الطعن رقم 35 لسنة 9 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
1994-8-14
سنة المكتب الفني: 6
ملخص / وقائع الدعوى:
تشريع
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ المحكمة الدستورية العليا - التزامها بتأويل النصوص المطعون عليها بما يجنبها الحكم بعدم الدستورية
⚖️ المحكمة الدستورية العليا - حكمها برفض الدعوى بعدم دستورية نص معين على اساس المعنى الذى حددته لهذا النص - اثره
⚖️ المحكمة الدستورية العليا - دورها فى اطار التنظيم المقارن للرقابة على الشرعية الدستورية
⚖️ المحكمة الدستورية العليا - نطاق ولايتها فى مجال الرقابة على الشرعية الدستورية
⚖️ تأمين اجتماعى - دستور
⚖️ تشريع - احوال شخصية - الشرطان الموضوعيان لاعمال النص المطعون فيه
⚖️ تشريع - احوال شخصية - القيد الاجرائى للنص المطعون فيه
⚖️ تشريع - احوال شخصية - النص المطعون فيه - المادة 11 مكرر من المرسوم بقانون 25 لسنة 1929 الخاص ببعض احكام الاحوال الشخصية
⚖️ تشريع - احوال شخصية - ذو المصلحة فى الطعن على الشرطين الموضوعيين اللذين تضمنهما النص المطعون فيه
⚖️ تشريع - احوال شخصية - ذو المصلحة فى الطعن على القيد الاجرائى للنص المطعون فيه
⚖️ شريعة اسلامية - اشتراط المرأة فى عقد الزواج ألا يتزوج زوجها عليها - اثره
⚖️ شريعة اسلامية - الاذن بالتعدد - ارتباط هذا الاذن بمصالح العباد
⚖️ شريعة اسلامية - الاذن بالتعدد - مصدره
⚖️ شريعة اسلامية - النص المطعون فيه تطبيق خاص للضرر - مدى جواز ذلك دستوريا
⚖️ شريعة اسلامية - النص المطعون فيه ليس ذريعة الى حرام
⚖️ شريعة اسلامية - تنظيم النص المطعون فيه للتعدد بما لا يصادر او يقيد الحق فيه
⚖️ شريعة اسلامية - قاعدة لا ضرر ولا ضرار - نطاقها
⚖️ شريعة اسلامية - معيار الضرر المسوغ للتفريق وفقا للنص المطعون فيه
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله أعضاء وعادل عمر شريف رئيس هيئة المفوضين ورأفت محمد عبد الواحد أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة 0 حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى عليها الثالثة كانت قد أقامت الدعوى رقم 370 سنة 1984 كلى نفس المنصورة ضد المدعى طالبة التطليق إعمالا لنص المادة 11 مكرراً المضافة بالقانون رقم 100 سنة 1985 ، وذلك لتضررها من زواجه عليها بأخرى 0 وإذ دفع المدعى - فى الدعوى الماثلة - أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية النص سالف الذكر ، وكانت محكمة الموضوع قد صرحت له برفع الدعوى الدستورية - بعد أن قدرت جدية دفعه- فقد أقام الدعوى الماثلة 0 وحيث إن المدعى ينعى على نص المادة 11 مكرراً المشار إليها مخالفته حكم المادة الثانية من الدستورالتى تقضى بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ، وذلك قولا منه بأن القوانين واللوائح التى تخالف هذه المبادئ تقع باطلة عديمة الأثر قانونا ، وأن النص المطعون عليه يتعارض مع النصوص القرآنية التى تأذن بالتعدد وترخص فيه ، ولم تجز تقييده إلابشرط العدل بين الزوجات 0 فضلا عن أن النص المطعون فيه لم يبين ماهية الأضرار المعنوية التى تخول الزوجة الممانعة فى الزواج الجديد حق طلب التفريق بينها وبين زوجها 0 كماعلق حقها فى هذا الطلب على عدم قبولها التزوج عليها صراحة أو ضمنا ، وألزمها رفع دعواها بالتطليق خلال سنة من تاريخ علمها بالزواج الجديد وإلا سقط الحق فيها حال أن الضرر قد يلحقها بعد فوات هذا الميعاد0 كذلك أجاز النص المطعون فيه - بمفهوم المخالفة - للزوجة أن تشترط فى عقد زواجها عدم الزواج عليها ، وهو قيدعلى تعددالزوجات يناقض شرط العدل بينهن ولا يتصل به0 وحيث إن المادة 11مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المضافة بالمادة الأولى من القانون رقم 100 سنة 1985 والمطعون عليها بعدم الدستورية تنص على أنه << على الزوج أن يقر فى وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين فى الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتى فى عصمته ومحال إقامتهن ، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بكتاب مسجل مقرون بعلم الوصول 0 ويجوز للزوجة التى تزوج عليها زوجها أن تطلب الطلاق منه ،إذا لحقها ضرر مادى أو معنوى يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ، ولو لم تكن قد اشترطت عليه فى العقد ألا يتزوج عليها 0 فإذا عجز القاضى عن الإصلاح بينهما طلقها عليه طلقة بائنة 0 ويسقط حق الزوجة فى طلب التطليق لهذا السبب بمضى سنة من تاريخ علمها بالزواج بأخرى ، إلا إذا كانت قد رضيت بذلك صراحة أو ضمنا 0 ويتجدد حقها فى طلب التطليق كلما تزوج بأخرى 0 وإذا كانت الزوجة الجديدة لم تعلم أنه متزوج بسواها ثم ظهر أنه متزوج ، فلها أن تطلب التطليق كذلك >> 0 وحيث إن من المقرر أن المحكمة الدستورية العليالا يجوز أن تتنصل من اختصاص نيط بها وفقا للدستور أو القانون أو كلاهما 0 وعليها كذلك وبنفس القدر ألا تخوض فى اختصاص ليس لها ، ذلك أن إنكارها لولايتها أو مجاوزتها لتخومها ممتنعان من الناحية الدستورية 0 ولا يجوز من ثم أن تترخص فيما عٌهد إليها به من المسائل الدستورية كلما كان تصديها لها لازما ولو لابستها صعوبات لها وزنها أو قارنتها محاذير لها خطرها 0 بيد أن ذلك لايعنى الاندفاع بالرقابة على الدستورية إلى آفاق تجاوز مقتضياتها أو مباشرتها دون قيود تتوازن بها ، بل يتعين أن تكون هذه الرقابة ولضمان فاعليتها محددة طرائقها ومداخلها ، جلية أسسها ومناهجها ، وأن تمارس فى إطار مجموعة من الضوابط التى تصوغها الهيئة القضائية التى تتولاها ، ولاتفرضها عليها سلطة أعلى لتحد بها من حركتها ، لضمان أن تكون الرقابة على الدستورية منحصرة فى حدودها المنطقية ، فلا يكون التدخل بها مؤذنا بانفلاتها من كوابحها ، بل مقيداً بما يصون موجباتها ولايخرجها عن حقيقة مراميها كأداة تكفل فى آن واحد سيادة الدستور ومباشرة السلطتين التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتها التقديرية دون عائق 0 ومن ثم كان اللجوء إليها مقيداً بضرورة أن يكون التدخل بها لازما ومبرراً