⚖️ إشراف وبناء قاعدة البيانات: أ / محمد عاطف محمد (محامٍ ومطور برمجيات)
شعار الموسوعة
موسوعة الأحكام القضائية المصرية
محكمة النقض • الدستورية العليا • مجلس الدولة
الرجوع إلى صفحة البحث الرئيسية

الطعن رقم 3 لسنة 10 قضائية

المحكمة الدستورية العليا 1993-1-2 سنة المكتب الفني: 5
ملخص / وقائع الدعوى: دستور

المبادئ القانونية المستخلصة

⚖️ اشتباه - تشريع
⚖️ اصل البراءة - اشتباه
⚖️ دعوى جنائية - المحاكمة المنصفة - قواعدها المبدئية - اصل البراءة - عموميته - قيامه قبل واثناء المحاكمة - مؤدى ذلك
⚖️ تشريع - اشتباه
⚖️ تشريع - بطلان العمل التشريعى بتمامه - اتصال نصوصه - قصور النصوص الباقية
⚖️ تشريع - قانون التشرد والاشتباه - بطلان مادته الخامسة - مؤداه
⚖️ جريمة - عقوبة - دستور - تشريع
⚖️ جزاء جنائى - اثره - الغرض منه تطوره - اتجاه دستورى معاصر - قيود التجريم - اساسها ماهيتها
⚖️ خضوع الدولة للقانون - جريمة
⚖️ دستور - تقيد بالمنهج التقدمى - قانونيه الجريمة والعقاب وتجريم الافعال اللاحقة - دلالة ذلك - الفعل ذاته هو مناط التأثيم - تقدير القصد الجنائى من خلال الواقعة محل الاتهام - لا جريمة دون ركن مادى
⚖️ دستور قانونية العقوبة - اليقين فى القوانين الجزائية - اساسه - قيودها على الحرية الشخصية - ضمان هذه الحرية - عدم التجهيل بالافعال - غموض النص العقابى - مؤداه الصياغة غير المتميعة

نص وأسباب ومنطوق الحكم

🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين أعضاء ومحمد خيرى طه عبد المطلب المفوض ورأفت محمد عبد الواحد أمين السر .
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة الثالثة من القانون رقم 57 لسنة 1970 وذلك فيما نصت عليه "ويعمل به من تاريخ العمل بالقانون رقم 77 لسنة 1962 المشار إليه".
📌 المبدأ / الفقرة (1)
لكل جزاء جنائى أثر مباشر يرتد إلى طبيعته و يتمثل فى حرمان الشخص من حقه فى الحياة أو من حريته أو ملكه، و لقد كان هذا الجزاء عبر أطوار قاتمة فى التاريخ أداة طيعة للقهر و الطغيان ، محققا للسلطة المستبدة أطماعها، و مبتعدا بالعقوبة عن أغراضها الإجتماعية ، و كان منطقيا و ضروريا أن تعمل الدول المتمدينة على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة فى جوانبها الموضوعية و الإجرائية ، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التى تؤمن بها الجماعة فى تفاعلها مع الأمم المتحضرة و اتصالها بها، و كان لازما - فى مجال دعم هذا الاتجاه و تثبيته - أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التى ارتأتها على سلطان المشرع فى مجال التجريم تعبيرا عن ايمانها بأن حقوق الانسان و حرياته لا يجوز التضحية بها فى غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها ، و اعترافا منها بأن الحرية فى أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة ، و أن الحقائق المريرة التى عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تفرض نظاما متكاملا يكفل للجماعة مصالحها الحيوية، و يصون - فى اطار أهدافه - حقوق الفرد و حرياته الأساسية بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويها لأغراضها. و قد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة ، و مقاييس أكثر إحكاما لتحديد ماهية الأفعال المنهى عن ارتكابها، بما يزيل غموضها، و على نحو يجرد محكمة الموضوع من السلطة التقديرية التى تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص ، كى تظل المصلحة الإجتماعية - فى مدارجها العليا - قيدا على السلطة التشريعية تحريا للشرعية فى حقيقة محتواها، و استشراقا للعدالة فى اعماق منابتها .
📌 المبدأ / الفقرة (2)
عمد الدستور- فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة و متابعة خطاها، و التقيد بمناهجها التقدمية - إلى النص فى المادة 66 من على أنه لا جريمة و لا عقوبة إلا بناء على قانون، و لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها الدستور ، دالاً بذلك على أن لكل جريمة ركنا ماديا لا قوام لها بغيره يتمثل أساسا فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى ، مفصحا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائى ابتداء فى زواجره و نواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا ، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها ، فى علاماتها الخارجية، و مظاهرها الواقعية، و خصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم و علته، و هى التى يتصور إثباتها و نفيها، و هى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، و هى التى تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها و تقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه فى مجال تقدير توافر القصد الجنائى، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الإتهام التى قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً، و لكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى حقيقة من وراء إرتكابها. و من ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً و مادياً عن إرادة واعية. و لا يتصور بالتالى وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى، و لا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم و النتائج التى أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل و محتواه. و لازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - و ليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعمال ذاته - تعتبر واقعة فى منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، و تم التعبير عنها خارجياً فى صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
الأصل وفقاً لنص المادة 66 من الدستور هو أن يكون لكل جريمة عقوبة محددة ينص القانون عليها فى صلبه، أو تتقرر - على الأقل - وفقاً للحدود التى يبينها. كذلك فإن من القواعد المبدئية التى يتطلبها الدستور فى القوانين الجزائية، أن تكون درجة اليقين التى تنتظم أحكامها فى أعلى مستوياتها، و أظهر فى هذه القوانين منها فى أية تشريعات أخرى، ذلك أن القوانين الجزائية تفرض على الحرية الشخصية أخطر القيود و أبلغها أثراً، و يتعين بالتالى - ضماناً لهذه الحرية - أن تكون الأفعال التى تؤثمها هذه القوانين محددة بصورة قاطعة بما يحول دون إلتباسها بغيرها، و بمراعاة أن تكون دوماً جلية واضحة فى بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو إنبهامها فى بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها على بينة من حقيقة الأفعال التى يتعين عليهم تجنبها. كذلك فإن غموض مضمون النص العقابى مؤداه أن يحال بين محكمة الموضوع و بين إعمال قواعد منضبطة تعين لكل جريمة أركانها و تقرر عقوبتها بما لا خفاء فيه. و هى قواعد لا ترخص فيها و تمثل إطاراً لعملها لا يجوز تجاوزه، ذلك أن الغاية التى يتوخاها الدستور هى أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة حرياته فى إطار من الضوابط التى قيدها بها. و لازم ذلك أن تكون القيود على الحرية التى تفرضها القوانين الجزائية، محددة بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلى الأمتثال لها لكى يدفعوا عن حقهم فى الحياة و كذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التى تعكسها العقوبة. و لقد كان غموض القوانين الجزائية مرتبطاً من الناحية التاريخية بإساءة إستخدام السلطة، و كان أمراً مقضياً أن يركن المشرع إلى مناهج جديدة فى الصياغة لا تنزلق إلى تلك التعبيرات المرنة أو الغامضة أو المتميعة المحملة بأكثر من معنى و التى تنداح معها دائرة التجريم بما يوقع محكمة الموضوع فى محاذير واضحة قد تنتهى بها - فى مجال تطبيقها للنصوص العقابية - إلى إبتداع جرائم لا يكون المشرع قد قصد حقيقة إلى إنشائها، و إلى مجاوزة الحدود التى إعتبرها الدستور مجالاً حيوياً لمباشرة الحقوق و الحريات التى كفلها، و هو ما يخل فى النهاية بالضوابط الجوهرية التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقاً لنص المادة 67 من الدستور.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
خاصية الوضوح و اليقين فى القوانين الجزائية، غايتها ضمان الحرية الفردية فى مواجهة التحكم، إنطلاقاً من إيمان الأمم المتحضرة بحرمة الحياة الخاصة، و بوطأة القيود التى تنال من الحرية الشخصية، لضمان أن تباشر كل دولة - فى مجال فرض العقوبة صوناً للنظام الإجتماعى - السلطة المخولة لها بمراعاة الأغراض النهائية للقوانين العقابية التى ينافيها أن تكون إدانة المتهم هدفاً مقصوداً لذاته. متى كان ذلك، فإن إنتفاء الغموض فى هذه القوانين يقع فى نطاق مجموعة القيم التى تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التى لا يجوز النزول عنها أو الإنتقاص منها.
