الطعن رقم 89 لسنة 18 قضائية
سوابق قضائية - الدستورية العليا
2006-2-12
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برئاسة السيد المستشار / ممدوح مرعي ....... رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي.
وحضور السيد المستشار / نجيب جمال الدين علما ....... رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن ....... أمين السر
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
المحكمـــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع -على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق-تتحصل فى أن المدعى عليهم كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 568 لسنة 1986 أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية طعنا على قرار لجنة تحديد الأجرة فى شان الطوابق التى يشغلونها بالعقار المبين بالأوراق ، كما طعن المدعون – الملاك على القرار ذاته بالدعوى رقم 572 لسنة 1986 – ندبت المحكمة خبيراً خلص فى تقريره إلى أن الطوابق المعلاة تخضع فى تقدير أجرتها للقانون رقم 136 لسنة 1981 وان أجرتها تتراوح بين 60ر79 جنيها و 90ر81 جنيها شهريا للوحدة ؛ والمحكمة قضت بما انتهى إليه الخبير ؛ طعن المدعون على ذلك الحكم بالاستئناف رقم 717 لسنة 45 قضائية الإسكندرية ، وأثناء نظره دفعوا بعدم دستورية نص المادتين 4و5 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه ، وبعد تقديرها جدية الدفع رخصت لهم محكمة الموضوع رفع الدعوى الدستورية فأقاموها ، قاصرين أسباب طعنهم عن نص المادتين 4و5 فقرة أولى من القانون رقم136لسنة 1981.
وحيث إن النصين المطعون عليهما يجريان على النحو التالى :
مادة 4- " يتولى مالك المبنى تحديد الأجرة وفقا للضوابط والمعايير والتقارير والدراسات المنصوص عليها فى المواد السابقة ويتضمن عقد الإيجار مقدار الأجرة المحددة على هذه الأسس . فإذا أبرم عقد الإيجار قبل إتمام البناء , وحددت فيه الأجرة بصفة مبدئية ، كان على مالك المبنى إخطار المستأجر بالأجرة المحددة للمكان وفقا لأحكام هذا القانون وذلك خلال ثلاثين يوما من تاريخ إتمام البناء ، وبشرط ألا تجاوز الأجرة المبدئية إلا بمقدار الخمس .
وعلى المالك أن يمكن المستأجر من الاطلاع على المستندات اللازمة لتحديد الأجرة وذلك خلال شهر من تاريخ التعاقد أو من تاريخ الإخطار بحسب الأحوال "
مادة 5/1 " إذا رأى المستأجر أن الأجرة التى حددها المالك تزيد على الحدود المنصوص عليها فى هذا القانون جاز له خلال تسعين يوماً من تاريخ التعاقد أو من تاريخ الأخطار أو من تاريخ شغله للمكان ، أن يطلب من لجنة تحديد الأجرة المختصة القيام بتحديد أجرة المكان وفقا للأسس المنصوص عليها فى هذا القانون ".
وحيث إن المدعين ينعون على النصين المطعون عليهما :
أولا :أن المالك يستقل بتحديد الأجرة وفقا لضوابط ومعايير وتقارير منصوص عليها فى القانون بما لا يجيز للجنة أعمال رأيها فى تحديد الأجرة ، لما فى ذلك من إهدار لارادة المالك وراغب الإيجار ، فى حين أخرج القانون التالى له – 4 لسنة 1996 – علاقة التأجير من نطاق القواعد الاستثنائية الآمرة وتركها خاضعة لسلطان الإرادة بما يخل بمبدأ حرية التعاقد .
ثانياً :أنهما إذ يجيزان إنقاص الأجرة بغير إرادة العاقدين إنما يناهضان مبادئ الشريعة الإسلامية التى تقضى بأن العقد شريعة المتعاقدين .
ثالثا :مساسهما بالملكية الخاصة ، وتقييدهما المالك فى غير ضرورة اجتماعية من مباشرة المكنات التى يتيحها هذا الحق ، وأهمها حقه فى احترام إرادته فى الأجرة التى حددها .
رابعا :إخلالهما بمبدأ المساواة ، إذ انحازا وأوجدا تميزا غير مبرر بمنحهما المستأجر دون المالك حق إخطار لجنة تحديد الأجرة .