بوصفها ملاذاً نهائيا ، وليس باعتبارها إجراءً احتياطيا 0 وتنحل هذه الضوابط فى واقعها إلى قيود ذاتية تفرضها على نفسها الهيئة القضائية التى عهد إليها الدستور أو المشرع برقابة الدستورية ، وذلك تقديراً منها لخطورة هذه الرقابة ودقتها ، ولأن المصالح التى تواجهها فريدة فى بابها بالنظر إلى تشابكها واتساعها وتعقدها ، واتصالها المباشر بمراكز هؤلاء الذين يمسهم النص التشريعى المطعون فيه ، ولو كانوا من غير أطراف المنازعة الدستورية 0 وعلى ضوء التنظيم المقارن للرقابه على الدستورية ، لايجوز ان تفصل الهيئة التى تتولاها فى دستورية نص تشريعى فى غير خصومه تعكس بمضمونها حقيقة التناقض بين مصالح اطرافها ، ولا ان تقرر قاعدة دستورية لم يحن بعد أوان إرسائها أو قاعدة دستورية تجاوز باتساعهااو مداها الحدودالتى يستلزمها الفصل فى النزاع المعروض عليها 0 وليس لها كذلك الفصل فى المسائل الدستورية التى يثيرها النص التشريعى المطعون عليه ، إذا كان الطاعن قد أفاد من مزاياه او كانت الأضرار التى رتبها لاتتصل بالمصالح التى يدعيها اتصالاً شخصيا ومباشرا أو كان ممكنا حمل حكمها فى النزاع المطروح عليها على أساس آخر. وعليها دوماً - وكشرط اولى لممارستها رقابتها على الدستورية - ان تستوثق مما إذا كان ممكنا تأويل النص التشريعى المطعون عليه علي نحو يجنبها الحكم بعدم دستوريته0 وحيث إن البين من النص المطعون فيه - المادة 11 مكرراً من المرسوم بقانون رقم 52لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية - أنه خول الزوجة التى تزوج عليها زوجها - ولو لم تكن قد اشترطت عليه فى عقد الزواج ألا يتزوج عليها -أن تطلب الطلاق منه على ضوء شرطين موضوعيين ، أولهما: أن يكون قد لحقها ضرر من قبل زوجها - ماديا كان أو أدبيا - على أن يكون هذا الضرر موصوفاً من حيث آثاره بأن يبلغ مداه درجة من الإساءة تكون معها العشرة بين أمثالهما أمراً متعذراً 0 ثانيهما : أن يكون تقدير هذا الضرر عائداً إلى القاضى ، وعليه ألا يطلقها من زوجها طلقة بائنة إلا إذا عجز عن الإصلاح بينهما 0 وسواء توافر هذان الشرطان أم تخلفا ، فإن الحق فى رفع دعوى التطليق -وفقا لأحكام النص المطعون فيه - مقيد بزمن معين لا يتعداه ، إذ يتعين على الزوجة الساعية إلى التفريق بينها وبين زوجها ، أن تقيم دعواها خلال سنة من تاريخ علمها بأن زوجها تزوج بغيرها 0 ويسقط حقها فى إقامة دعواها هذه ، بفوات ذلك الميعاد ، وكذلك برضائها بالزواج الجديد صراحة أو ضمنا ً0 وحيث إن القيد الإجرائى المشار إليه - وأيا كان وجه الرأى فى دستوريته - لا يتعلق إلا بالزوحة التى تزوج عليها زوجها ، إذ هى التى قيدها النص السابق بميعاد لرفع دعواها بالتفريق بينها وبين زوجها ، واعتبر فوات هذا الميعاد مسقطا للحق فيها ، ومن ثم لاتقوم المصلحة الشخصية المباشرة فى الطعن عليه إلا بالنسبة إليها 0 كذلك فإن ماقرره ذلك النص من نزولها عن دعواها تلك بقبولها التزوج عليها صراحة أو ضمنا ، إنما يخصها دون غيرها، باعتبار أن هذا النزول الذى قرره النص المطعون فيه قد تم بافتراض ان إرادتها قد اتجهت إليه ، ومن ثم تتعلق آثاره بها وحدها 0وعلى خلاف ما تقدم ، تلك المناعى التى توخى بها المدعى إبطال ذلك النص بمقولة إهداره الحق فى التعدد أو تقييده ، إذ يعتبر هذا البطلان مرتبطا بالشرطين الموضوعيين اللذين يخولان الزوجةالتى تزوج زوجها عليها طلب التطليق منه0 ولا يجوز بالتالى لغير زوجها المجادلة فى دستوريتهما ، وإليهما تمتد مصلحته الشخصية المباشرة التى جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أنها شرط لقبول الدعوى الدستورية ، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى النزاع المرتبط بها والمطروح على محكمة الموضوع 0 وحيث إن من المقرر ان الرقابة على الدستورية لا تستقيم موطئا لإبطال نصوص تشريعية يمكن تأويلها - بمختلف طرق الدلاله المعتبره - على وجه يعصمها من المخالفة الدستورية المدعى بها ، بل يجب - وبوصفها رقابة متوازنة لا يجوز التدخل بها إلا لضرورة ملحه تقتضيها - أن تكون مبررة بدواعيها كى لا يكون اللجوء إليها اندفاعاً ، أو الإعراض عنها تراخيا 0 وحيث إن الأصل فى تشريع التعدد هو النصوص القرآنية ، إذ يقول تعالى فيما أوحى به إلى محمد عليه السلام << وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى، فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ،فإن خفتم آلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت آيمانكم، ذلك آدنى آلا تعولوا >> وكانت صيغة الأمر تفيد طلب وقوع المأمور به والامتناع عما يضاده ، ما لم يقم دليل على وجود قرينة تصرفها عن أصل وضعها إلى الإباحة ، وهو ما قرره بعض الفقهاء بقولهم أن صيغة الأمر حقيقة فى طلب الفعل ، مجاز فيما سواه ، وأن إفادتها الإباحة بطريق المجاز يحتاج إلى قرينة ، وكانت الآية السابقة لا تفيد نهيا عن الجمع بين أكثر من زوجة ، ولا طلباً لازماً لإتيان هذا الفعل ، ولكنها إذن بالتعدد ، وكان من المقرر أن الله تعالى ماشرع حكماً إلا لتحقيق مصالح العباد ، وما أهمل مصلحة اقتضتها أحوالهم دون أن يورد فى شأنها حكماً ، وكان مسلما كذلك أن ما كان ثابتاً بالنص هو المصلحة الحقيقية التى لاتبديل لها ، وأن العمل على خلافها ليس إلا تعدياً على حدود الله ، وكانت المصلحة التى تعارض النصوص القرآنية لاتعتبر مصلحة حقيقية ، ولكنها أدخل إلى أن تكون تشهيا وانحرافا فلا يجوز تحكيمها ، وكان الله تعالى حين أذن بالتعدد ، شرع ذلك لمصلحة قدرها مستجيبا بها لأحوال النفس البشرية ، فأقره فى إطار من الوسطية التى تلتزم حد الاعتدال ، جاعلا من التعدد - وهو ليس إلا جمعا بين أكثر من زوجه بما لايجاوزالأربع - حقاً لكل رجل ، ومحليته كل امرأة من الحرائر يستطيبها وتحل له شرعا - ولولم تكن يتيمه يتحرج من أكل أموالها وظلمها ، بل ولو لم يكن وليا عليها - غير مقيد فى ذلك بما وراء الأمن من الجور بين من يضمهن إليه باعتبار أن الأصل فى المؤمن العدل بين من ينكحهن ليكون أعون على بقاء أصل الاستقرار والاطمئنان ، فإن لم يأمن العدل ، فعليه بواحدة لا يزيد عليها