⚖️ إشراف وبناء قاعدة البيانات: أ / محمد عاطف محمد (محامٍ ومطور برمجيات)
شعار الموسوعة
موسوعة الأحكام القضائية المصرية
محكمة النقض • الدستورية العليا • مجلس الدولة
الرجوع إلى صفحة البحث الرئيسية

الطعن رقم 105 لسنة 12 قضائية

المحكمة الدستورية العليا 1994-2-12 سنة المكتب الفني: 6
ملخص / وقائع الدعوى: جزاء جنائى

المبادئ القانونية المستخلصة

⚖️ تشريع - قانون الجمارك - الافعال التى اثمها بالفقرتين الاولى والثانية من المادة 121 منه - ماهيتها
⚖️ تشريع - قانون الجمارك - دلالة الفقرة الثانية من المادة 121 منه
⚖️ تحريم - سلطة المشرع فى هذا النطاق - تعديلها
⚖️ جريمة جنائية - دستور
⚖️ جزاء جنائى - تطوره - اتجاه دستورى معاصر - قيود التجريم - اساسها - ماهيتها
⚖️ جمارك - الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 - وضوح الافعال المعاقب عليها - عدم مخالفة الدستور
⚖️ جمارك - تشريع
⚖️ الحرية الفردية - دستور - درجة اليقين فى القوانين الجزائية
⚖️ دستور - المادة 66 منه - الركن المادى للجريمة
⚖️ نصوص عقابية - اسلوب صياغتها
⚖️ نصوص عقابية - الحرية الفردية
⚖️ نصوص عقابية - انبهامها - اسلوب صياغتها
⚖️ نصوص عقابية - غموضها - اثره

نص وأسباب ومنطوق الحكم

🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وعبد المجيد فياض وعدلى محمود منصور أعضاء ونجيب جمال الدين علما المفوض ورأفت محمد عبد الواحد أمين السر .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة • وحيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى الجنائية فى القضية رقم 77 لسنة 1989 جنح مالية ضد المدعى بوصف أنه فى يوم 17 من مارس سنة 1987 " بدائرة قسم عابدين " هرب البضائع المبينة وصفا وقيمة بالأوراق من آداء الرسوم الجمركية المستحقة عليها ، وكان ذلك بقصد الاتجار ، بأن قام بإدخالها الى البلاد بنظام الإعفاءات الجمركية لأغراض السياحة وتصرف فيها على خلاف الغرض الذى خصص لها ، وطلبت عقابه بالمواد 5 ، 13 ، 28 ،121، 122 124 124 كررا من قانون الجمارك الصادربالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 75 لسنة 1980 ، وبالمادتين 6 ، 22 من القانون رقم 7 لسنة 1973 بشأن المنشآت الفندقية والسياحية ، وبجلسة 30 من يناير سنة 1990 قضت محكمة الجرائم المالية الجزئية غيابيا بحبس المدعى سنتين مع الشغل وكفالة خمسمائة جنيه وغرامة ألف جنيه والزامه بدفع مبلغ ثمانمائة وواحد وثمانين ألف وثمانمائة وستة عشر جنيها وسبعين مليما كتعويض للجمارك متضمنة بدل مصادرة والمصروفات الجنائية ، ومستندة ضمن النصوص القانونية التى أقامت عليها حكمها على النص التشريعى المطعون فيه ، وقد عارض المدعى فى هذا الحكم ، ودفع أثناء نظر معارضته بجلسة 4 من ديسمبر سنة 1990 بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة (121) من قانون الجمارك المشار إليه ، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع فقد أجلت نظر المعارضة لجلسة الأول من يناير سنة 1991 مع الترخيص للمدعى بإقامة دعواه الدستورية ، فأقام الدعوى الماثلة ، وبجلسة 26 من فبراير سنة 1991 قررت المحكمة المذكورة وقف الدعوى الجنائية تعليقا لحين الفصل فى الطعن الراهن بعدم الدستورية 0 وحيث إن المادة (121) من قانون الجمارك الصادر بالقراربقانون رقم 66لسنة 1963- وبعد أن قضت هذه المحكمة بجلسة 2 من فبراير سنة 1992 فى الدعوى رقم 13 لسنة 21 قضائية "دستورية" بعدم دستورية هذه المادة فيما تضمنته فقرتها الثانية من افتراض العلم بالتهريب إذا لم يقدم من وجدت فى حيازته البضائع بقصد الاتجار المستندات الدالة على أن الضرائب الجمركية المقررة قد سددت عنها - غدت تنص على مايآتى : - فقرة أولى : " يعتبر تهريبا ادخال البضائع من أى نوع الى الجمهورية واخراجها منها بطرق غير مشروعة بدون اداء الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوعة " فقرة ثانية : " ويعتبر فى حكم التهريب حيازة البضائع الأجنبية بقصد الاتجار مع العلم بانها مهربة " 0 00000000 كما يعتبر فى حكم التهريب تقديم مستندات أو فواتير مزورة أو مصطنعة أو وضع علامات كاذبة أو اخفاء البضائع أو العلامات أو ارتكاب أى فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوعة " 0 ، كما تنص المادة 122 ن القانون ذاته ووفق القواعد المبينة فيها على معاقبة التهريب أو الشروع فيه بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين ، وذلك دون الاخلال بأية عقوبة أشد يقضى بها قانون آخر ، فضلا عن مصادرة البضائع موضوع التهريب فى جميع الأحوال 0 وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية من المادة (121) من القانون الجمركى فيما تضمنته من النص على " أو ارتكاب أى فعل آخر 000" مضمونه غير المحدد وغموضه وإمكان تأويله ، وانطوائه بالتالى على مخالفة مبدأ ألاجريمة ولاعقوبة إلا بناء على قانون الذى قررته المادة 66 من الدستور بما يقتضيه من ضرورة تحديد الجرائم تحديدا دقيقا فى نصوص قانونية واضحة تبين أركان كل منها والعقوبات المقررة لها 0 وحيث إن الجزاء الجنائى كان عبر اطوار قاتمة فى التاريخ أداة طيعة للقهر والطغيان، محققا للسلطة المستبدة اطماعها ، ومبتعدا بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية ، وكان منطقيا وضروريا ان تعمل الدول المتمدينة على ان تقيم تشريعا تها الجزائية وفق اسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة فى جوانبها الموضوعية وإلاجرائية ، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الجماعة فى تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها ، وكان لازما - فى مجال دعم هذا الاتجاه وتثبيته - ان تقرر الدساتير المعاصرة القيود التى ارتأتها على سلطان المشرع فى مجال التجريم تعبيرا عن إيمانها بأن حقوق الانسان وحرياته لايجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها ، واعترافا منها بان الحرية فى أبعادها الكاملة لاتنفصل عن حرمة الحياة ، وان الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها تفرض نظاما متكاملا يكفل للجماعة مصالحها الحيوية ، ويصون - فى اطار اهدافه - حقوق الفرد وحرياته الأساسية بما يحول دون اساءة استخدام العقوبة تشويها لاغراضها ، وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة ومقاييس أكثر إحكاما لتحديد ماهية الافعال المنهى عن ارتكابها ، بما يزيل غموضها ، وعلى نحو يجرد المحكمة من السلطة التقديرية التى تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص ، كى تظل المصلحة الاجتماعية - فى مدارجها العليا - قيدا على السلطة التشريعية تحريا للشرعية فى اعماق منابتها 0 وحيث أن الدستور أعلى قدر الحرية الفردية ، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية والتى لايمكن فصلها عنها ، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، وبما لاإخلال فيه بالحق فى تنظيمها ، وبمراعاة ان القوانين الجزائية قد تفرض على هذه الحرية - بطريق مباشر أو غير مباشر - أخطر القيود وأبلغها اثراً 0 وينبغى بالتالى - وضمانا لتلك الحرية وإرساء لأبعادها التى تمليها طبيعتها - أن تكون درجة اليقين التى تكشف أحكام هذه القوانين عنها - وكقاعدة مبدئية لاتقبل الجدل - فى أعلى مستوياتها ، وأظهر فيها منها فى غيرها 0 ولازم ذلك الا يكون النص العقابى مشوبا بالغموض vague أو متميعا overbroad 0 وحيث ان غموض النص العقابى يعنى أن يكون مضمونه خافيا على أوساط الناس بإختلافهم حول فحواه ومجال تطبيقه وحقيقة مايرمى إليه ، فلا يكون معرفاً بطريقة قاطعة بالافعال المنهى عن إرتكابها ، بل مجهلاً بها ومؤديا إلى إنبهامها 0 ومن ثم يكون إنفاذه مرتبطا بمعايير شخصية قد تخالطها الأهواء ، وهى بعد معايير مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه التى غالباً مايجاوزونها إلتواء بها أو تحريفاً لها لينال من الأبرياء 0 وبوجه خاص فإن غموض النص العقابى يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة تحدد لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لالبس فيه ، وهى قواعد لاترخص فيها وتمثل إطاراً لعملها لايجوز اقتحام حدوده 0 كذلك فإن غموض النص العقابى يحمل فى ثناياه مخاطر إجتماعية لاينبغى التهوين منها 0 ويقع ذلك لان تطبيقه يكون إنتقائياً منطوياً على التحكم فى أغلب الأحوال وأعمها ، ولأن المواطنين الذين إختلط عليهم نطاق التجريم والتوت بهم مقاصد المشرع ، يقعدون عادة - حذرالعقوبة وتوقيا لها - عن مباشرة الأفعال التى داخلتهم شبهه تأثيمها 0 وإن كان القانون بمعناه العام يسوغها 0 بل إن الإتجاه المعاصر والمقارن فى شأن النصوص العقابية يؤكد أن الأضرار المترتبة على غموضها ، لاتكمن فى مجرد التجهيل بالأفعال المنهى عنها ، بل تعود - فى تطبيقاتها - إلى عنصر أكثر خطراً وابرز أثراً ، يتمثل فى إفتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس اللازمة لضبطها والتى تحول كأصل عام بين القائمين على تنفيذها وإطلاق العنان لنزواتهم أو سوء تقديراتهم 0 وحيث إنه متى كان ذلك ، وكان الأصل فى النصوص العقابية هو أن تصاغ فى حدود ضيقة Narrowly Tailored لضمان أن يكون تطبيقها مُحكماً ، فقد صار من الحتم أن يكون تميعها محظوراً ، ذلك أن عموم عباراتها وإتساع قوالبها ، قد يصرفها إلى غير الأغراض المقصودة منها ، وهى تحض دوماً على عرقلة حقوق كفلها الدستور أو تتخذ ذريعة للإخلال بها وفى مقدمتها حرية التعبير وحرية التنقل والحق فى تكامل الشخصية وفى أن ٌُُُُيُؤمن كل فرد ضد القبض أو الإعتقال غير المشروع 0ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة وتقرير أحوال فرضها هو مما يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التى يمارسها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق وفق الأسس الموضوعية التى يراها أصون لمصالح الجماعة وأحفظ لقيمها ، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور ، ويندرج تحتها ألا يكون آمرالتجريم فُُُرُطَا 0 وهو ما يتحقق في كل حال كلما كان النص العقابى محملا بأكثر من معني ، مرهقا بأغلال تعدد تأويلاته ، مرناً متراميا على ضوء الصيغة التى افرع فيها ، مُتغولا - من خلال انفلات عباراته- حقوقاً ارساها الدستور مقتحما ضماناتها عاصفاً بها حائلا دون تنفسها بغير عائق ، ويتعين بالتالى أن يكون النص العقابى حاداً قاطعا لا يُؤذِن بتداخل معانيه أو تشابكها ، كى لا تنداح دائرة التجريم ، وليظل دوماً في إطار الدائرة التي يكفل الدستور فى نطاقها قواعد الحرية المنظمة ordered liberty 0 وحيث إنه سواء كان النص العقابي غامضاً أو متميعا ، فإن إنبهامه أو مجاوزته لغاياته، يجمعهما التجهيل بحقيقة الأفعال المنهي عنها ، وهو ما يناقض ضرورة أن تكون القيود علي الحرية الشخصية التي تفرضها القوانين الجزائية محدده بصورة يقينية لاالتباس فيها ، ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الإمتثال لها كى يدفعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم تلك المخاطرالتى تعكسها العقوبة 0 ومن ثم كان أمرا مقضيا أن تصاغ النصوص العقابية بمايحول دون إنسيابها أو القياس عليها أو تباين الآراء حول مقاصدها 0 وحيث أن الدستور فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة ومتابعة خطاها والتقيد بمناهجها التقدمية قد نص فى المادة 66 منه على أنه لاجريمة ولاعقوبة إلا بناء على قانون ، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها ، وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنا ماديا لاقوام لها بغيره يتمثل أساسا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى ، مفصحا بذلك عن أن مايركن إليه القانون الجنائي ابتداء فى زواجره ونواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه ، إيجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا ، ذلك ان العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها ، فى علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية ، إذ هى مناط التأثيم وعلته ، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها ، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض ، وهى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها ، بل إنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى ، لاتعزل المحكمة نفسها عن الواقعة محل الاتهام التى قام الدليل عليها قاطعا واضحا ، ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء ارتكابها، ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيرا خارجيا وماديا عن إرادة واعية ، ولايتصور بالتالى وفقا لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى ، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها بعيدا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية وليس النوايا التى يضمرها الانسان فى أعماق ذاته تعتبر واقعة فى منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانونا ، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال احدثتها إرادة مرتكبها ، وتم التعبير عنها خارجيا فى صورة مادية لاتخطئها العين ، فليس ثمة جريمة 0 وحيث إن القانون الجمركى الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963 قد نظم - فى المادة 121 لسنه - بفقرتيها الأولى والثانية صورا مختلفة من التهريب ، منها مايعد تهريبا حقيقيا وكاملا، ومنها مايعتبر تهريبا حكميا أجرى عليه المشرع حكم التهريب الحقيقى ، فأورد الفقرة الأولى من المادة 121 لمشار إليها لبيان الأحوال التى يكون فيها التهريب حقيقيا وتاما ، فحصرها فى ادخال البضائع من أى نوع الى جمهورية مصر العربية أو اخراجها منها بطرق غير مشروعة بدون اداء المكوس الجمركية المستحقة عليها كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوعة 0 ثم أعقبتها الفقرة الثانية التى تنظم الأحوال التى لاتكون السلعة فيها قد اجتازت حدود الدائرة الجمركية ، ولكنها تعامل باعتبار ان أفعالا بذواتها قد قارنتها ، وان اتصال هذه الأفعال بها ، يجعل احتمال تهريبها أكثر رجحانا وأدنى إلى الوقوع ، ومن ثم اختص المشرع تلك الأفعال بالتجريم ، واعتبر إتيانها جريمة تهريب تامة حكما ، وليس شروعا فى ارتكابها ، ولو لم يكن تهريب السلعة قد تم فعلا 0 وفى هذا الإطار جرى نص الفقرة الثانية من المادة 121 ن القانون الجمركى - فى اجزائها المطعون عليها - التى صاغها المشرع على النحو الأتى " ويعتبر فى حكم التهريب تقديم مستندات أو فواتير مزورة أو مصطنعة أو وضع علامات كاذبة أو إخفاء البضائع أو العلامات أو ارتكاب أى فعل أخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضاعة الممنوعة" 0 وحيث إن البين من الفقرة المطعون عليها انها تواجه السلع التى لم تزل بعد وراء الحدود الخارجية للدائرة الجمركية ، ولكن افعالا اتصلت بها ترجح احتمال تهريبها 0 وتندرج هذه الأفعال تحت فئتين : اولاهما افعال توخى المشرع بتجريمها حماية المصلحة الضريبية من خلال تأثيم كل فعل أو امتناع يلحق فى هذا النطاق الضرر بالخزانة العامة أو يعرض حقوقها للخطر وبوجه خاص فى مجال التحايل علي الواقعة المنشئة للضريبة الجمركية التي تستحق على البضاعة موضوعها أو مخالفة النظم المعمول بها لتحديد وعائها أو لضمان تحصيلها 0 وقد حدد المشرع هذه الأفعال من خلال الغرض المقصود منها ، فكلما كان ارتكابها مستهدفا التخلص من الضريبة الجمركية كلها أو بعضها ، دل ذلك علي وقوع مرتكبها فى دائرة التجريم 0 ثانيهما أفعال تغيا المشرع بتجريمها حماية المصلحة الاقتصادية للدولة فى غير مجالاتها الضريبية ، وبوجه خاص فى مجال حماية الصناعة الوطنية وتأمين انتعاشها وقد حدد المشرع هذه الأفعال كذلك بالنظر إلى مراميها ، ذلك أن مرتكبها يؤاخذ عنها قانونا كلما سعى بمقارفتها إلى مخالفة النظم المعمول بها فى شأن السلع الممنوع استيرادها أو استيرادها 0 وحيث إنه متى كان ما تقدم ، وكانت النظره الغائيه هى الجامعة بين هاتين الفئتين من الأفعال ، وكان القانون الجمركى قد توخى صون المصلحة الكامنة وراء كل منهما ، فإن من المنطقى أن يؤمن المشرع الحقوق المرتبطه بكلتيهما من خلال تجريم الأفعال التى تخل بها سواء اقترن إتيان هذه الأفعال بطرق احتيالية أم تجرد منها ، وسواء بلغ المخاطبون بالنص المطعون فيه الأغراض المنافية للقانون التى يلتمسونها أم حالت دونها عوائق الرقابة الجمركية وحواجزها 0 وحيث إن قاله التجهيل بالأفعال المعاقب عليها وفقا للفقرة المطعون عليها لامحل لها ، ذلك أن الأفعال التي انتظمتها هذه الفقرة محددة بطريقة واضحة لا التواء فيها وهى قاطعة في اتجاهها مباشرة إلى الأغراض التي توختها لتأمين المصلحة المقصودة بالحماية 0 وقد ارتبط تأثيم الفئة الثانيه من الأفعال التى نهت تلك الفقرة عن ارتكابها ، بالنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوع استيرادها أو تصديرها ، وهي نظم قائمة لم يمتد الطعن الماثل اليها أو يتناولها بالتجريح 0 أما الفئة الأولى من الأفعال التى اثمها المشرع وهي تلك التى ترمي إلي العدوان علي محض المصلحة الضريبية فقد دل الواقع العملى علي صعوبة حصرها وإيرادها واحداَ واحداَ ، ذلك أن الطرق والوسائل التى يبتدعها المكلفون بأداء الضريبة الجمركية بقصد التخلص منها ، يتعذر رصدها أو احصاؤها أوتوقعها ، وهى تتنوع في صورها تبعا لتطورالعلوم التى تحمل معها الواناَ جديده من المعرفة كان التنبؤ بها أو الإرهاص باحتمالاتها بعيداً 0 ولم يكن أمام المشرع من خيار في مجال تحديد الأفعال المنهي عنها ، إلا أن يُبينها من خلال ضابط عام لا يجهل بمضمونها أو يثيراللبس حول حقيقتها ، بل يحدد محتواها بالرجوع إلي مرماها أو الغرض المقصود منها ، جاعلاً بذلك مناط تجريمها إرتكابها بقصد التخلص من الضريبة الجمركية المقررة علي البضاعة التي يراد تهريبها 0 وقد أورد القانون الجمركى - من خلال النص المطعون عليه - صوراَ من الأفعال التي تدخل في إطار هذا المعيار العام وتعتبر من تطبيقاته ، ومن ذلك تزوير الجانى لأوراق أو اصطناعها فى شأن البضائع موضوعها ، أو وضع علامات كاذبة عليها أومحاولة اخفائها توقيا لأداء الضريبة الجمركية المقررة عليها 0 بيد أن هذه الأفعال جميعها وإن اختصها القانون الجمركي بالبيان ، إلا أنها لا تختلف فى غاياتها عن تلك التي ترمى إلي التخلص من الضريبة الجمركية بوجه آخر0 وإفراغ النص المطعون فيه علي هذا النحو تعريفا بالأفعال التى جرمها ، لايعدو أن يكون تبنياَ للقوالب الفنيه للصياغة التي يلجأ فيها المشرع إلى التعميم بعد التخصيص 0 كذلك فإن إعتداد القانون الجمركى بضابط عام يكون كاشفاَ عن ماهيه الأفعال التى حظرها ومُحَددا لمضمونها ، لا إبتداع فيه ، وليس أمرا فريداَ أو دخيلاَ ، ذلك أن القانون الجنائى وهو الشريعة العامة التي تنتظم الجرائم وتحدد عقوباتها كثيراَ مايعتمد هذا المنحي في التأثيم ، ودليل ذلك أن جريمة استيلاء الموظف العام على الأموال العامة ، وفقا لنص المادة 113 ن قانون العقوبات تتحقق بأى فعل يأتيه الجانى لانتزاع حيازتها بقصد تملكها بغير حق وبأية وسيلة يراها مؤدية إلى الحصول عليها 0 كذلك تقع جريمة القتل المنصوص عليها فى المادة 230 نه بكافة صور الاعتداء على حق الإنسان فى الحياة - وهو حق متأصل فيه - وذلك كلما كان القصد منها إزهاق الروح 0 وحيث إنه متى كان ذلك ، وكان بيان الأفعال التى عينها النص التشريعى المطعون فيه على النحو المتقدم لايناهض أحكام الدستور الذى خول السلطة التشريعية فى مجال تنظيمها للحقوق - وبما لا اخلال فيه بالمصلحة العامة - أن تحدد وفق اسس موضوعية ومن خلال النظم العقابية التى تقرها ، اركان كل جريمة دون أن يفرض عليها طرائق بذاتها لضبطها تعريفا بها، ودون إخلال بضرورة ان تكون الأفعال التى جرمتها هذه النظم قاطعة فى بيان الحدود الضيقة لنواهيها ، فلا يشوبها الغموض أو تتداخل معها أفعال مشروعة يحميها الدستور ، وكان من المقرر أن القوانين الجنائية لاتتناول إلاصور النشاط المحددة معالمها الواضحة حدودها والتى يمكن ربطها بمضار اجتماعية ، وكان القانون الجزائى معنى بالأفعال الخارجية التى تناقض المصلحة المقصودة بالحماية أو التى يمكن أن تضر بها ، وكان الركن المادى لكل جريمة يعكس التعبير الخارجى عن إرادة مرتكبها باعتبارها إرادة واعية مختارة يسيطر الفاعل من خلالها على ظروف مادية معينة ابتغاء بلوغ نتيجة إجرامية تتمثل فى الاعتداء على الحق الذى يحميه القانون ، وكانت إرادة إتيان الأفعال محل التنظيم التشريعى الماثل مع العلم بالوقائع التى تعطيها دلالتها الإجرامية هى التى يتوافر بها القصد الجنائى العام ، فإن التنظيم العقابى المطعون عليه - وقد تحقق فى الجريمة التى نص عليها ركناها المادى والمعنوى معا - لايكون مخالفا للدستور 0 فلهذه الأسباب حكمت المحكمة برفض الدعوى ، وبمصادرة الكفالة ، وألزمت المدعى المصروفات ومائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة 0
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة برفض الدعوى في طلب الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 75 لسنة 1980 وذلك فيما تضمنه من النص علي: "أو أي فعل آخر".
📌 المبدأ / الفقرة (1)
كان الجزاء الجنائى عبر أطوار قاتمة فى التاريخ أداة طيعة القهر والطغيان محققا للسلطة المستبدة أطماعها، ومبتعدا بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية وكان منطبقا وضروريا أن تعمل الدول المتمدينة، على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السلمية فى جوانبها الموضوعية والإجرائية، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الجماعة فى تفاعلها مع الامم المتحضرة واتصالها بها، وغدا لازما _ فى مجال دعم الاتجاه وتثبيته - أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التى ارتأتها على سلطان المشرع فى مجال التجريم، تعبيرا عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها لا يجوز التضحية بها غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها، واعترافا منها بأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة، وأن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تفرض نظام متكاملا يكفل للجماعة مصالحها الحيوية، ويصون - فى إطار أهدافه - حقوق الفرد وحرياته الأساسية، بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشوبها لأغراضها وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة ومقاييس أكثر إحكاما لتحديد ماهية الأفعال المنهى عن ارتكابها، بما يزيل غموضها، وعلى نحو يجرد محكمة الموضوع من السلطة التقديرية التى تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص، كى تظل المصلحة الاجتماعية _ فى مدارجها العليا _ قيدا على السلطة التشريعية، تحريا للشرعية فى أعماق منابتها .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
أعلى الدستورية قدر الحرية الفردية، فأعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية، والتى لا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والشمل توكيدا لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق فى تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجزائية قد تفرض على هذه الحرية - بطريق مباشر أو غير مباشر - أخطر القيود وأبلغها أثرا وينبغى بالتالى - وضمانا لتلك الحرية وإرساء لأبعادها التى تمليها طبيعتها _ ان تكون درجه اليقين التى تكشف أحكام هذه القوانين عنها _ وكقاعدة مبدئية لا تقبل الجدل - فى أعلى مستوياتها، واظهر فيها منها فى غيرها، ولازم ذلك ألا يكون النص العقابى بالغموض vague أو متمتعا overbroad .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
إن غموض النص العقابى يعنى أن يكون مضمونه خافيا على أوساط الناس بإختلافهم حول فحواه، ومجال تطبيقه، وحقيقة ما يرمى إليه، فلا يكون معرفا بطريقة قاطعة بالأفعال المنهى عن ارتكابها، بل مجهلا بها ومؤديا إلى إنبهامها ومن ثم يكون إنفاذه مرتبطا بمعايير شخصية قد تخالطها الأهواء، وهى بعد معايير مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه، وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه التى غالبا ما يجاوزونها إلتواء بها أو تحريفا لها لينال من الأبرياء وبوجه خاص فإن غموض النص العقابى يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة، تحدد لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه وهى قواعد لا ترخص فيها، وتمثل إطارات لعملها لا يجوز اقتحام حدوده . كذلك فن غموض النص العقابى، يحمل فى ثناياه مخاطر أجتماعية، لا ينبغى التهوين منها ويقع ذلك لأن المواطنين الذين اختلط عليهم نطاق التجريم، والتوت بهم داخلتهم شبهة تأثيمها، وإن كان القانون بمعناه العام يسوغها بل إن الاتجاه المعاصر والمقارن فى شأن النصوص العقابية، يؤكد أن الأضرار المترتبة على غموضها، لا تمكن فى مجرد التجهيل بالفعال المنهى عنها، بل تعود _ فى تطبيقاتها _ إلى عنصر أكثر خطرا، وأبرز أثرا، فى افتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس الللازمة لضبطها، والتى تحول كأصل عام بين القائمين على تنفيذها وإطلاق العنان لنزواتهم، أو سوء تقديراتهم .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
إذا كان الأصل فى النصوص العقابية، هو أن تصاغ فى حدود ضيقة Narrowly Tailored لضمان أن يكون تطبيقها محكما، فقد صار من الحتم أن يكون تميعها محضورا، ذلك أن عموم عباراتها واتساع قوالبها، قد يصرفها إلى غير الأغراض المقصودة منها، وهى تحض دوما على عرقلة حقوق كفلها الدستور، أو تتخذ ذريعة للإخلال بها، وفى مقدمتها حرية التعبير، وحرية التنقل، والحق فى تكامل الشخصية، وفى أن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشرع . ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة وتقرير أحوال فرضها هو مما يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التى يمارسها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، وفق الأسس الموضوعية التى يراها أصون لمصالح الجماعة، وأحفظ لقيمتها، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور، ويندرج تحتها ألا يكون أمر التجريم فرطا وهو ما يتحقق فى كل حال كلما كان النص العقابى محملا بأكثر من معنى، مرهقا بأغلال تعدد تأويلاته، مرنا متراميا على ضوء الصيغة التى أفرع فيها، متغولا - من خلال انفلات عباراته _ حقوقا أرساها الدستور، مقتحما ضماناتها، عاصفا بها حائلا دون تنفسها بغير عائق ويتعين بالتالى أن يكون النص العقابى حادا قاطعا لا يؤذن بتداخل معانية أو تشابكها، كى لا تنداح دائرة التجريم ن وليظل دوما فى إطار الدوائرة التى يكفل الدستور فى نطاقها، قواعد الحرية المنظمة ordered liberty .
📌 المبدأ / الفقرة (5)
أنبهام النص العقابى، أو الانحراف عن الأغراض الاجتماعية التى يتوخاها يجمعهما بحقيقة الأفعال المنهى عنها، وهو ما يناقض ضرورة أن تكون القيود على الحرية الشخصية التى تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لا التباس فيها، ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها، كى يدفعوا عن حقهم فى الحياة، وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التى تعكسها العقوبة ومن ثم كان أمرا مقتضيا أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها أو القياس عليها، أو تباين الآراء حول مقاصدها .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
الدستور فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة، ومتابعة خطاها، والتقيد بمناهجها التقدمية، قد نص فى المادة 66 منه، على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها، وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنا ماديا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسا فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى، مفصحا بذلك عن ان ما يركن إليه القانون الجنائى ابتداء فى زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، فى علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها ونفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها، وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى لا تعزل محكمة الموضوع نفسها عن الواقعة محل الاتهام التى قام الدليل عليها قاطعا واضحا، ولكنها تجيل بصرها فيها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء ارتكابها ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيرا خارجيا وماديا عن إرادة واعية ولا يتصور بالتالى وفقا لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى، ولا إقامه الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها بعيدا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته - تعتبر واقعة فى منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانون فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيا فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة .
📌 المبدأ / الفقرة (7)
نظم قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنه 1963 - فى المادة 121 منه - بفقرتيها الأولى والثانية صورا مختلفة من التهريب، منها ما يعد تهريبا حقيقيا وكاملا، ومنها ما يعتبر تهرينا حكميا أجرى عليه المشرع حكم التهريب الحقيقى، فأورد الفقرة الأولى من المادة 121 المشار إليها لبيان الأحوال التى يكون فيها التهريب حقيقيا وتاما، فحصرها فى إدخال البضائع من أى نوع إلى جمهورية مصر العربية، او إخراجها منها بطريق غير مشروعة بدون أداء المكوس الجمركية المستحقة عليها كلها أو بعضها أو المخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوعة ثم أعقبتها الفقرة الثانية التى تنظم الأحوال التى تكون السلعة فيها قد اجتازت حدود الدائرة الجمركية، ولكنها تعامل باعتبار أن أفعالا بذواتها قد قارنتها، وأن اتصال هذه الأفعال بها، يجعل احتمال تهريبها أكثر رجحانا وأدنى إلى الوقوع ومن ثم اختص المشرع تلك الأفعال بالتجريم ، واعتبر إتيانها جريمة تهريب تامة حكما، وليس شروعا فى ارتكابها، ولو لم يكن تهريب السلعة قد تم فعلا وفى هذا الإطار جرى نص الفقرة الثانية من المادة 121 من القانون الجمركى - فى أجزائها المطعون عليها _ التى صاغتها المشرع على النحو الآتى " وتعتبر فى حكم التهريب تقديم مستندات، أو فواتير مزورة ، أو مصطنعة، أو وضع علامات كاذبة أو إخفاء البضائع، أو العلامات، أو ارتكاب أى فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية كلها أو بعضها، او بالمخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضاعة الممنوعة " .
📌 المبدأ / الفقرة (8)
البين منه الفقرة المطعون عليها - السلف بيانها - أنها تواجه السلع التى لم تزل بعد وراء الحدود الخارجية للدائرة الجمركية، ولكن افتعالا اتصلت بها ترجح احتمال تهريبها وتندرج هذه الفعال تحت فئتين أولهما : أفعال توخى المشرع بتجريمها حماية المصلحة الضريبة من خلال تأثيم كل فعل، أو امتناع يلحق فى هذا النطاق الضرر بالخزانة العامة، أو يعرض حوقها للخطر، وبوجه خاص فى مجال التحايل على الواقعة المنشئة التى تستحق على البضاعة موضوعها، أو مخالفة النظم المعمول بها لتحديد وعائها أو لضمان تحصيلها وقد حدد المشرع هذه الفعال من خلال الغرض المقصود منها، فكلما كان ارتكابها مستهدفا التخلص من الضريبة الجمركية كلها أو بعضها، دل ذلك على وقوع مرتكبها فى دائرة التجريم ثانيتهما : أفعال تغيا المشرع بتجريمها حماية المصلحة الاقتصادية للدولة فى غير مجادلتها الضريبة، وبوجه خاص فى مجال حماية الصناعة الوطنية وتأمين انتعاشها وقد حدد المشرع هذه الفعال كذلك بالنظر إلى مراميها، ذلك أن مرتكبها يؤاخذ عنها قانونا كلما سعى بمفارقتها إلى مخالفة النظم المعمول بها بشان السلع الممنوع استيرادها أو تصويرها . وهاتان الفئتان من الفعال تجمعهما نظرة غائبة واحدة، ذلك أن القانون الجمركى توخى صون المصلحة الكامنة وراء كل منهما، ومن المنطقى بالتالى أن يؤمن المشرع الحقوق المرتبطة بكليتهما من خلال تجريم الأفعال التى تخل بها سواء اقترن إتيان هذه الأفعال بطرق احتيالية أم تجرد منها، وسواء بلغ المخاطبون بالنص المطعون فيه، الأغراض المنافية لقانون التى يلتمسونها، أم حالت دونها عوائق الرقابة الجمركية وحواجزها .
📌 المبدأ / الفقرة (9)
ارتبط تأثيم الفئة الثانية من الأفعال التى نهت الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك عن ارتكابها، بالنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوع استيرادها أو تصديرها، وهى نظم قائمة لم تمتد الطعن الماثل إليها أو يتناولها بالتجريح أما الفئة الأولى من الأفعال التى أثمها المشرع - وهى تلك التى ترمى إلى العدوان على محض المصلحة الضريبية - فقد دل الواقع العملى على صعوبة حصرها وإيرادها واحداواحدا . ذلك أن الطرق والوسائل التى يبتدعها المكلفون بأداء الضريبة الجمركية بقصد التخلص منها، يتعذر رصدها أو إحصاؤها أو توقعها وهى تتنوع فى صورها تبعا لتطور العلوم التى تحمل معها ألوانا جديدة من المعرفة كان التنهبؤ بها، او الإرهاص باحتمالاتها، بعيدا ولم يكن أمام المشرع من خيار فى مجال تحديد الأفعال المنهى عنها، إلا أن يبينها من خلال ضابط عام لا يجهل بمضمونها، أو يثير اللبس حول حقيقتها بل يحدد محتواها بالرجوع إلى مرماها أو الغرض المقصود منها، جاعلا بذلك مناط تجريمها ، ارتكابها بقصد التخلص من الضريبة الجمركية المقررة على البضاعة التى يراد تهريبها وقد أورد القانون الجمركى _ من خلال النص المطعون عليه - صورا من الفعال التى تدخل فى إطار هذا المعيار العام، وتعتبر من تطبيقاته، ومن ذلك تزوير الجانى لأوراق ، أو اصطناعها فى شأن البضائع موضوعها ، أو وضع علامات كاذبة عليها ، أو محاولة إخفائها ، توقيا لأداء الضريبة الجمركية المقررة عليها بيد أن هذه الأفعال جميعها، وأن اختصها القانون الجمركى بالبيان، إلا أنها لا تختلف فى غاياتها عن تلك التى ترمى إلى التخلص من الضريبة الجمركية بوجه آخر وإفراغ النص المطعون فيه على هذا النحو، تعريفا بالأفعال التى جرمها، لا يعدو أن يكون تبنيا للقوالب الفنية للصياغة التشريعية التى يلجأ فيها المشرع إلى التعميم بعد التخصيص كذلك فإن اعتداد القانون الجمركى بضابط عام يكون كاشفا عن ماهية الفعال التى حظرها ومحددا لمضمونها، لا ابتداع فيه وليس أمرا فريدا أو دخيلا ذلك أن القانون الجنائى - وهو الشريعة العامة التى تنظم الجرائم وتحدد عقوبتها _ كثيرا ما يعتمد هذا المنحى فى التأثيم ، ودليل ذلك أن جريمة استيلاء الموظف العام على الأموال العامة، وفقا لنص المادة 113 من قانون العقوبات ، تتحقق بأى فعل يأتية الجانى لانتزاع حياتها بقصد تملكها بغير حق " وبأية وسيله يراها مؤدية إلى الحصول عليها " كذلك تقع جريمة القتل المنصوص عليها فى المادة 230 من هذا القانون، " بكافة صور الاعتداء على حق الإنسان فى الحياة " - وهو حق متأصل فيه _ " وذلك كلما كان القصد منها إزهاق الروح ".
📌 المبدأ / الفقرة (10)
متى كان بيان الأفعال التى عينها النص التشريعى المطعون فيه على النحو المتقدم، لا يناهض أحكام الدستور الذى خول السلطة التشريعية فى مجال تنظيمها للحقوق _ وبما لا إخلال فيه بالمصلحة العامة - أن تحدد وفق أسس موضوعية، ومن خلال النظم العقابية التى تقررها أركان جريمة دون أن يفرض عليها طرائق بذاتها لضبطها تعريفا بها، ودون إخلال بضرورة أن تكون الأفعال التىجرمتها هذه النظم قاطعة، فى بيان الحدود الضيقة لنواهيها، فلا يشوبها الغموض أو تتداخل معها أفعال مشروعة يحميها الدستور، وكان من المقرر أن القوانين الجنائية لا تتناول إلا صور النشاط المحددة معالمها، الواضحة حدودها، والتى يمكن ربطها بمضار اجتماعية، وكان القانون الجزائى معينا بالأفعال الخارجية التى تناقض المصلحة المقصودة بالحماية، أو التى يمكن أن تضر بها، وكان الركن المادى لكل جريمة يعكس التعبير الخارجة عن إرادة مرتكبها، باعتبارها إرادة واعية مختارة يسيطر الفاعل من خلالها على ظروف مادية معينة، ابتغاء بلوغ نتيجة إجرامية تتمثل فى الاعتداء على الحق الذى يحميه القانون، وكانت إرادة إتيان الأفعال محل التنظيم التشريعى الماثل مع العلم بالوقائع التى تعطيها دلالتها الإجرامية، هى التى يتوافر بها القصد الجنائى العام، فإن التنظيم العقابى المطعون عليه _ وقد تحقق فى الجريمة التى نص عليها ركناها المادى والمعنوى معا - لا يكون مخالفا للدستور .