الطعن رقم 18665 لسنة 61 قضائية
أحكام القضاء الإداري
2007-3-25
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد أحمد الحسيني.
نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس محاكم القضاء الإداري.
وعضوية السيدين الأستاذين المستشارين/
أحمد محمد صالح الشاذلي نائب رئيس مجلس الدولة
إبراهيم سيد أحمد الطحان نائب رئيس مجلس الدولة
وحضور السيد الأستاذ المستشار/ أحمد عبد الفتاح مفوض الدولة
وسكرتارية السيد/ سامي عبد الله سكرتير المحكمة.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
الدستور يمثل القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة, وتتبوأ هذه القواعد وتلك الأصول مقام الصدارة وتأتي على رأس قواعد النظام العام واجبة الاحترام بحسبانها المحددة دون سواها لنطاق وحدود كل سلطة من سلطات الدولة بما يحول دون تدخل سلطة فيما وسده الدستور لسلطة أخرى.
وإذا كان الدستور قد استوجب لتعديله إجراءات خاصة أوضحتها المادة (189) منه والتي وسدت إلى كل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور, واشترطت في طلب التعديل أن يتضمن تحديدا للمواد المطلوب تعديلها وأسباب هذا التعديل ثم يناقش مجلس الشعب مبدأ التعديل ويصدر قراره بشأنه بأغلبية أعضائه, وبعد الموافقة على التعديل بالأغلبية المحددة بنص المادة سالفة البيان يعرض التعديل على الشعب للاستفتاء, ويعتبر نافذا من تاريخ إعلان نتيجته.
وهذه المراحل والإجراءات جميعها بدءا من اقتراح التعديل ومرورا بموافقة مجلس الشعب وانتهاء بدعوة الشعب للاستفتاء وما تحتويه من صياغة ومضمون تعادل سن القوانين, ومن ثم تعد من قبيل الأعمال التشريعية التي تخرج عن رقابة القضاء عموما, وهذه المحكمة حال قضائها بعدم الاختصاص لا تفرط في اختصاص يدخل في ولايتها وفي ذات الوقت تحرص على أن لا تتجاوز اختصاصها المقرر دستوريا بحيث لا يتعدى على اختصاص غير مقرر لها - وذلك احتراما لصحيح حكم القانون ونزولا على اعتبارات سيادية.
وهديا على ما سلف بيانه, يضحى الطعن في قرار رئيس الجمهورية رقم 78 لسنة 2007 بدعوة الناخبين للاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور خارجا عن دائرة الاختصاص الولائي المقرر لمحاكم مجلس الدولة لتعلقه بعمل من الأعمال التشريعية, وهو ما تقضي المحكمة به دون أن ينال من ذلك أو يؤثر فيه ما آثاره المدعون والمتدخلان معهما من بطلان في إجراءات تعديل بعض مواد الدستور, وإسراع فيها, وما قيل عن تلك التعديلات من مخالفات دستورية في مضمونها على النحو السالف ذكره بالوقائع حيث إن ذلك كله يتصل بموضوع التعديلات ولا مجال لإثارته في الدعاوى الماثلة, وتقع مسئوليته السياسية على من قام به ووافق عليه بصورته المطروحة على الشعب صاحب السيادة يمارسها ويحميها بقوله الفصل وكلمته الأخيرة فيما يبديه أفراده من رأي حر حاسم ومشاركة فعلية في نداء إبداء الرأي وتلك أمور تعلو في مجملها كل رقابة بحسبان أن الاحتكام إلى الشعب يمثل قمة الممارسة الحقيقية لدور الشعب الذي هو مصدر السلطات.
المشرع الدستوري قد حرص على تأكيد حق المواطن في الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء, وارتقى في ممارسة هذا الحق إلى مرتبة الواجب الوطني وأوجب على كل سلطات الدولة العمل على تحقيقه وحفاظا على هذا الحق وتحقيقا للغرض منه فقد حماه الدستور لتعلقه بالإرادة الشعبية المعبرة عن سيادة الشعب بما أورده في المادة (88) في نص غير مسبوق لم تعرفه الدساتير المصرية من قبل فقد أخضع المشرع الدستوري عملية الاقتراع لإشراف أعضاء من هيئة قضائية بحسبانها جوهر حق الانتخاب, ولما يتمتع به أعضاء الهيئات القضائية من الحيدة بعدم الخضوع لغير ضمائرهم, الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى بلوغ الغاية المرجوة وتحقيق المصداقية المطلوبة, ويطمئن الناخب إلى أن رأيه واختياره يؤتي أكله ويصل إلى هدفه ومرماه, فيسرع بالمشاركة لمباشرة حقوقه السياسية وأداء دوره المطلوب منه تحقيقا لنهضة بلاده وتعزيزا للديمقراطية فيها.