حتى لا يميل لغيرها كل الميل ، ومن ثم كان التعدد مقرراً بنصوص قرآنية صريحة لا يرتبط تطبيقها بمناسبة نزولها ، ولكنها تعد تشريعاً إلهياً لكل زمان ومكان ، جوهره العدل ، وهو ليس إلا قولا معروفا وامتثالاً لأوامر الله تعالى مع مجانبة نواهيه 0 وكلما استقام التعدد على قاعدة العدل - وهى قيد على الحق فيه ولا تعد سببا لنشوئه - كان نافياً للجور والميل ، واستحال أن يتمحض ظلما أو ينحل إلى إضرار بالزوجة التى تعارض اقتران زوجها بغيرها ، ذلك أن ما يجوز شرعا لايؤول إعناتاً، ولا وجه للقول بأن الشريعة الغراء - وغايتها إصلاح شئون العباد وتقويمها - تناقض فى تطبيقاتها العملية مصالحهم وتعارضها ، ولأن ما ينهانا الله عنه يكون ضرره راجحاً، وما يأمرنا به وجوبا أو على سبيل الإباحة إنما يكون نفعه غالبا ، ولا يعتبر بالتالى قرينا لإيذاء أو مضارة أو سبباً لأيهما ، وإلا ابتعد عن مصالح العباد ، وكان سعيا لما يناقضها ، ومدخلا إلى مفاسد مقطوع بها أو راجحا وقوعها بقدر الإثم الملابس لها أو المحيط بها ، وهو ما ينزهه الله تعالى عنه حين أذن بالتعدد وجعل الحق فيه مع الأمن من الجور مكتملا ولو عارضته الزوجة التى على العصمة 0 وحيث إن النص المطعون فيه قد دل بعبارته على أمرين ينفيان معاً قالة مصادرته للتعدد أوتقييد الحق فيه ، أولهما : أن حق الزوجة التى تعارض الزواج الجديد فى التفريق بينها وبين زوجها ، لا يقوم على مجرد كراهيتها له أو نفورها منه لتزوجه عليها، وليس لها كذلك أن تطلب فصم علاقتها بزوجها بادعاء أن اقترانه بغيرها يعتبر فى ذاته إضراراً بها ، وإنما يجب عليها أن تقيم الدليل على أن ضرراً منهيا عنه شرعا قد أصابها بفعل أو امتناع من قبل زوجها، على أن يكون هذا الضرر حقيقياً لامتوهماً ، واقعا لا متصوراً ، ثابتاً وليس مفترضا ، مستقلا بعناصره عن واقعة الزواج اللاحق فى ذاتها وليس مترتبا عليها ، مما لا يغتفر لتجاوزه الحدود التى يمكن التسامح فيها شرعا ، منافيا لحسن العشرة بين امثالهما بما يخل بمقوماتها لينحل اساءه لها - دون حق - اتصلت أسبابها بالزيجة التالية وكانت هى باعثها ، فإن لم تكن هذه الزيجة هى المناسبة التي وقع الضرر مرتبطا بها، فإن حقها فى التفريق بينها وبين زوجها يرتد إلى القاعدة العامة فى التطليق للضرر المنصوص عليها فى المادة 6 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929المعدل بالقانون رقم001لسنة 1985 والخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية 0 متى كان ذلك ، فإن النص التشريعى المطعون عليه لايكون ناهياً عن التعدد أو معدلا لأحكامه - من خلال تحويرها - بما يخرجها عن أصل وضعها ، إذ لو كان الأمر كذلك لغدا أمراً محظوراً مجرد ولوج الطريق إليه ، ولكان مجرد الجمع بين امرأتين منشئاً لأولاهن قرينة قانونية يفترض الضرر من خلالها ، ولا يجوز التدليل على عكسها ، ويكون التفريق بين الزوجين بموجبها واقعا بقوة القانون 0 وهو مايؤول إلى إعدام السلطة التقديرية التى يملكها القاضى فى تقييم الأضرار التى تدعى الزوجه إلحاقها بها ، تحديداً من جهته لأسبابها ، ونظراً منه فى بواعثها وملابساتها توطئة لتقرير حكمها على ضوء المقاييس الشرعية التى لا تتغير أو تتبدل 0 كذلك ليس فى النص المطعون فيه مايتضمن تعليقا لآثار الزيجة التالية على إرادة الزوجة التى تعارض بقاءها ، إذ لو كان لها ذلك ، لجاز أن تنقض بيدها الآثار التى رتبها المشرع على عقد الزواج التالى ، وأن تعطل بإرادتها سريانها فى حقها حال أن العقود - وإن كان تكوينها عائداً إلى إرادة أطرافها - إلا أن آثارها من عمل المشرع وحده 0 ثانيهما أن القاضى لايجيبها إلى طلبها التفريق بينها وبين زوجها بتطليقها منه طلقة بائنه ، إلا إذا عجز عن الإصلاح بينهما 0 وعليه بالتالى قبل فض علاقة الزوجية أن يسعى بينهما معروفا ، ناظراً فى أحوالهما ، مستوضحا خفاياها ، وأن يلتمس لذلك كل الوسائل التى تُساق إليها - توجيهاً وتبصيراً وتوفيقاً- توطئة لرفع الضرر عنها قدر الإمكان 0 ويفترض هذا الجهد من القاضى ، أن يكون الخلاف بين الزوجين مما يرجى إصلاحه بتهدئة الخواطر بينهما ، وإعانتهما على تجاوز مظاهر تفرقهما ، بعد تقصى أسبابها ، والتوصل إلى حلول يقبلانها معا 0 ولا كذلك الأمر إذا كان خلافها مع زوجها راجعا إلى مجرد الجمع عليها ، إذ يكون الشقاق بينهما عندئذ مترتبا على الزواج اللاحق فى ذاته وناشئا عنه وحده 0 وليس أمام القاضى فى مواجهته إلا أحد حلين يخرجان معا عن معنى الإصلاح وينافيان مقاصده آولهما :أن يلزمها النزول عن طلبها التفريق بينها وبين زوجها مع بقاء الزوجة الجديدة فى عصمته ، وهو مالن ترضاه 0 ثانيهما : أن يدعو زوجها إلى مفارقة زوجته الجديدة بالتخلى عنها ولو كان راغبا فى بقاء علاقة الزوجية معها لمصلحة يقدرها 0 وليس ذلك بحال طريق الوسطية بين مطلبين ، ولا رأباً للصدع بين موقفين 0 وحيث إن النص المطعون فيه - بالأحكام السابق بيانها - يكون قد أقام الحياة الزوجية على أسس لاتصلح إلا بها ،جاعلا معيار الضررالذى يولد الحق فى التفريق موضوعيا لاذاتيا ، جائلا دون وقوع علاقة - تتعدد الزوجات فيها مع الآمن من الجور - فى الضيق والحرج اللذين تحرص الشريعة الغراء على دفعهما ماوسعها الجهد إلى ذلك إعمالا لقوله تعالى "وماجعل عليكم فى الدين من حرج"، مستبعداً من مجال تطبيقه تلك الأضرار التى تعود إلى المشاعر النفسية التى تعتمل فى صدر المرأة تجاه ضرتها باعتبار أن ماقد يقع بينهما من تباغض، وماتحملانه لبعضهما من ضغائن تمتد إلى أولادهما ، مرجعها تلك الغيره الطبيعية بين إمرأتين تتزاحمان على رجل واحد، ولايخلص هو لإحداهن، وهى بعد غيرة لايمكن تنقية النفوس البشرية منها، ولم يقصد النص المطعون فيه إلى إزالتها ، ولايجوز أن تخل بمقاصد التعدد التى تربو عليها والتى يقتضيها صون عرض المرأة ونسلها حتى لاتتعرض لهوان أو ضياع أو ابتذال بما يناقض آدميتها أو يمس عفتها ويؤول - بحرمانها من زوج يرعاها - إلى عزلتها وانكفائها على نفسها بإيصاد طريقها إلى بناء أسرة تتواصل حياتها معها ، وتكون أكفل لإصلاح أمرها بما تفئ به عليها 0 وحيث إن ماقيل من أن النص المطعون فيه أجاز بمفهوم المخالفة للزوجة أن تضمن عقد زواجها شرطا بألا يتزوج زوجها عليها، منشئا بذلك قيداً جديداً على تعدد الزوجات يجاوز حدود العدل بينهن، مردود أولا: بأن إعمال النص المطعون فيه لايستقيم إلا بافتراض أن الزوجة التى تقيم دعواها للتفريق بينها وبين زوجها لازال عقد زواجها منه قائما، وأن حقها فى التفريق بينها وبين زوجها ليس معلقا على إرادتها ، بل مرتبطا بوجود ضرر محدد وفق مقاييس شرعية، ناشئا عما أتاه زوجها معها إخلالا منه بحسن العشرة بما ينافى حدود إمساكها معروفا، وهو بعد ضرر لايليق بأمثالهما ، وليس مترتبا على الزيجة اللاحقة فى ذاتها ، بل وقع بمناسبتها0 متى كان ذلك، فإن افتراض قيام المرأه التى تزوج زوجها عليها بحل عقدة النكاح بينها وبين زوجها عن طريق فسخها بإرادتها المنفردة إعمالا من جانبها لشرطها بعدم التزوج عليها - بفرض وجوده فى عقدها - يكون غير متصور فى تطبيق أحكام النص المطعون فيه ومردود ثانيا: بأن قاعده الفقه الحنبلى فيما تتضمنه العقود بوجه عام من الشروط، ومايرد منها بوجه خاص فى عقد الزواج، هو إطلاقها لاتقييدها، وإباحتها لا منعها، مالم يقم دليل شرعى على غير ذلك 0 وهم يفرعون هذه القاعده على مبدأ حرية التعاقد، وأن الناس على شروطهم لايتحولون عنها إلا شرطاً حرم حلالا أو أحل حراماً 0 وقد أجازوا -وعلى ضوء نظرتهم إلى الشروط فى الأنكحة - شرط المرأة على زوجها ألا ينقلها من دارها أو بلدها أو أن يكون ذا مال 0 وقطعوا بأن شرطها ألا يتزوج عليها لايحرم حلالا، ذلك أن فائدة هذا الشرط تعود إليها ومنفعتها فيه ، وماكان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده، وهو بعد شرط لايخل بمقاصد النكاح التى قام الدليل الشرعى على طلبها 0 وإذ كان إنفاذ العهد مسئولاً، وكان من المقرر أن مقاطع الحقوق عند الشروط ، فإن نكول زوجها عن تعهده بعدم الزواج عليها يكون مخالفا لقاعدتهم فى إطلاق الشروط وعدم تقييدها استصحابا لأصل إباحتها، وهى قاعدة عززوها بما نقل عن الرسول عليه السلام من ان " أحق ما أوفيتم به من الشروط مااستحللتم به الفروج 0"ومن ثم كان لها، - وقد اخل زوجها بشرطها - وقام الدليل بالتالى على أن رضاها - وقد كان قواما لعقد زواجها - قد احتل ، الخيار بين ابقاء علاقتها الزوجية أو حلها بفسخها 0 وحيث إنه متى كان ماتقدم -، وكان النص المطعون فيه لايعارض التعدد ، ولاينظر إليه باعتباره ذريعة إلى حرام -، ولايتوخى كذلك بلوغ غاية بذاتها يكتنفها الإثم أو يتصل بها -، وجب القول بأن الدائرة التى يعمل فى نطاقها- ، هى دائرة المضار الفعلية إذا كان مرجعها فعل أو امتناع أتاه زوجها قبلها مرتبطا بالزيجة التالية ، ومتصلا بما يكون عليه حال العشرة بينهما بعد تزوجه عليها مما لا يأذن به الشرع أو يرخص فيه 0 ومن ثم يكون هذا النص منطويا على تطبيق خاص للتطليق للضرر لإفراده صوراً بعينها يكون ذلك النص متعلقا بها منصرفا إليها ودائراً حولها0 وهو باعتباره كذلك يعد فرعا لأصل يرد إليه ، وليس للفرع امتياز على الأصل الذى يلحق به ويقتضى ذلك أن يفسر النص المطعون فيه على نحو يوفق بين أحكامه وقوله تعالى "وعاشروهن بالمعروف " وكذلك على ضوء القاعدة الكلية التى صاغها الرسول عليه السلام بقوله "لا ضرر ولاضرار "، وهى قاعدة رئيسية من أركان الشريعة الإسلامية تعددت تطبيقاتها وإن كانت مُحكمة فى إيجازها ، وتكشف عنها نصوص قرآنية مختلفة مواضعها منها قوله سبحانه " ولاتمسكوهن ضراراً لتعتدوا " وقوله جل علاه" ولاتضاروهن لتضيقوا عليهن " وقوله تعالى " فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف " وحكمها يفيد دفع الضرر قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة ، ودفعه بعد حدوثه بما يستطاع من التدابير التى تزيله. وعلى ضوئها لايجوز الإضرار - ولو على سبيل المقابلة - إذا كان ثأراً محضاً يزيد من الضرر ولايفيد إلا فى توسيع دائرته 0 كما لايجوز أن تقدم المنافع التى يمكن جلبها على مواجهة مخاطر المفاسد ودرء عواقبها 0 وعنها فرع الفقهاء عددا من القواعد التى تندرج تحتها ، وتعتبر تخريجا عليها ، منها أن الضرر يدفع قدر الإمكان ، وأن الضرر يزال ، وأن الضرر لايزال بمثله كى لايتفاقم مداه ، وأن تزاحم ضررين يقتضى اختيار أهونهما دفعا لأعظمهما ، وأن تحمل الضرر الخاص يكون مطلوبا كلما كان ذلك لازما لرد ضرر عام 0 وحيث إنه متى كان ماتقدم ، وكان المالكية قد أثبتوا حدود قاعدة " لا ضرر ولاضرار " ببيان بعض تطبيقاتها فى نطاق العلاقة الزوجية ، وبتوكيدهم أن الأضرار التى تخول الزوجة حق حل عقدة النكاح بينها وبين زوجها هى التى تكون كذلك بالمقاييس الشرعية ، ولا اعتداد فى توافرها وقيام سببها بما تراه هى صوابا أو انحرافا عن الحق ، أو بما يكون كامنا فى نفسها قبل زوجها بغضاً أو ازدراءً أو نفوراً ، وإنما مرد الأمر دوما إلى ماتقرر الشريعة الغراء اعتباره ضرراً ، وكانت هذه القاعدة التى فصلها المالكية هى الأصل العام فى التطليق للضرر ، فإن النص المطعون فيه يعتبر من تطبيقاتها ، وإن كان من قبيل التنظيم الخاص لبعض صورها ، وهو تنظيم لاينحى القاعدة العامة المنصوص عليها فى المادة 6 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 أو يعارضها ، وإنما يتقيد بإطارها العام الذى يخول كل زوجة حق التفريق بينها وبين زوجها إذا لم يعد مستطاعاً - على ضوء الأضرار التى ألحقها بها - دوام العشرة بين أمثالهما ، ولامنافاة فى ذلك كله لمبادى الشريعة الإسلامية القطعية فى ورودها ودلالتها ، بل هو التزام أمين بها ، ذلك أن مايصدر عن الزوج - إيذاء وإعناتا وقهراً - يعتبر تعديا عليها يحملها مالاتطيق ، ويخرج بالتالى عن نطاق الحماية الشرعية 0 وما النص المطعون فيه - فى نطاق الشرطين الموضوعيين اللذين أسلفنا بيانهما - إلاتفريعاً على هذا الأصل العام ، ولابد أن يٌحمل على معناه 0 وحيث إن القول بأن الشريعة العامة للتطليق للضرر تدل بشمول معناها وتنامى تطبيقاتها على اتساعها لكل صوره بما فى ذلك تلك التى عينها النص المطعون فيه ، لايعنى - وبفرض صحته - أن التنظيم الخاص الذى أفرده ذلك النص لصور بذاتها