الطعن رقم 2487 لسنة 6 قضائية
المحكمة الإدارية العليا
1962-5-19
سنة المكتب الفني: 7
ملخص / وقائع الدعوى:
قانون
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ عقد ادارى
⚖️ مال عام
⚖️ الاضرار المادية الناتجة عن الحرب
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة الإمام الإمام الخريبى وكيل مجلس الدولة وعضوية مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب وضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبى.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إنه بعد إذ كانت المادة 9 من التقنين المدني السابق تنص في البند (رابعاً) منها على أن "البرك والمستنقعات المتصلة بالبحر مباشرة والبحيرات المملوكة للميري" تعتبر من الأملاك الميرية المخصصة للمنافع العمومية التي لا يجوز تملكها بوضع يد الغير عليها المدة المستطيلة، ولا يجوز حجزها ولا بيعها، وإنما للحكومة دون غيرها التصرف فيها بمقتضى قانون أو أمر، صدر التقنين المدني الجديد ونص في الفقرة (1) من المادة 87 منه على أن "تعتبر أموالاً عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة، والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم". وقد اشترطت هذه المادة في المال العام شرطين: (أولهما) أن يكون عقاراً كان أو منقولاً، مملوكاً للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة كالمديريات والمدن والقرى. و(الثاني) أن يكون هذا المال مخصصاً لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم (قرار جمهوري). فأوردت بذلك تعريفاً عاماً تعين بمقتضاه الأموال العامة، ويغني عن البيان المطول الذي كانت تتضمنه المادتان 9، 10 من التقنين المدني القديم. وقد أخذ المشرع في هذا التعريف بمعيار التخصيص للمنفعة العامة، وهو المعيار الذي يأخذ به الرأي الراجح في الفقه والقضاء. وقد جرت مناقشات لمشروع هذه المادة في لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ قيل فيها أن حكمها لا ينسحب على بعض ما يعتبر من الأموال العامة وفقاً للمادة 9 من التقنين المدني القديم مثل البرك والمستنقعات المستملحة المتصلة بالبحر مباشرة والبحيرات المملوكة للميري، إذ أن تخصيصها للمنفعة العامة غير واضح. ولكن انتهى الرأي إلى أن المعيار العام الذي وضعه النص سليم، وأن التزام هذا المعيار يغني عن إيراد الأمثلة، وأنه يكفي أن يقرر التقنين المدني القاعدة العامة في هذا الشأن، أما التفصيل فهو أدخل في نطاق القانون الإداري. ومعيار التخصيص للمنفعة العامة الذي أوردته المادة 87 من التقنين المدني الجديد هو ذات المعيار الذي كان مقرراً بنص المادة 9 من التقنين المدني القديم، مما يدل على أن المشرع لم يرد الخروج على الأوضاع التي استقرت في ظل هذا التقنين، ولم يقصد إلى التضييق من نطاق الأموال العامة التي كانت معتبرة كذلك في ظل النصوص القديمة، بل عمد إلى الإبقاء لها على هذه الصفة ما دامت مخصصة لخدمة الجمهور مباشرة أو لخدمة المرافق العامة سواء كانت قد أوجدتها الطبيعة بدون تدخل الإنسان، أو كانت من تهيئة الإنسان، وغني عن البيان أن الأموال العامة الطبيعية التي هيأتها صفاتها التي أوجدتها الطبيعة دون أن تتدخل فيها يد الصنعة للانتفاع بها انتفاعاً عاماً هي أوقع صور الأموال العامة. ويمكن أن تعد من هذا القبيل ملاحة بور فؤاد موضوع العقد مثار النزاع التي هي متصلة بالبحر مباشرة، ومملوكة للدولة ومخصصة لمنفعة عامة، والتي يتضح من موقعها وتحديدها وأوصافها المبينة بالعقد المشار إليه أنها تتوافر لها خصائص المال العام.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
أن عقد إيجار ملاحة بور فؤاد المبرم بين شخص إدارى هو وزارة الحربية و بين المدعى يتصل بنشاط متعلق بمرفق عام يخضع فى إدارته للرأى الأعلى للسلطة الحاكمة ، و بقوم على تمكين أحد الأشخاص من الإنفراد بإستغلال مال عام و الإستئثار به بطريقة تؤثر فى هذا المرفق ، و هو مرفق الصيد الذى يحقق للخزانة العامة للدولة مصلحة مالية ، و يسد فى الوقت ذاته حاجة عامة مشتركة بتوفيره للجمهورية غذاء شعبياً هاماً ، مستهدفاً بذلك النفع العام ، و قد تضمن ، كما يتضح من مطالعة بنوده شروطا استثنائية غير مألوفة فى القانون الخاص و أخرى تنبئ فى جملتها عن إنصراف نية الإدارة إلى إتباع أسلوب القانون العام و الأخذ بأحكامه و وسائله فى شأنه ، مستخدمة فى ذلك الإمتيازات و الحقوق المقررة لها بوصفها سلطة عامة ، و معتمدة فى تعاقدها على فكرة السلطة و على تمتعها بقسط من سيادة الدولة و سلطانها ، الأمر الذى يخضع لهذه الرابطة التى تتوافر فيها مميزات العقد الإدارى و خصائصه لأحكام القانو الإدارى و بالتالى إختصاص القضاء الإدارى .
📌 المبدأ / الفقرة (3)
أن إبرام عقد إيجار ملاحة بورفؤاد بين السلطة التنفيذية و المدعى معناه أن الإدارة إنما رأت فى تقديرها أن استغلال صيد الأسماك ، و المحار و البط و الأوز و السمان بملاحة بورفؤاد - و هو يجرى فى نطاق محصور لمدة محدودة قصيرة - لا يبلغ من الخطر و الأهمية ما يرقى به إلى مستوى المورد الطبيعى للثروة القومية . و لما كان ليس من المحتم أن يكون كل مورد طبيعى للدولة مورداً من موارد ثروتها القومية ما يمنح إستغلاله بقانون فأن عقد إيجار حق الصيد أنف الذكر المبرم بين وزارة الحربية بصفتها المهيمنة على مصلحة السواحل ومصايد الأسماك و بين المدعى يكون صحيحاً متعيناً اعمال أحكامه .
📌 المبدأ / الفقرة (4)
نصت المادة 165 من القانون المدني على أنه "إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك". وإذا كان الحادث المفاجئ في الفقه الإداري في مجال المسئولية على أساس المخاطر هو الحادث الداخلي المجهول السبب غير المتوقع الذي لا يمكن دفعه والذي يرجع مصدره إلى نشاط الإدارة في ذاته أو إلى شيء تملكه أو تستعمله، وكانت القوة القاهرة، وإن اتحدت مع الحادث المفاجئ في طبيعتها الذاتية، إنما ترجع إلى أمر خارج عن نشاط الإدارة عن الأشياء التي تملكها أو تستعملها، فإن الإجماع على أن هذه الأخيرة ومن تطبيقاتها العملية الحرب بما ينجم عنها من أحداث مادية، حتى في مذهب القائلين بمسئولية الدولة على أساس المخاطر، أو التضامن الاجتماعي، يترتب عليها انعدام علاقة السببية التي هي أحد ركني هذه المسئولية التي ركنها الثاني هو الضرر مجرداً عن الخطأ، وبالتالي عدم تحقق المسئولية، وقد يتدخل المشرع في حالات معينة من هذا القبيل فينص على مسئولية الدولة ويبين كيفية تقدير التعويض كما فعل المشرع الفرنسي في قانون 16 من أبريل سنة 1914 الخاص بمسئولية البلديات والدولة عن الأضرار الناجمة عن الثورات والهياج الشعبي، وفي قانون 17 من أبريل سنة 1919 و28 من أكتوبر سنة 1946 الخاصين بتعويض الأضرار التي خلفتها الحربان العالميتان الأولى والثانية. وعليه فلا تتقرر المسئولية إلا بالنص الصريح الذي ينشئها ويفرضها فرضاً على سبيل الاستثناء، وتكون معدومة بغيره. والواقع أنها في هذا المقام ليست في حقيقتها مسئولية بل هي ضرب من التأمين، ومثل هذا التأمين يجب أن يكون مرجعه إلى القانون. ومن ثم لزم تدخل الشارع للنص على التعويض في هذه الحالة وبيان حدوده، وقواعد تقديره، الأمر الذي لا يمكن أن يكون مرده إلى نظرية قضائية غامضة المعالم تأسيساً على قواعد العدالة المجردة، لما في ذلك من خطورة تبهظ كاهل الخزانة العامة، وقد تؤدي بميزانية الدولة إلى البوار. وقد أخذ الشارع المصري في التقنين المدني الجديد بما جرى عليه القضاء في ظل التقنين المدني السابق من أن ترتيب مسئولية الحكومة على هذه النظرية ينطوي على إنشاء لنوع من المسئولية لم يقره الشارع ولم يرده، فنص صراحة في المذكرة الايضاحية على أن المسئولية على أساس تبعة المخاطر المستحدثة لا توجد بشأنها سوى تشريعات خاصة تناولت تنظيم مسائل بلغت من النضوج ما يؤهلها لهذا الضرب من التنظيم، وفي مجال القانون الإداري لا يمكن ترتيب المسئولية على أساس تبعة المخاطر كأصل عام مقرر، بل يلزم لذلك نص تشريعي خاص. وقد أخذ التشريع المصري في حالات معينة على سبيل الاستثناء وبقوانين خاصة ببعض التطبيقات لهذه الفكرة، كالقانون رقم 88 لسنة 1942 بشأن التعويض عن التلف الذي يصيب المباني والمصانع، والمعامل والآلات الثابتة بسبب الحرب، وهو قانون مؤقت يخصص للتعويض برأس مال يتكون من موارد متعددة أهمها ضريبة تجبى من المنتفعين بهذا القانون، فهو بمثابة تأمين إجباري، ومبلغ من الميزانية العامة معادل لما يجبى من هذه الضريبة، وكالقانون رقم 29 لسنة 1944 بشأن تعويض أفراد طاقم السفن التجارية ضد أخطار الحرب، والأمر العسكري رقم 10 الصادر في 14 من نوفمبر سنة 1956 بإعانة المصابين بأضرار الحرب بمناسبة الاعتداء الثلاثي على مصر، وكالقرارين الصادرين من وزير الشئون البلدية أو القروية والشئون الاجتماعية والعمل في 22 من ديسمبر سنة 1956، 30 من مارس سنة 1957 بالأسس والقواعد الخاصة بتقدير التعويضات عن أضرار الحرب التي وقعت على النفس والمال بمدينة بورسعيد وبالمحافظات والمديريات، وكالقانون رقم 286 لسنة 1956 المعدل بالقانون رقم 398 لسنة 1956 بشأن المعاشات التي تصرف لأسر الشهداء والمفقودين أثناء العمليات الحربية. وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون الأخير أنه مستوحى من المادتين 24 و25 من الدستور اللتين تنص أولاهما على أن "تكفل الدولة وفقاً للقانون تعويض المصابين بأضرار الحرب" وتنص الثانية على أن "تكفل الدولة وفقاً للقانون تعويض المصابين بسبب تأدية واجباتهم العسكرية". وأنه بهذا القانون يكون الشارع قد كفل تعويض المصابين بأضرار الحرب هم وذويهم سواء في ذلك من توفوا أو فقدوا أو أصيبوا بإصابات تجعلهم عاجزين عن الكسب". بسبب الأعمال الحربية. وظاهر من نص المادتين 24، 25 من دستور 16 من يناير سنة 1956 آنفي الذكر أنهما تشترطان لكفالة تعويض المصابين بأضرار الحرب أو بسبب تأدية واجباتهم العسكرية صدور قانون بذلك. وقد جرى الشارع المصري على أن يعالج كل حالة من هذا القبيل بقانون يصدره بمناسبتها خاصاً بها يحدد فيه مدى التعويض بما تحتمله ميزانية الدولة وأسس تقديره. وقد حرص الشارع على أن يبين في الأمر العسكري رقم 10 لسنة 1956، وفي المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 180 لسنة 1958 في شأن عدم جواز الطعن في القرارات الصادرة من اللجنة المنصوص عليها في المادة 3 من الأمر العسكري المشار إليه أن المبالغ التي تصرف لضحايا الاعتداء الثلاثي بناء على القانون الذي قررها هي (1) من قبيل المنحة، وأنها (2) تعطى للمصابين بأضرار الحرب على سبيل الإعانة، وأنها (3) تقدر بحسب قدرة الدولة المالية، إذ جاء فيها "وفي حدود القواعد التي وردت بالقرارين المشار إليهما تألفت لجان للنظر في منح إعانات مستهدية في ذلك بقواعد تقرير التعويض واضعة نصب أعينها قدرة الدولة المالية لمواجهة هذه التكاليف التي جاءت عبئاً لم يكن في الحسبان". "وما دام قد أحيط منح هذه الإعانات بتلك الضمانات، وما دام قد روعي في منحها قدرة الخزانة على مواجهة تكاليفها فقد رؤى للصالح العام أن ينأى بقرارات الإعانات عن مجال الطعن أمام أية جهة قضائية". وما دام مناط الإعانة التي تمنح في هذه الحالة هو إمكانيات الخزانة العامة وقدرة الدولة المالية على مواجهة تكاليفها، وليس مقدار الضرر الفعلي الذي أصاب صاحب الشأن في نفسه أو ماله، فإنها لا يلزم أن تكون جابرة لهذا الضرر كله.
ومن حيث أنه متى انتفت مسئولية الدولة على الوجه المتقدم عما يصيب الأفراد من أضرار الحرب، فإنها لا تسأل عما يتحمله المتعاقد معها من الحرمان من الإنتفاع بسبب الحرب بوصفه من قبيل هذه الأضرار، ما دامت العلاقة العقدية ما تزال قائمة لم تنفصم.