الرد ، وإنعكاسها على الخصومة الأصلية التى لا يجوز أن يكون الفصل فيها معلقاً أو متراخياً إلى غير حد ، وإتصالها المباشر بولاية الفصل فيها ، هى التى تمثلها المشرع حين عدل عما كان قائماً من قبل من نظرها على درجتين ، ليعهد بولاية الفصل فيها ــ وعلى ما تنص عليه المادة 153 من قانون المرافعات ــ إلى إحدى الدوائر بالمحكمة الاستئنافية ، سواء أكان القاضى المطلوب رده من مستشاريها أم كان قاضياً جزئياً أو إبتدائياً ، ليكون إختصاصها بالفصل فى خصومة الرد مقصوراً عليها ، محيطاً بجوانبها ، وازناً بالقسط المطاعن المثارة فيها . ويظل هذا الاختصاص ثابتاً لهذه الدائرة ، ولو كان الطعن إستئنافياً فى الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية ، ممتنعاً . بل إن قانون المرافعات ، أجاز بالفقرة الأخيرة من المادة 157 المطعون عليها ، الطعن فى الحكم الصادر عن تلك الدائرة برفض طلب الرد ، ولو كان الطعن بطريق النقض غير جائز فى الخصومة الأصلية . وما ذلك إلا توكيد لإستقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية ، وإن جاز القول بتعلق أولاهما بثانيتهما ، ورفعها بمناسبتها . ولئن كان قانون المرافعات . كافلاً على هذا النحو ، إستقلال خصومة الرد عن الخصومة الأصلية ، إلا أن هذا القانون ربط بينهما فى مجال الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد ، إذ لم يجز هذا الطعن إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية ، لتقوم بذلك بين هاتين الدعويين صلة محدودة أنشأتها الفقرة الأخيرة من المادة 157 المطعون عليها ، وهى بعد صلة مردها أن الحكم الصادر فى الخصومة الأصلية منهياً لها ، قد يكون كافلاً للمدعى فى خصومة الرد ، الحقوق التى طلبها فى الخصومة الأصلية ، ونافياً بالتالى مصلحته الشخصية والمباشرة فى تعييب الحكم الصادر برفض طلب الرد ، وكان لازماً بالتالى ألا يطعن فيه إستقلالاً ، وأن يتربص الحكم المنهى للخصومة الأصلية ، ليقدر على ضوء الحقوق التى أثبتها أو حجبها ، ما إذا كان الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد ، لا زال منتجاً . وإذ حال النص المطعون فيه بين طالب الرد والطعن فى الحكم الصادر برفض طلبه ، قبل أن تظهر الفائدة العملية التى يرتجيها من تجريحه ، فإنه بذلك يكون أدخل إلى السياسة التشريعية التى إعتنقها المشرع فى مجال رد القضاة ، ضماناً لحصر خصومة الرد فى إطارها المنطقى . ولا مجافاة فى ذلك لنصوص الدستور ، ذلك أن ما يقدره المشرع ــ وفق أسس موضوعية ــ كافلاً لحسن سير التقاضى ، يكون حرياً بالاتباع .