من الأضرار تكون الزيجة التالية هى مناسبة إحداثها ويجوز التفريق بين الزوجين بموجبها - قد صار مخالفا للدستور ، ذلك أن اندراج نص تشريعى معين فى المفهوم العام لنص آخر ، وإمكان الاستغناء بالتالى عن الفرع لعموم الأصل ، أوثق اتصالا بالوسائل الفنية لصياغة النصوص التشريعية ، ولاينحل من هذه الناحية وحدها - بالتالى - إلى مخالفة دستورية 0 وحيث إن من المقرر أنه إذا حددت المحكمة الدستورية العليا - بطرق الدلالة المختلفة- معنى معينا لمضمون نص تشريعى ، منتهية من ذلك إلى الحكم برفض المطاعن الدستورية الموجهة إليه ، فإن هذا المعنى يكون هو الدعامة التى قام عليها هذا الحكم ، لتمد إليه مع المنطوق الحجية المطلقة والكاملة التى أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها فى المسائل الدستورية باعتبارهما متضاممين وكلا غير منقسم 0 ولايجوز بعدئذ لآية جهة - ولو كانت قضائية - أن تعطى هذا النص معنى مغايراً يجاوز تخوم الدائرة التى يعمل فيها محدد إطارها على ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا ،وإلا كان تصرفها ساقطا ومنعدما 0 وحيث إن النص المطعون عليه - فى الحدود السالف بيانها - لايتعارض مع أحكام الدستور من أوجه أخرى 0 فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة 0 استنادا إلى الحجية المطلقة للحكم المشار إليه قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى فى القضا ايالآتية : - (1) 1 لسنة 16 قضائية دستورية بجلسة 1/01/1994• (2) لسنة 16 قضائية دستورية بجلسة 1/01/1994 • (3) 21 لسنة 13 قضائية دستورية بجلسة 1/01/1994 • (4)35 لسنة 9 قضائية دستورية بجلسة 1/01/1994 • (5) 54 لسنة 13 قضائية دستورية بجلسة 5/11/1994 • (6) 35 لسنة 15 قضائية دستورية بجلسة 5/11/1994 •
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية المادة 11 مكرراً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص بتعديل بعض أحكام الأحوال الشخصية المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية في فقراتها الأربع.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
تنص المادة 11 مكررا من القانون رقم 25 لسنه 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية _ المضافة بالمادة الأولى من القانون رقم 100 لسنه 1985، والمطعون عليها بعدم الدستورية _ على أنه [ على الزوج أن يقر فى وثيقة الزواج بحالته الأجتماعية، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين فى الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتى فى عصمته ومحال إقامتهن، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج عليها زوجها، أن تطلب الطلاق منه، وإذا لحقها ضرر مادى أو معنوى يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما، ولو لم تكن قد اشترطت عليه فى العقد ألا يتزوج عليها فإذا عجز القاضى بينهما طلقهاعليه طلقة بائنة ويسقط حق الزوجة فى طلب التطليق لهذا السبب بمضى سنه من تاريخ علمها بالزواج بأخرى، إلا كانت قد رضيت بذلك صراحة أو ضمناويتجدد حقها فى طلب التطليق كلما تزوج بأخرى وإذا كانت الزوجة الجديدة لم تعلم أنه متزوج بسواها، ثم ظهر أنه متزوج فلها أن تطلب التطليق كذلك .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
من المقرر أن المحكمة الدستورية العليا، لا يجوز أن تتنصل من اختصاص نيط بها وفقا للدستورأو القانون أو كليهما وعليها كذلك _ وبنفس القدر _ ألا تخوض فى اختصاص ليس لها، ذلك أن إنكارها لولايتها، أن تترخص فيما عهد إليها به من المسائل الدستورية كلما كان تصديها لها لازما، ولو لابستها صعوبات لهاوزنها، أو قارنتها محاذير لها خطرها بيد أن ذلك لا يعنى الاندفاع بالرقابة على الدستورية إلى أفاق تجاوز مقتضياتها أو مباشرتها دون قيود تتوازن بها، بل يجب أن تكون هذه الرقابة _ ولضمان فاعليتها _ محددة طرائقها ومداخلها، جلية أسسهاومناهجها، وأن تمارس فى إطار مجموعة من الضوابط التى تقيد المحكمة الدستوريةالعليا نفسها بها، ولا تفرضها عليها سلطة اعلى لتحد بها من حركتها، لضمان أن تكون رقابتها على الشرعية الدستورية، منحصرة فى حدودها المنطقية،فلا يكون التدخل بها مؤذنا بانفلاتها من كوابحها، بل متوازنا بما يصون موجباتها، ولا يخرجها عن حقيقة مراميها كأدارة تكفل فى آن واحد سيادة الدستور، ومباشرة السلطتين التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتها التقديرية دون عائق وبوصفها ملاذا نهائيا، وليس باعتبارها إجراء احتياطيا .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
على ضوء التنظيم المقارن للرقابة على الشرعية الدستورية، لا يجوز أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى دستورية نص تشريعى فى غير خصومة تعكس بمضمونها حقيقة التناقض بين مصالح أطرافها، ولا أن تقرر قاعدة دستورية التى يستلزمها الفصل فى النزاع المعروض عليها وليس لها كذلك، أن تباشر رقابتها القضائية على الشرعية الدستورية، كلما كان ممكنا حمل حكمها فى النزاع المطروح على أساس آخر غير الفصل فى المسائل الدستورية التى يثيرها النص المطعون فيه، وكذلك إذا كان الطاعن قد أفاد من مزاياه، أو كانت الأضرار التى رتبها هذا النص، لا تتصل بالمصالح التى تدعيها اتصالا شخصيا ومباشرا وعليها دوما _ وكشرط اولى لممارستها رقابتها على الشرعية الدستورية _ ان تستوثق مما إذا كان ممكنا تأويل النص التشريعى المطعون على على نحو يجنبها الحكم بعدم دستوريته .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
البين من النص المطعون فيه _ المادة 11 مكررا من الرسوم بقانون رقم رقم 25 لسنه 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية
_ انه خول الزوجية التى تزوج عليها زوجها _ ولو لم تكن قد اشترطت عليه الزواج ألا يتزوج عليها _ أن تطلب الطلاق منه على ضوء شرطين موضوعيين أولهما : أن يكون قد لحقها ضرر من قبل زوجها _ ماديا كان أو أدبيا _ على أن يكون هذا الضرر موصوفا من حيث آثاره، بأن يبلغ مداه درجه من الإساءة تكون معها العشرة بين أمثالهما أمرا متعذرا .
ثانيهما : أن يكون تقدير هذا الضرر عائدا إلى القاضى، وعليه ألا يطلقها من زوجها طلقة بائنة، إلا إذا عجز عن الإصلاح بينهما .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
وسواء توافر هذان الشرطان ان تخلف، فإن الحق فى رفع دعوى التطليق _ وفقا لحكام النص المطعون فيه _ مقيد بزمن معين لا يتعداه، إذ يتعين على الزوجة الساعية إلى التفريق بينها وبين زوجها، أن تلزم قيدا إجرائيا، وذلك بأن تقيم دعواها بالتفريق خلال سنه من تاريخ علمها بأن زوجها تزوج بغيرها وكذلك برضائها بالزواج الجديد صراحة أو ضمنا .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
وهذا القيد الإجرائى " أيا كان وجه الرأى فى دستوريته " لا يتعلق إلا بالزوجة التى تزوج عليها زوجها، إذ هى التى قيدها النص السابق بميعاد لرفع دعواها بطلب التفريق بينها وبين زوجها، وأعتبر فوات هذا الميعاد مسقطا للحق فيها، ومن ثم لا تقوم المصلحة الشخصية المباشرة فى الطعن عليه إلا بالنسبة إليها كذلك فإن قرره ذلك النص من نزولها عن دعواها تلك بقبولها التزوج عليها صراحة أو ضمنا، إنما يخصها دون غيرها، باعتبار أن هذا النزول الذى قرره النص المطعون فيه، قد تم بافتراض أن إرادتها قد اتجهت إليه، ومن ثم يتعلق آثاره بها وحدها .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
القول بإهدار النص المطعون فيه، للحق فى التعدد أو تقييده لهذا الحق يعتبر مرتبطا بالشرطين الموضوعيين اللذين يخولان الزوجة التى تزوج عليها طلب التطليق منه ولا يجوز بالتالى لغير زوجها المجادلة فى دستوريتهما، وإليهما تمتد مصلحة الشخصية المباشرة، التى جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أنها شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى النزاع المرتبط بها، والمطروح على محكمة الموضوع .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
من المقرر، أن الرقابة على الشرعية الدستورية، لا يستقيم موطئا لإبطال نصوص تشريعية يمكن تأويلها _ بمختلف طرق الدلالة المعتبرة _ على وجه يعصمها من المخالفة الدستورية المدعى بها، بل يجب _ وبوصفها رقابة متوازنة لا يجوز التدخل بها إلا لضرورة ملحة تقتضيها _ أن تكون مبررة بدواعيها كى لا يكحون اللجوء إليها اندفاعا، أو الاعراض عنها تراخيا .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
الأصل فى تشريع التعدد هو النصوص القرآنية، إذا يقول تعالى فيما أوحى به إلى محمد عليه السلام " وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإذا خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا " وكانت صيغة الامر، يفيد طلب وقوع المأمور به والامتناع عما يضاده، ما لم يقم دليل على وجود قرينه تصرفها عن أصل وضعها إلى الإباحة، وهو ما قرره بعض الفقهاء بقولهم أن صيغة الأمر حقيقة فى طلب الفعل كجاز فيما سواه، وأن إفادتها الإباحة بطريق المجاز يحتاج إلى قرينه، وكانت الآية السابقة لا تفيد نهيا عن الجمع بين أكثر من زوجة، ولا طلبا لازما لإتيان هذا الفعل، فإنها تكون إذنا بالتعدد .
📌 المبدأ / الفقرة (10)
من المقرر أن الله تعالى ما شرع حكما إلا لتحقيق مصالح العباد، وما أهمل مصلحة اقتضتها أحوالهم دون أن يورد فى شأنها حكما، وكان مسلما كذلك أن ما كان ثابتا بالنص هو المصلحة الحقيقية التى لا تبديل لها، وان العمل على خلافها ليس إلا تعديل على حدود الله، وكانت المصلحة التى تعارض النصوص القرآنية لا تعتبر مصلحة حقيقية، ولكنها أدخل إلى أن تكون تشهيا وانحرافا، فلا يجوز تحكيمها، وكان الله تعالى حين إذن بالتعدد، شرع ذلك لمصلحة قدرها مستجيبا بها لأحوال النفس البشرية، فأقره فى إطار من الوسطية التى تلتزم حد الاعتدال جاعلا من التعدد _ وهو ليس إلا جمعا بين أكثر من زوجة بما لا يجاوز الأربع _ حقا لكل رجل، ومحليته كل امرأة من الحرائر يستطيبها، وتحل له شرعا، ولو لم تكن يتيمة يتخرج من أكل أموالها وظلمها، بل ولو لم يكن وليا عليها، غير مقيد فى ذلك بما وراء الأمن من الجور بين من يضمهن إليه، بأعتبار أن الأصل فى المؤمن العدل بين من ينكحهن، ليكون اعون على بقاء أصل الاستقرار والاطمئنان فإن لم يأمن العدل، فعلية بواحدة لا يزيد عليها حتى لا يميل لغيرها كل الميل ومن ثم كان التعدد مقررا بنصوص قرآنية صريحة لا يرتبط تطبيقها بمناسبة نزولها ولكنها تعد تشريعا إليها لكل زمان ومكان، جوهره العدل، وهو ليس إلا قولا معروفا وامتثالا لأوامر الله تعالى مع مجانية نواهيه وكلما استقام التعدد على قاعدة العدل _ وهى قيد على الحق فيه ولا تعد سببا لنشوئه _ كان نافيا للجور والميل، واستحال أن يتمحض ظلما، او ينحل شرعا لا يؤول إعناتا، ولا وجه للقول بأن الشريعة الغراء _ وغايتها إصلاح شئون العباد وتقويمها فى تطبيقاتها العملية مصالحهم وتعارضها، لأن ما ينهانا الله عنه يكون ضرورة راجحا، وما يأمرنا به وجوبا، أو على سبيل الإباحة، وإنما يكون نفعه غالبا ولا يعتبر بالتالى قرينا لإيذاء أو مضارة ، أو سببا لأيهما، وإلا ابتعد عن مصالح العباد، وكان سعيا لما يناقضها، ومدخلا إلى مفاسد مقطوع بها، أو راجحا وقوعها بقدر الإثم الملابس لها أو المحيط بها، وهو ما ينزهه الله تعالى عنه حين أذن بالتعدد وجعل الحق فيه _ مع الأمن من الجور _ مكتملا ولو عارضته الزوجة التى على العصمة .