خامساً :عدم ضبطهما سريان ميعاد إخطار اللجان ، بل ترك الخيار فيه للمستأجر بين تاريخ التعاقد أو الاخطار أو شغل المكان ، وإخلالهما من ثم بمبدأ تكافؤ الفرص تغليبا لجانب المستأجرين على الملاك . وحيث إن هذا النعى مردود، ذلك أن القانون وإن ألزم المالك فى تحديده المبدئى للأجرة بضوابط ومعايير وتقارير ودراسات نص عليها ، إلا أنه يبقى للجنة دور هام فى مراقبة التزام هذه الضوابط ، سيما وأن المالك يستطيع إذا ما أبرم العقد قبل إتمام البناء زيادة الأجرة المبدئية بمقدار الخمس ، وأخطار المستأجر بذلك خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إتمام البناء ، ومن أجل ذلك نصت الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة على وجوب تمكين المستأجر من الاطلاع على المستندات اللازمة لتحديد الأجرة خلال شهر من تاريخ التعاقد أو من تاريخ الإخطار بحسب الأحوال فالعبرة إذن هى بوحدة الواقعة المتخذة مبدأ للجوء إلى اللجنة ، ممثلة فى استنفاد المالك فرصته فى تقدير الأجرة تقديرا مبدئياً ، وتحقق علم المستأجر علماً يقينياً بهذا التقدير .
ولا محاجة فى هذا الشان بمبدأ حرية التعاقد ، لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة من أن المشرع يملك أن يتناول أنواعا من العقود ليحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعة ؛ وإذ يهيمن على تحديد أجرة الأماكن الخاضعة لقوانين الإيجارات الاستثنائية بتنظيم آمر ؛ بحيث لا يعدو كل اتفاق على مقدار الأجرة أن يكون تقديرا مبدئياً لا يعطل عمل القواعد الآمرة ولا يمنعها بل تظل هذه القواعد هى وحدها الحاكمة لتقديرها ؛ ولا ريب أن المشرع يملك بالمثل العدول دفعة واحدة أو تدريجياً عن هذه الفلسفة ، فإذا ما اعتنق فلسفة جديدة تدعو تحديد الأجرة لنظرية العرض والطلب اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم 4 لسنة 1996 وفى النطاق الذى حدده ؛ فلا يسرى على الأماكن الخاضعة للقوانين السابقة عليه ؛ فتلك سنة التدرج .
وحيث إن النعى فى وجهه الثانى مردود ، بما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من أن الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها معاً ، هى وحدها التى يمتنع الاجتهاد فيها لأنها تمثل من الشريعة ثوابتها التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً ، أما الأحكام غير القطعية فى ثبوتها أو فى دلالتها أو فيهما معاً ، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لتغير الزمان والمكان ، وتطور الحياة ، وتنوع مصالح العباد ؛ وهو اجتهاد وإن كان جائزاً ومندوباً من أهل الفقه ؛ فهو أوجب وأولى لولى الأمر ليواجه ما تقتضيه مصلحة الجماعة درءاً لمفسدة ، أو جلباً لمنفعة ، أو درءاً وجلباً للأمرين معاً ؛ وإذ كان الحكم القطعى الثبوت فى شأن العقود كافة ، هو النص القرآنى الكريم فى مستهل سورة المائدة : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ". وقد اختلف الفقهاء اختلافا كبيراً فيما هو المقصود بالعقد فى مدلول الآية الكريمة ، ونضحت كتب المفسرين بهذا الاختلاف بما يؤكد على ظنية دلالة هذا النص بالرغم من قطعية ثبوته ، كما رحبت الآفاق لاجتهاد الفقهاء فى أحكام عقد الإيجار سواء من حيث مدته أو من ناحية قيمة الأجرة وجواز التسعير فيها شرعاً ، فحرمه البعض بينما أجازه آخرون بل أوجبه تحقيقاً للعدل الاجتماعى ، الأمر الذى تعين معه القول بأن تدخل المشرع فى أمر تحديد الأجرة ووضع ضوابط لتقديرها بقصد علاج أزمة الإسكان وتيسير الانتفاع بالأعيان المؤجرة لغالبية المواطنين ، ومواجهة الارتفاع الفاحش فى الإيجارات ، وتحقيق للتوازن فى العلاقة بين المؤجر والمستأجر دون حيف أو جور بما يؤدى إلى مصلحة معتبرة شرعاً ، لا يكون قد خرج عن دائرة ما اجتهد فيه الفقهاء ؛ ولم يخالف حكماً شرعياً قطعى الثبوت والدلالة ؛ ومن ثم مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية بأى وجه من الوجوه .
وحيث إنه عن النعى بمساس النصين الطعينين بالملكية الخاصة ، فإنه ولئن كان الدستور قد كفل حق الملكية الخاصة ، وحوطه بسياج من الضمانات التى تصون هذه الملكية ، وتدرأ كل عدوان عليها ، إلا أنه فى ذلك كله لم يغفل الدور الاجتماعى لحق الملكية ،ومافتئ يجيز تحميلها ببعض القيود التى تقتضيها أو تفرضها ضرورة اجتماعية ، طالما لم تبلغ هذه القيود مبلغاً يصيب حق الملكية فى جوهره أو يعدمه جل خصائصه .
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد – وهى وثيقة الصلة بالحق فى الملكية – قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية، وهذه الحرية التى تعتبر حقا طبيعياً ولازما لكل إنسان يستحيل وصفها بالإطلاق ؛ بل يجوز فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية تكفل متطلباتها دون زيادة أو نقصان ؛ وفى إطار هذا التوازن تتحدد دستورية القيود التى يفرضها المشرع عليها ؛ لما كان ذلك ، وكان المشرع قد أورد بالنصين المطعون عليهما وغيرهما من مواد القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه ، تنظيما متكاملاً لتحديد أجرة الأماكن التى تسرى عليها أحكامه ؛ واضعاً أسساً وقواعد موضوعية لتقدير الأجرة ، وإجراءات تحديدها ؛ وأوكل ذلك إلى لجان إدارية تلتزم بالأسس الموضوعية التى حددها لها ، دون أن يجعل قراراتها نهائية ، وإنما أباح لذوى الشأن حق الطعن فيها أمام المحكمة الابتدائية المختصة ، ومن ثم كان لزاماً على المشرع – بما له من سلطة تقديرية – أن يتدخل بالتنظيم موازنا بين مصلحة طائفة الملاك وطائفه المستأجرين ودون عسف أو استغلال ، عن طريق وضع أسس موضوعية عادلة لتقدير الأجرة ، فإن تدخله على هذا النحو يكون مستنداً إلى ضرورة اجتماعية تبرره .
وحيث إن المساواة فى المعاملة بين طرفى العلاقة الايجارية ، تقتضى وقد أفرد التنظيم الآمر الذى وضعه المشرع لتحديد الأجرة ، أحدهما – وهو المالك – بمكنة التقدير المبدئى للأجرة بل وزيادتها بمقدار الخمس ، وأخطار المستأجر بذلك خلال ميعاد معين من تاريخ إتمام البناء ؛ أن يمكن طرفها الآخر – وهو المستأجر- من الطعن على هذا التقدير أمام لجنة تحديد الأجرة فى ميعاد معين ، وإلاصار نهائياً فهذه المفارقة مردها إلى تباين مركز الطرفين ، وإلا فهل يطعن المالك على تقدير وضعه بنفسه ، وارتضاه لأجرة الأماكن محل المنازعة ؛ بما تنهدم به مظنة التمايز بين طرفى العلاقة الإيجارية من هذا الوجه .
وحيث إن الطعن طال الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 5 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه ؛ واللتين انتظمتا المحكمة المختصة بنظر الطعن على قرارات اللجان ، واحتكمتا فى شأن استئناف أحكامها إلى القواعد العامة ، إلا أن صحيفته خلت من بيان النص الدستورى المدعى مخالفة وأوجه المخالفة ، بما يجعله غير مقبول عملاً بنص المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 .
فلهــذه الأسبــاب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى فى شقها المتعلق بالطعن بعدم دستورية نص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 5 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه وبرفض ما عدا ذلك من طلبات ، وبمصاريف الكفالة ، وألزمت المدعين المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة ،.
----------
صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره أما السيد المستشار/ محمد على سيف الدين الذى سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع على مسودة الحكم فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار/ حمدى محمد على.
⚖️ منطوق الحكم المستخلص
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى في شقها المتعلق بالطعن بعدم دستورية نص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 5 من القانون رقم 136 لسنة 1981
فقرة رقم -1
بتاريخ السابع من أغسطس سنة 1996، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلبا للحكم بعدم دستورية نص المادتين ( 4 و5 ) من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.