وقد قضت المحكمة الدستورية في القضية رقم 11/13ق بجلسة 8/7/2000 بأن نص المادة (88) من الدستور قد اشترط بما لا يحتمل اللبس في تفسيره أن يتم الاقتراع - وهو مرحلة من مراحل الانتخاب والاستفتاء - تحت إشراف أعضاء من هيئة قضائية وأنه ليس ثمة تفويض من المشرع الدستوري للمشرع العادي في هذا الشأن وإنما يتعين عليه أن يلتزم بهذا القيد ضمانا لسلامة الاقتراع وتجنبا لاحتمالات الانحراف به عن حقيقته وانتهت المحكمة إلى القضاء بعدم دستورية نص الفقرة الثانية في المادة (24) من القانون رقم 73/1956 قبل تعديله بالقانون رقم 13/2000 فيما تضمنه من جواز تعيين رؤساء اللجان الفرعية من غير أعضاء الهيئات القضائية حيث كانت تنص على أنه: "يعين رؤساء اللجان العامة من بين أعضاء الهيئات القضائية في جميع الأحوال, ويعين رؤساء اللجان الفرعية من بين العاملين في الدولة أو القطاع العام, ويختارون بقدر الإمكان من بين أعضاء الهيئات القضائية...".
وتنفيذا لذلك الحكم الدستوري وإعمالا لمقتضاه الذي يعتبر ملزما لكافة سلطات الدولة وللكافة وفقا لحكم المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48/1979 فقد أصدر المشرع القانون رقم 167/2000 متضمنا استبدال نص الفقرة الثانية من المادة (24) من قانون مباشرة الحقوق السياسية وذلك بتقرير تعيين كل من رؤساء اللجان العامة والفرعية من أعضاء الهيئات القضائية, غير أن المشرع أصدر القانون رقم 1 لسنة 2002 متضمنا النص المشار إليه سلفا والذي قرر فيه تعيين رؤساء اللجان الفرعية من غير أعضاء الهيئات القضائية في غير أحوال الانتخاب لعضوية مجلس الشعب والشورى والاستفتاء المنصوص عليه في المادتين (127), (136) من الدستور وهما الخاصتين بالنزاع بين الحكومة ومجلس الشعب, وأيضا بحل مجلس الشعب, وبذلك يكون هذا النص والذي صدر القرار المطعون فيه طبقا له قد جاء ملتبسا بشبهات كثيفة من عدم الدستورية حينما أخذ بالإشراف القضائي في جانب دون الآخر وفرق بين الاستفتاءات المنصوص عليها دستوريا حيث قصر الإشراف الكامل عليها في حالتين فقط كما هو مبين آنفا, الأمر الذي يزعزع في دستوريته ومشروعيته لما يمثله من إهدار لضمانة دستورية بإشراف أعضاء الهيئات القضائية على الاستفتاء لتعديل بعض مواد الدستور, الأمر الذي لا تجد المحكمة أمامها طريقا سوى ممارستها لاختصاصها الوارد في المادة (29/أ) من قانون المحكمة الدستورية وذلك بوقف الدعاوى فيما يتعلق بالطلب الثاني وإحالة أمر الفصل في دستورية الفقرة الثانية من المادة (24) من قانون مباشرة الحقوق السياسية معدلا بالقانون رقم 1 لسنة 2002 إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فيها دون أن يمنع المحكمة سبق صدور حكم منها بهيئة مغايرة في الدعويين رقمي 26863, 27017 لسنة 59ق بجلسة 23/5/2005 برفض الدفع بعدم دستورية الفقرة المشار إليها من المادة المذكورة لقناعتها بأنه في ظل صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية 11 لسنة 13ق بجلسة 8/7/2000 فإن النص المذكور يكون قد قامت به شبهة عدم دستوريته لما سلف بيانه.