📌 المبدأ / الفقرة (11)
دل النص المطعون فيه - بعبارته _ على أمرين ينفيان معا، قاله مصادرته للتعدد، أو تقييد الحق فيه :
زوجها، لا يقوم على مجرد كراهيتها له أو نفورها منه لتزوجه عليها وليس لها كذلك أن تطلب فصم علاقتها بزوجها بادعاء أن اقترانه بغيرها يعتبر فى ذاته إضرارا بها، وإنما يجب عليها أن تقيم الدليل على ضررا منهيا عنه شرعا قد أصابها بفعل أو امتناع من قبل زوجها، على أن يكون هذا الضرر حقيقيا لا متوهما، واقعا لا متصورا ، ثابتا وليس مفترضا، مستقلا بعناصره عن واقعة الزواج اللاحق فى ذاتها وليس مترتبا عليها، مما لا يغتفر لتجاوزه الحدود التى تمكن التسامح فيها شرعا، منافيا لحسن العشرة بين أمتثالهما بما يخل بمقوماتها لينحل اساءة لها _ دون حق _ اتصلت أسبابها بالزيجه التالية، وكانت هى باعثها ، فإن لم تكن هذا الزيجة هى المناسبة التى وقع الضرر مرتبطا بها ، فإن حقها فى التفريق بينها وبين زوجها، يرتد إلى القاعدة العامة فى التطليق للضرر المنصوص عليها فى المادة 6 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنه 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنه 1985 _ والخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية .
متى كان ذلك، فإن النص التشريعى المطعون عليه، ولا يكون ناهيا عن التعدد أو معدلا لأحكامه _ من خلال تحويرها - بما يخرجها عن أصل وضعها إذ لو كان الامر كذلك لغدا أمرا محظورا مجرد ولوج الطريق إليه، ولكان مجرد الجمع بين امرأتين منشئا لأولاهن قرينة قانونية يفترض الضرر من خلالها ولا يجوز التدليل على عكسها، ويكون التفريق بين الزوجين بموجبها واقعا بقوة القانون وهو ما يؤول إلى إعدام السلطة التقديرية التى تملكها القاضى فى تقييم الأضرار التى تدعى الزوجية إلحاقها بها، تحديدا من جهته لأسبابها، ونظرا منه فى بواعثها وملابساتها توطئة لتقرير حكمها على ضوء المقاييس الشرعية التى لا تتغير أو تتبدل كذلك ليس فى النص المطعون فيه ما يتضمن تعليقا لآثار الزيجة التالية على إرادة الزوجة التى تعارض بقاءها، إذ لو كان لها ذلك، لساغ أن تنقض بيدها الآثار التى رتبها المشرع على عقد الزواج التالى، وأن تعطل بإرادتها سريانها فى حقها، حال أن العقود _ وإن كان تكوينها عائدا إلى إرادة أطرافها _ إلا أن آثارها من عمل المشرع .
ثانيهما : أن القاضى لا يجيبها إلى طلبها بينها وبين زوجها، بتطليقها منه طلقة بائنة، إلا إذا عجز عن الإصلاح بينهما وعليه بالتالى _ وقبل الحكم بفض علاقة الزوجية _ أن يسعى بينهما معروفا، ناظرا فى أحوالهما، مستوضحا خفاياها، وأن يلتمس لذلك كل الوسائل التى تساق إليها -توجيها وتبصيرا وتوفيقا - توطئة لرفع الزوجين مما يرجى إصلاحه بتهدئة الخواطر بينهما، وإعانتها على تجاوز مظاهر تفرقهما، بعد تقصى أسبابها، والتوصل إلى حلول يقبلانها معاولا كذلك الأمر إذا كان خلافها مع زوجها راجعا إلى مجرد الجمع عليها، إذى يكون الشاق بينهما عندئذ مترتبا على الزواج اللاحق فى ذاته، وناشئا عنه وحدة . وليس أمام القاضى فى مواجهته، إلا أحد حلين - يخرجان معا عن معنى الإصلاح وينافيان مقاصده _ أولهما : أن يلزمها النزول عن طلبها التفريق بينها وبين زوجها مع بقاء الزوجة الجديدة فى عصمته، وهو ما لن ترضاه . وثانيهما : أن يدعو زوجها إلى مفارقة زوجته الجديدة بالتخلى عنها، ولو كان راغبا فى بقاء علاقة الزوجية معها لمصلحة يقدرها وليس ذلك بحال طريق الوسطية بين مطلبين، ولا رابا للصدع بين موقفين .
📌 المبدأ / الفقرة (12)
أقام النص المطعون فيه _ بالأحكام السابق بيانها _ الحياة الزوجية على أسس لا تصلح إلا بها، جاعلا معيار الضرر الذى يولد الحق فى التفريق موضوعيا لا ذاتيا، حائلا دون وقوع علاقة _ تتعدد الزوجات فيها مع الأمن من الجور _ فى الضيق والحرج اللذين تحرص الشريعة الغراء على دفعهما ما وسعها الجهد إلى ذلك إعمالا لقولة تعالى [ وما جعل عليكم فى الدين من خرج ] مستبعدا من مجال تطبيقه تلك الأضرار التى تعود إلى المشاعر النفسية التى تعمل فى صدر المراة تجاه ضرتها، بأعتبار أن ما قد يقع بينهما من تباغض، وما تحملانه لبعضهما من ضغائن تمتد إلى أولادهما،مرجعها تلك الغيرة الطبيعية بين إمرأتين تتزاحما على رجل واحد، ولا يخلص هو لإحداهن، وهى بعد غيرة لا يمكن تنقية النفوس البشرية منها، ولم يقصد النص المطعون فيه إلى إذالتها، ولا يجوز أن تخل بمقاصد التعدد التى تربو عليها يقتضيها صون عرض المرأة ونسلها حتى لا تتعرض لهوان أو ضياع أو ابتذال بما يناقض آدميتها أو يمس عفتها، ويؤول _ بحرمانها من زوج يرعاها _ إلى عزلتها وانكفائها على نفسها، بإيصاد طريقها إلى بناء أسرة تتواصل حياتها معها، وتكون أكفل لإصلاح أمرها بما تفىء به عليها .
📌 المبدأ / الفقرة (13)
ما قيل من أن النص المطعون فيه، أجاز بمفهوم المخالفة للزوجة أن تضمن عقد زواجها شرطا بألا يتزوج زوجها عليها، منشئا بذلك قيدا جديدا على تعدد الزوجات، يجاوز حدود العدل بينهن، مردود أولا : بأن النص المطعون فيه لا يستقيم إلا بافتراض أن الزوجة التى تقيم دعواها التفريق بينها وبين زوجها، لا زال عقد زواجها منه قائما، وأن حقها فى التفريق بينها وبين زوجها ليس معلقا على إرادتها، بل مرتبطا بوجود ضرر محدد وفق مقاييس شرعية، ناشئا عما أتاه زوجها معها إخلالا منه بحس العشرة بما ينافى حدود إمساكها معروفا، وهو بعد ضرر لا يليق بأمثالهما، وليس مترتبا على الزيجة اللاحقة فى ذاتها، بل وقع بمناسبتها متى كان ذلك، فإن افتراض قيام المرأة التى تزوج زوجها عليها بحل عقدة النكاح بينها وبين زوجها، عن طريق فسخها بإرادتها المنفردة، إعمالا من جانبها لشرطها بعدم التزوج عليها _ بفرض وجوده فى عقدها _ يكون غير متصور فى تطبيق أحكام النص المطعون فيه .
ومردود ثانيا : بأن قاعدة الفقة الحنبلى فيما تتضمنه العقود بوجه عام من الشروط، وما يرد منها بوجه خاص فى عقد الزواج، هو إطلاقها لا تقييدها وإباحتها لا منعها، ما لم يقم دليل شرعى على غير ذلك. وهم يفرعون هذه القاعدة على مبدأ حرية التعاقد، وأن الناس على شروطهم لا يتحولون عنها إلا شرطا حرم حلالا أو حل حراما وقد أجازوا _ وعلى ضوء نظرتهم إلى الشروط فى الأنكحة شرط المرأة على زوجها ألا ينقلها من دارها أو بلدها أو أن يكون ذا مال وقطعوا بأن شرطها ألا يتزوج عليها، لا يحرم حلالا، ذلك أن فائدة هذا الشرط تعود إليها، ومنفعتها فيه، وما كان من مصلحة العاقد، وهو بعد شرط لا يخل بمقاصد النكاح التى قام الدليل الشرعى على طلبها . وإذ كان انفاذ العهد مسئولا وكان من المقرر أن مقاطع الحقوق عن الشروط، فإن نكول زوجها عن تعهده الزواج عليها يكون مخالفا لقاعدتهم فى إطلاق الشروط وعدم تقييدها ، استصحابا لأصل إباحتها ، وهى قاعدة عززوها بما نقل عن الرسول عليه السلام من أن [ أحق ما أوفيتم به من الشروط ، ما استحللتم به الفرج ] ومن ثم كان لها _ وبعد أن ثبت أن رضاها _ وقد كان قواما لعقد زواجها _ قد اختل بسبب إهدار زوجها لشرطها، الخيار بين إبقاء علاقاتها الزوجية، أو حلها بفسخها .
📌 المبدأ / الفقرة (14)
متى كان النص المطعون فيه لا يعارض التعدد، ولا ينظر إليه باعتباره ذريعة إلى حرام، ولا يتوخى كذلك بلوغ غاية بذاتها يكتنفها الإثم أو يتصل بها وجب القول بأن الدائرة التى يعمل فى نطاقها، هى دائرة المضار الفعلية إذا كان عليه حال العشرة بينهما بعد تزوجه عليها مما لا يأذن به الشرع أو يرخص أو رخص فيه ومن ثم يكون هذا النص منطويا على تطبيق للضرر لإفراده صورا بعينها، يكون ذلك النص متعلقا بها منصرفا إليها، ودائرا حولها وهو باعتباره كذلك يعد فرعا لأصل يرد إليه، وليس للفرع امتياز على الأصل الذى يلحق به ويقتضى ذلك أن يفسر النص المطعون فيه،على نحو يوفق بين أحكامه وقوله تعالى [وعاشروهن بالمعروف ]، وكذلك على ضوء القاعدة الكلية التى صاغها الرسول علية السلام بقولة [ لا ضرر ولا ضرار ]، وهى قاعدة رئيسية من أركان الشريعة الإسلامية تعددت تطبيقاتها، وإن كانت محكمة فى إيجازها، وتكشف عنها نصوص قرآنية مختلفة مواضعها منها قولة سبحانه [ ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ] . وقولة تعالى [ فامسكوهن أو سرحوهن بمعروف ] وحكمها يفيد دفع الضرر قبل وقوعه بطريق الوقاية الممكنة، ودفعة بعد حدوثه بعد حدوثه بما يستطاع من التدابير التى تزويله وعلى ضوئها لا يجوز الإضرار _ ولو على سبيل المقابلة _ إذا كان ثأرا محضا يزيد من الضرر ولا يفيد إلا فى توسيع دائرته كما لا يجوز أن تقدم المنافع التى تمكن جلبها، على مواجهة مخاطر المفاسد ودرء عواقبها وعنها فرع الفقهاء عددا من القواعد التى تندرج تحتها، وتعتبر تخريجا عليها، منها أن الضرر يدفع قدر الإمكان، وأن الضرر يزال، وأن الضرر لا يزال بمثله كى لا يتفاقم مداه، وان تزاحم ضررين يقتضى اختيار أهونهما، دفعا لأعظمهما، وأن تحمل الضرر الخاص يكون مطلوبا كلما كان ذلك لازما لرد ضرر عام .
📌 المبدأ / الفقرة (15)
أثبت الملكية حدود قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " ببيان بعض تطبيقاتها فى نطاق العلاقة الزوجية، وبتوكيدهم أن الأضرار التى تخول الزوجية حق حل عقدة النكاح بينها وبين زواجها، هى التى تكون كذلك بالمقاييس الشرعية، ولا اعتداد فى توافرها وقيام سببها بما تراه هى صوابا، أو ازدراء، أو نفورا، وإنما مرد الأمر دوما إلى ما تقرر الشريعة الغراء اعتباره ضررا، وكانت هذه القاعدة التى فصلها المالكية هى الأصل العام فى التطليق للضرر، فإن النص المطعون فيه يعتبر من تطبيقاتها، وإن كان من قبيل التنظيم الخاص لبعض صورها، وهو تنظيم لا ينحى القاعدة العامة المنصوص عليها فى المادة 6 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنه 1929 أو يعارضها، وإنما يتقيد بإطارها العام الذى يخول كل زوجة حق التفريق بينها وبين زوجها إذا لم يعد مستطاعا _ على ضوء الأضرار التى ألحقها بها دوام العشرة بين أمثالهما، ولا منافاة فى ذلك كله لمبادىء الشريعة الإسلامية القطعية فى ورودها ودلالتها، بل هو التزام أمين بها، ذلك أن ما يصدر عن الزوج إيذاء وإعناتا وقهرا _ يعتبر تعديا عليها يحملها ما لا تطيق، ويخرج بالتالى عن نطاق الحماية الشرعية وما النص المطعون فيه _ فى نطاق الشرطين الموضوعيين اللذين أسلفنا بيانهما _ إلا تفريعا على هذا الأصل العام، ولا بد أن يحمل على معناه .
📌 المبدأ / الفقرة (16)
القول بأن الشريعة العامة للتطليق للضرر، تدل بشمول معناها، وتنامى تطبيقاتها، على اتساعها لكل صوره، بما فى ذلك تلك التى عينها النص المطعون فيه، لا يعنى _ وبفرض صحته _ أن التنظيم الخاص الذى أفرده ذلك النص لصور بذاتها من الأضرار تكون الزيجة التالية هى مناسبة إحداثها، ويجوز التفريق بين الزوجين بموجبها، قد صار مخالفا للدستور، ذلك أن أندراج نص تشريعى معين، فى المفهوم العام لنص آخر، وإمكان الاستغناء بالتالى عن الفرع لعموم الأصل، أوثق اتصالا بالوسائل الفنية لصياغتها النصوص التشريعية، ولا ينحل من هذه الناحية وحدها _ بالتالى _ إلى مخالفة دستورية .
📌 المبدأ / الفقرة (17)
من المقرر، انه إذا حددت المحكمة الدستورية العليا _ بطريق الدلالة المختلفة _ معنى معينا لمضمون نص تشريعى، وانتهت من ذلك إلى محكمة برفض المطاعن الدستورية التى وجهت إليه، فإن هذا المعنى يكون هو الدعامة التى قام عليها هذا الحكم، لتمتد إليه _ مع المنطوق _ الحجية المطلقة والكاملة التى أسبغها قانون المحكمة الدستورية العليا على أحكامها فى المسائل الدستورية وباعتبارهما متضامنين وكلا غير منقسم ولا يجوز بعدئذ لأية جهة _ ولو كانت قضائية _ أن تعطى هذا النص معنى مغايرا يجاوز تخوم الدائرة التى يعمل فيها محددا إطارها على ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا .