الطعن رقم 12 لسنة 13 قضائية
المحكمة الدستورية العليا
1992-11-7
سنة المكتب الفني: 5
ملخص / وقائع الدعوى:
تموين
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ تجريم تداول احدى السلع او التعامل فيها او حيازتها بقصد الاتجار - رد هذه الافعال بعدئذ الى دائرة المشروعية بمحو صفتها الاجرامية - اثره
⚖️ تقرير وزير التموين - عقوبة على تداول بعض المواد الغذائية او التعامل فيها او حيازتها ببقصد الاتجار - اثره - لا مخالفة فيه لنص المادة 66 من الدستور
⚖️ تموين - قاعدة رجعية القانون الاصلح للمتهم
⚖️ تموين وتسعير - اختصاص وزير التموين
⚖️ دعوى دستورية - المصلحة فيها
⚖️ قاعدة رجعية القوانين الاصلح للمتهم - اساسها وغايتها
⚖️ قاعدة رجعية القوانين الاصلح للمتهم - صلتها بالنظام العام
⚖️ قاعدة رجعية القوانين الاصلح للمتهم - مؤداها
⚖️ قاعدة رجعية القوانين الاصلح للمتهم - نطاق تطبيقها
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين أعضاء ومحمد خيرى طه عبد المطلب المفوض ورأفت محمد عبد الواحد أمين السر .
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوي في طلب الحكم بعدم دستورية قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 238 لسنة 1986 بحظر تداول الياميش المستورد.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إن المادة الأولى من المرسوم رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين قد خولت وزير التموين لضمان تموين البلاد بالمواد الغذائية و غيرها، و لتحقيق العدالة فى توزيعها، أن يتخذ بقرارات يصدرها - بموافقة لجنة التموين العليا - كل أو بعض التدابير التى حددتها هذه المادة، و يندرج تحتها فرض قيود على إنتاج أية سلعة او تداولها أو استهلاكها بما فى ذلك توزيعها، و كذلك على نقلها من جهة إلى أخرى. و نصت الفقرة الرابعة من المادة 56 على أن يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها فى هذه المادة على مخالفة أحكام قرارات وزير التموين و التجارة الداخلية الصادرة تنفيذا لهذا القانون، و يجوز أن ينص فى تلك القرارات على عقوبات أقل ... . و البين من النصوص المتقدمة أن المشرع عهد إلى وزير التموين اتخاذ كل أو بعض التدابير التى نص عليها لضمان توفير المواد التموينية. و لتحقيق العدالة فى توزيعها، و خوله - فى نطاق هذه التدابير- أن يقرر عقوبة على مخالفتها تكون أقل من تلك المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 المشار إليه. و هذا النهج هو ما حتذاه كذلك المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بشئون التسعير الجبرى.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
إذ إصدر وزير التموين بمقتضى الرخصة المخولة له فى النطاق المتقدم - القرار رقم 238 لسنة 1986 مانعا بموجبه تداول الياميش المستورد - بأصنافه التى عينها فى الجدول المرافق لهذا القرار و من بينها الثمار المجمدة و المحفوظة و المجففة بكافة أنواعها - و كذلك التعامل فيها أو حيازتها بقصد الإتجار، و محيلا فى مادته الثالثة - و كجزاء على مخالفة هذا الحظر - إلى العقوبات المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، فإن وزير التموين لا يكون قد أهدر حكم المادة 66 من الدستور التى تقضى بأنه لا جريمة و لا عقوبة إلا بناء على قانون، ذلك أن المقصود من هذا النص - و على ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا - توكيد ما جرى عليه العمل من تفويض السلطة التنفيذية - فى الحدود و بالشروط التى يبينها القانون - فى أن تعين بقراراتها اللائحية بعض نواحى التجريم و العقاب، و لا تعتبر القرارات التى تصدرها الجهة التى حددها المشرع للممارسة هذا الاختصاص من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها فى المادة 108 من الدستور ، و لا هى من اللوائح التنفيذية التى نظمتها المادة 144 منه ، و إنما مرد الأمر بالنسبة إليها إلى المادة 66 من الدستور التى لا تتخلى السلطة التشريعية بموجبها كلية عن اختصاصاتها بتأثيم الأفعال التى يعد ارتكابها جريمة و تقرير العقوبة المناسبة لها، و إنما تعهد إلى السلطة التنفيذية بتحديد بعض جوانبها على ما تقدم ، و من ثم يكون قرار وزير التموين رقم 238 لسنة 1986- المطعون فيه- صادرا فى حدود التفويض المنصوص عليه فى المادة 66 من الدستور ، ملتزما أحكامه مترسما خطاه، و لا يعد تجريمه تداول بعض السلع أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد الإتجار عملا مخالفا للدستور.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
لئن كان الدستور قد نص فى المادة 66 منه على أنه لا عقاب على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون الذى ينص عليها، مقررا بموجبها قاعدة عدم رجعية القوانين العقابية، و مؤكدا كذلك هذه القاعدة بما قررته المادة 187 منه من أن الأصل فى أحكام القوانين هو سريانها من تاريخ العمل بها، و عدم جواز اعمال أثرها فيما وقع قبلها، و أنه لا خروج على هذا الأصل إلا بنص خاص ، و فى غير المواد الجنائية ، و بموافقة أغلبية أعضاء السلطة التشريعية فى مجموعهم، و ذلك توقيا لتقرير عقوبة على فعل كان مباحا حين ارتكابه، أو تغليظها على فعل كانت عقوبته أخف، و كان مبدأ عدم رجعية القوانين العقابية يقيد السلطة التشريعية إعمالاً لمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات، و صونا للحرية الشخصية بما يرد كل عدوان عليها ، إلا أن هذا المبدأ لا يعمل منفردا ، بل تكمله و تقوم إلى جانبه قاعدة أخرى هى رجعية القانون الأصلح للمتهم ، و هى قاعدة مؤداها إفادته من النصوص التى تمحو عن الفعل صفة الإجرامية ، أو تنزل بالعقوبة المفروضة جزاء على ارتكابه، إلى ما دونها.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
مؤدى رجعية النصوص العقابية الأصلح للمتهم هو سريانها بأثر رجعى - و منذ صدورها - على الجريمة التى ارتكبها من قبل، و ذلك لانتفاء الفائدة الاجتماعية التى كان يرجى بلوغها من وراء تقرير العقوبة و توقيعها عليه.