📌 المبدأ / الفقرة (5)
جرى قضاء هذه المحكمة على أن القواعد المبدئية التى تقوم عليها المحكمة المنصفة و إن كانت إجرائية فى الأصل - إلا أن تطبيقها فى مجال الدعوى الجنائية - و على إمتداد حلقاتها - يؤثر بالضرورة فى محصلتها النهائية، و يندرج تحتها أصل البراءة كقاعدة أولية توجبها الفطرة و تفرضها حقائق الأشياء. متى كان ذلك، و كان إفتراض البراءة يمثل أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، و ليس بنوع العقوبة المقررة لها، و كان هذا الأصل يمتد إلى كل فرد سواء أكان مشتبهاً فيه أم كان متهماً بإعتباره قاعدة أساسية فى النظام الإتهامى أقرتها الشرائع جميعها - لا لتكفل بموجبها الحماية للمذنبين - و إنما لتدرأ بمقتضاها العقوبة عن كل فرد إذا كانت التهمة الموجهة إليه قد أحاطتها الشبهات بما يحول دون التيقن من مقارفة المتهم للواقعة محل الإتهام الجنائى. متى كان ذلك، و كان الإتهام الجنائى - فى ذاته - لا يزحزح أصل البراءة، بل يلازم الفرد دوماً، و لا يزايله سواء فى مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها و على إمتداد حلقاتها، و أياً كان الزمن الذى تستغرقه إجراءاتها - فقد غدا دحض أصل البراءة ممتنعاً بغير الأدلة التى تبلغ قوتها الإقناعية - فى مجال ثبوت التهمة - مبلغ الجزم و اليقين، بما لا يدع مجالاً معقولاً لشبهة إنتفائها، و بشرط أن تكون دلالتها قد إستقرت حقيقتها بحكم إستنفد طرق الطعن فيه، و صار باتاً.
📌 المبدأ / الفقرة (6)
طبقاً للمادة 5 من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 بشأن المتشردين و المشتبه فيهم، يعتبر مشتبهاً فيه كل من تزيد سنه على ثمانى عشرة سنة إذا إشتهر عنه أنه إعتاد إرتكاب بعض الجرائم أو الأفعال التى حددتها هذه المادة حصراً، و كان الإشتباه بهذا المعنى - و طبقاً لما جرى عليه القضاء فى مجال تطبيقه - ليس وصفاً دائماً أو مؤبداً، و لا يعتبر فى مبناه مرتبطاً بفعل يحس به فى الخارج، و لا هو واقعة مادية تمثل سلوكاً محدداً أتاه الجانى، و دفعها إلى الوجود، لتقام عليه الدعوى الجنائية من أجل إرتكابها، و إنما قوامه حالة خطرة كامنة فيه مرجعها إلى شيوع أمره بين الناس بإعتباره من الذين إعتادوا مقارفة جرائم و أفعال مما عينتها المادة 5 المطعون عليها، و هى حالة رتب المشرع على تحققها بالنسبة إليه محاسبته و عقابه، و أجاز التدليل عليها بالأقوال أو السوابق أو التقارير الأمنية بعد أن قدر أن جميعها تعتبر كاشفة عن الصلة بين حاضره و ماضيه، و قاطعة فى توكيد خطورته. متى كان ذلك، و كان هذا الإتجاه التشريعى يقوم على إفتراض لا محل له، و يناهض نصوص الدستور التى تعتد بالأفعال وحدها بإعتبارها مناط التأثيم و علته، و لأنها دون غيرها هى التى يجوز إثباتها و نفيها، و هى التى يتصور أن تكون محل تقدير محكمة الموضوع، و أن تكون عقيدتها بالبناء عليها، و كان لا شبهة فى أن الأقوال التى تتردد فى شأن شخص معين، و كذلك السوابق أو التقارير أياً كان وزنها، لا تنزل منزلة الأفعال التى يجوز إسنادها إلى مقارفها، و لا هى قاطعة فى إتجاه إرادته و إنصرافه إلى إرتكابها، و قد تنقصها الدقة أو تفتقر إلى الموضوعية، و كان من المقرر أنه لا يجوز - فى أية حال - أن تكون مصائر الناس معلقة على غير أفعالهم، أما أقوال الآخرين فى حقهم فلا يملكون لها دفعاً، و لا سبيل لهم عليها، لتعلقها بما شاع عنهم، و قد تحيط بهم زوراً و بهتاناً، و كان الإشتهار بالمعنى الذى يقصد إليه النص المطعون فيه يعتبر - فى ذاته - مكوناً لجريمة لا يعاصرها فعل أو أفعال بعينها، و هو فوق هذا يجهل بماهية الأفعال التى يتعين على المخاطبين بالقوانين الجزائية توقيها و تجنبها، و التى يوقعهم إرتكابها فى حومة المخالفة لنواهيها، فإن الإشتهار - وفقاً لما جرى به النص المطعون فيه - يكون بالتالى مفتقراً إلى خاصية اليقين الى لا يجوز أن تتحلل القوانين الجزائية منها، و منصرفاً كذلك إلى حالة خطرة تستمد عناصرها من السوابق أو الأقوال أو غيرها، و جميعها لا ترقى إلى مرتبة الفعل و لا يقوم هو بها، و من ثم يقصر الإشتهار عن أن يكون من الأفعال التى يجوز تجريمها وفقاً لضوابط الدستور و ضماناته التى يؤدى الإخلال بها إلى إقتحام الحرية الشخصية فى مجالاتها الحيوية، و إلى الإنتقاص من الحقوق التى كفلها الدستور فى مواجهة التسلط أو التحامل. كذلك فإنه مما يناقض إدانة الشخص على أساس الإشتهار بالمعنى السابق، إفتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه إلى أن تخلص المحكمة إلى إدانته بصفة باتة بعد إقتناعها بالأدلة الكافية على ثبوتها بما لا يدع مجالاً لشبهة إنتفائها، و هى أدلة لا تدور إلا على الأفعال التى نسبتها النيابة العامة إليه بإعتبارها ركناً مادياً فى الجريمة. و لا كذلك الإشتهار، إذ لا يؤول إلى فعل محدد يكون مادة الجريمة أو موضوعها، و إنما يقوم على مجرد حالة لا تنشئها أو تتصل بها أفعال مادية قام الدليل عليها، يعبر بها الجانى عن إرادته الواعية الجازمة، متوسلاً بها إلى بلوغ النتيجة الإجرامية التى يبتغيها.
📌 المبدأ / الفقرة (7)
الصورة الأخرى للإشتباه، و التى تقوم فى جوهرها على أحكام إدانة سابقة، فصلتها المادة 5 المطعون عليها، و ذلك فيما قررته من أن كل من تزيد سنه على ثمانى عشرة سنة، يعد مشتبهاً فيه إذا كان قد حكم عليه أكثر من مرة فى إحدى الجرائم التى عينتها هذه المادة، بما مؤاده أنه حتى فى الأحوال التى يكون فيها الإشتباه مستنداً - فى مصدره - إلى تعدد الأحكام الصادرة فى الجرائم التى حددها القانون، فإن الإشتباه يظل جريمة بلا سلوك، إذ ليس شرطاً لقيامها أن يكون قد عاصرها أو إتصل بها فعل محدد، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً. و من ثم يكون مرد الإشتباه فى هذه الصورة إلى الخطورة الناجمة عن جرائم سابقة إرتكبها شخص معين، و ليغدو الإشتباه صفة ينشئها المشرع فى نفس قابلة لها بغية التحوط لأمن الجماعة و صون نظامها. و لا مرية فى أن إعتبار الشخص مشتبهاً فيه بناء على جرائمه السابقة إنما يناهض السياسة الجنائية القويمة، إذ هو أدعى إلى إنتباذه الجماعة التى يعيش فيها، و شقه عصا الطاعة عليها. و آية ذلك أن الخطورة الناجمة عن جرائمه السابقة، و التى يراد التحوط منها صوناً لمصالح الجماعة، لا تزيد عن كونها من العوامل التى تومئ إلى إحتمال إرتكابه فى المستقبل لجريمة غير معينة، و هى بذلك ترشح لمقارفتها، و لا تقطع بالإنزلاق فيها، و لا يجوز بالتالى أن يتعلق التجريم بها، إذ ليس ثمة علاقة حتمية بين إنغماس الشخص فى جرائم سابقة، و بين ترديه فى حمأتها و العودة إليها مرة أخرى. كذلك فإنه مما يناقض إفتراض البراءة أن يدان الشخص - لا عن جريمة بذاتها أتاها و تتحدد عقوبتها بالنظر إلى ماهيتها و ظروفها - بل بناء على محض إحتمال عودته إلى الإجرام، بما مؤداه أن الخطورة الإجرامية التى يعتبر الشخص بموجبها مشتبهاً فيه، قوامها عناصر مستمدة من ماضيه، و دليلها جرائمه السابقة، إذ تعتبر كاشفة عن خطورته هذه و قاطعة بها. و من ثم تكون سوابقه دامغة لحاضره، و ملطخة لمستقبله، بل و محددة لمجراه، و مدخلاً إلى إدانته عن جريمة قوامها الحالة الخطرة فى ذاتها، و هى حالة تنشئها الجرائم السابقة التى إرتكبها، و التى تم تنفيذ عقوباتها كاملة بالنسبة إليه. و هى بعد جريمة نص القانون على أن تتخذ فى شأنها التدابير المنصوص عليها فى مادته السادسة، و جميعها تدابير سالبة للحرية لها وطأة العقوبة و خصائصها، و قد إعتبرتها مادته العاشرة مماثلة لعقوبة الحبس فى تطبيق أحكام قانون العقوبات أو أى قانون آخر. هذا بالإضافة إلى أن توقيعها فى ذاته ينطوى على معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، فقد حوكم عن جرائمه السابقة جميعها، و تم إستيفاء عقوبة كل منها، و ليس ثمة جريمة أخرى قارفها - قوامها فعل أو إمتناع - حتى تقام الدعوى الجنائية عنها، و إنما تحركها حالته الخطرة التى إفترض المشرع إرتكازها على سوابقه، و رتبها عليها. و لا ينال مما تقدم، قالة أن مواجهة النزعة الإجرامية الكامنة فيمن تتعدد سوابقه و كبحها، لازمها إعتباره مشتبهاً فيه توقياً لخطورته، ذلك أن محكمة الموضوع يكفيها أن تقدر بمناسبة الجريمة الأخيرة التى إرتكبها الجزاء الملائم لها مراعية فى ذلك ماضيه الإجرامى.
📌 المبدأ / الفقرة (8)
مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، من المبادئ التى رددتها النظم القانونية على إختلافها، و يعتبر جزءاً من الحقوق الأساسية التى تضمنها الإتفاقيات الدولية لكل إنسان، و يخل إهداره بالحرية الشخصية التى يعتبر صونها من العدوان ضمانة جوهرية لأدمية الفرد و لحقه فى الحياة، ذلك أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين. و بإستيفاء من إرتكابها للعقوبة المقدرة لها - و هى عقوبة لا يفرضها المشرع جزافاً، و إنما يفرد لكل جريمة العقوبة التى يرتئيها مناسبة لها - فإن الحق فى القصاص يكون قد بلغ غاية الأمر فيه. و قد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن خضوع الدولة للقانون محدد على ضوء مفهوم ديمقراطى، مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، و ضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان و كرامته و شخصيته المتكاملة، و يندرج تحتها طائفة من الحقوق تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كلفها الدستور فى مادته الحادية و الأربعين، و إعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لا تمس، و من بينها ألا تكون العقوبة الجنائية التى توقعها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها أو ممعنة فى قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير إنتهاج الوسائل القانونية السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد.
📌 المبدأ / الفقرة (9)
متى كان الإشبتاه فى صورتيه المشار إليهما بنص المادة 5 المطعون عليها، لا يعتبر فعلاً إتخذ مظهراً خارجياً ملموساً، و لا هو يقيد الحرية الشخصية بمراعاة الوسائل القانونية المتوافقة مع أحكام الدستور فى جوانبها الموضوعية و الإجرائية، أو يلتزم الضوابط التى أرسلتها هذه المحكمة فى شأن المحاكمة المنصفة، و من بينها إفتراض البراءة كحقيقة مستعصية على الجدل تمليها الشرعية الجنائية، و كان الإشتباه فى الصورة التى يقوم فيها على أحكام الإدانة السابقة يتمحض عن معاقبة الشخص مرتين عن فعل واحد، فإن المادة 5 المشار إليها تكون مخالفة لأحكام المواد 41،66،67 من الدستور. و لازم ذلك بطلانها، و سقوط المواد 6،13،15 من ذلك المرسوم بقانون المرتبطة بها بإعتبار أنها مترتبة عليها، و لا قوام لها بدونها، و لا يتصور إعمالها فى غيبتها، و ما كان المشرع ليقرها بمعزل عنها.
📌 المبدأ / الفقرة (10)
النصوص التى ينتظمها العمل التشريعى لا تعتبر - من زاوية العيوب الموضوعية - مهدرة بتمامها إلا إحدى حالتين: أولاهما : إذا كان فصل النصوص التى أبطلتها المحكمة عما سواها متعذراً، و كان ملحوظاً عند إقرار المشرع للنصوص جميعها ما بينها من صلة حتمية تجعل ترابطها معاً، و إتصال أجزائها ببعض، حقيقة قانونية لا مراء فيها. ثانيتهما : إذا كان متعذراً بعد إبطال المحكمة للنصوص المخالفة للدستور، أن تكفل النصوص المتبقية الوفاء بمقاصد التشريع، و غاياته.