📌 المبدأ / الفقرة (5)
لئن كان الدستور لا يتضمن بين أحكامه مبدأ رجعية القوانين الأصلح للمتهم، إلا أن القاعدة التى يرتكز عليها هذا المبدأ، تفرضها المادة 41 منه، التى تقرر أن الحرية الشخصية حق طبيعى، و أنها مصونة لا تمس، ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم و العقوبة و ما اتصل به من عدم جواز تقرير رجعية النصوص العقابية، غايته حماية الحرية الفردية و صونها من العدوان عليها فى اطار من الموازنة بين موجباتها من ناحية، و ما يعتبر لازما لحماية مصلحة الجماعة و التحوط لنظامها العام من ناحية أخرى . و فى اطار هذه الموازنة و على ضوئها ، تكون رجعية القوانين الأصلح للمتهم ضرورة حتمية يقتضيها صون الحرية الفردية بما يرد عنها كل قيد غدا تقريره مفتقرا إلى أية مصلحة اجتماعية . و يتحقق ذلك بوجه خاص حين ينتقل القانون الجديد بالفعل كلية من منطقة التجريم إلى دائرة الإباحة - و هى الأصل - مقررا أن ما كان مؤثما لم يعد كذلك، و أن الفلسفة التى كان القانون القديم ينطلق منها معاقبا على كل فعل يناقضها، قد أسقطتها فلسفة جديدة اعتنقتها الجماعة فى واحد من أطوار تقدمها، بما مؤداه انتفاء الضرورة الاجتماعية الكامنة وراء إنفاذ أحكامه. و يتعين بالتالى - و كلما صدر قانون جديد يعيد الأوضاع إلى حالها قبل التجريم - أن ترد إلى أصحابها الحرية التى كان القانون القديم ينال منها، و أن يرتد هذا القانون بالتالى على عقبيه إعلاء لقيم القانون الجديد .
📌 المبدأ / الفقرة (6)
لا تخل رجعية القانون الأصلح بالنظام العام، بل هى أدعى إلى تثبيته بما يحول دون انفراط عقده، على تقدير أن إعماله منذ صدوره أكفل لحقوق المخاطبين بالقانون القديم و أصون لحرياتهم.
📌 المبدأ / الفقرة (7)
إذ كان وزير التموين - فى إطار اتجاه الدولة المتنامى خلال الحقبة الأخيرة إلى تحرير سياستها الاقتصادية من القيود التى كانت تحكم بها قبضتها على حرية ارتياد الآفاق الاقتصادية و اقتحام مجالاتها المختلفة، و من بينها التجارة الخارجية و الداخلية معاً - قد ألغى تنظيما سابقاً يقوم على حظر تداول إحدى السلع أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد الاتجار، و كان هذا التنظيم غير مقيد بفترة زمنية موقوتة، بل كان العمل به متدا فى الزمان، و كان يمكن أن يظل نفاذه قائما إلى غير حد لو لم تعدل الدولة عن فلسفتها الاقتصادية القديمة القائمة على تدخلها فى توجيه الاقتصاد القومى و إرادتها زمام الأمر فيه، و إعاقتها القطاع الخاص عن مباشرة دوره الراشد فى مجال التنمية الاقتصادية، و إعراضها عن الخضوع لقوانين السوق و آلياته، و التى كان تبنيها مؤديا إلى تعثر خطاها ، و تراجعها عن الوفاء بطموحاتها و انتكاس إرادة الإقدام التى لا بديل عنها للتقدم ، متى كان ذلك ، فإن إلغاء وزير التموين لهذا التنظيم يتحقق به معنى القانون الأصلح للمتهم.
📌 المبدأ / الفقرة (8)
إذ كان وزير التموين و التجارة الداخلية قد محا عن الافعال التى أثمها القرار المطعون فيه صفتها الإجرامية، و أدخلها فى دائرة الأفعال المباحة ، و ردها بذلك إلى المشروعية، و كان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا لقبول الدعوى الدستورية ، و مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها و بين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، و ذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، و كانت الواقعة محل الاتهام الجنائى- و التى كان القرار المطعون فيه قد أثمها - لم تعد معاقبا عليها، فإن مصلحة المدعى فى الدعوى تكون قد انتفت بعد أن غض المشرع بصره عن منهجية اقتصادية سابقة خرج القرار المطعون فيه من صلبها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى .