الطعن رقم 1594 لسنة 14 قضائية
النقض الجنائي
1945-1-8
سنة المكتب الفني: 6
ملخص / وقائع الدعوى:
بلاغ كاذب
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ عجز المبلغ عن اثبات الوقائع المبلغ عنها
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة سيد مصطفى رئيس المحكمة, وبحضور جندي عبد الملك, وأحمد محمد حسن, وأحمد علي علوبة, وأحمد فهمي إبراهيم.
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إن القول في جريمة البلاغ الكاذب بأن عجز المبلغ عن إثبات الوقائع المبلغ عنها يؤخذ دليلاً على كذبها ليس صحيحاً على إطلاقه. لأن التبليغ عن الجرائم من الحقوق المخولة للأفراد بل هي من الواجبات المفروضة عليهم. وقد نصت المادة 304ع على أنه لا يحكم بعقوبة ما على من يخبر بالصدق وعدم سوء القصد الحكام القضائيين أو الإداريين بأمر مستوجب لعقوبة فاعله. وتحقيق البلاغات والبحث عن صحتها وكذبها من شأن السلطة الموكول إليها إجراء التحقيقات الجنائية. وقد نصت المادة 29 من قانون تحقيق الجنايات على أنه: "إذا رأت النيابة العمومية من بلاغ قدم لها أو محضر محرر بمعرفة أحد رجال الضبط أو من أي إخبار وصل إليها وقوع جريمة فعليها أن تشرع في إجراءات التحقيق التي ترى لزومها لظهور الحقيقة بناء على أوامر تصدرها إليهم بذلك... ". وتلك السلطة مقرر لها في سبيل التحقيق أن تفتش المنازل والأشخاص, وأن تعاين الأمكنة وتجمع الأدلة المادية, وتندب الخبراء, وتستجوب المتهمين فتحصل منهم على أدلة لهم أو عليهم, وتسأل الشهود, سواء في ذلك من يقول عنهم مقدم البلاغ أو غيرهم, إلى آخره, مما مفاده بالبداهة أن مقدم البلاغ ليس هو وحده المطالب بالإثبات وإن كان لا مانع من سؤاله أثناء عملية التحقيق عما يكون لديه من أدلة على صحة بلاغه حتى إذا قال بعدوله عنه أو إنه لا دليل لديه على صحته, فإن النيابة تسير في إجراءاتها وتحقق الأدلة التي يوفقها عملها هي إليها. فإن انتهى تحقيقها إلى ثبوت صحة البلاغ فيها وإلا عدت الواقعة التي قدم البلاغ عنها غير ثابتة, لا على أساس أن المبلغ عجز عن إثبات بلاغه بل على أساس أنها هي لم توفق إلى الإثبات من واقع الأدلة التي حصلت عليها, ومنها ما أمكن المبلغ أن يتقدم به. ولذلك فإنه في الشرائع الأخرى لا ترفع دعوى البلاغ الكاذب على المبلغ إلا إذا ثبت عدم صحة البلاغ بقرار أو حكم قضائي يصدر بناء على تحقيق أو دعوى في خصوص الجريمة المبلغ عنها. وهذا القرار أو الحكم لا يمكن بداهة أن يكون أساسه عجز المبلغ عن إثبات بلاغه وإنما أساسه أن سلطة الاتهام لم تتوصل إلى إثبات وقوع الواقعة من المتهم. وعلى هذا فإن قياس من يقدم البلاغ عن الجريمة إلى الحكام المختصين بالتحقيق على من يقذف علناً في حق الموظفين العموميين يكون قياساً مع الفارق. لأن القانون في صدد الطعن على الموظفين قد جاء بنص صريح يوجب على من نشر المطاعن أن يقيم الدليل على صحتها, وما ذلك إلا لما ارتآه الشارع, للغرض السامي الذي قصد إلى تحقيقه, من أن مصلحة الجماعة تقضي بأن المطاعن لا يصح أن تساق علناً وجزافاً على موظفي الدولة ما لم يكن الطاعن تحت يده الدليل على صحتها. وذلك على خلاف التبليغ عن الجرائم, فإن الشارع لا يمكن أن يكون قد قصد منع التبليغ ما لم يكن المبلغ واثقاً من صحة البلاغ بناء على أدلة لديه, إذ ذلك لو كان من قصده لكان من شأنه الإضرار بالمصلحة أي إضرار. وإذن فإن المحكمة إذا رأت من الأدلة القائمة في الدعوى والتي فصلتها في حكمها أنها لا تستطيع القطع بكذب الوقائع التي تضمنها البلاغ, وأن عجز المبلغ عن إثباتها لا ينهض دليلاً على كذبها, وبناء على ذلك برأته من تهمة البلاغ الكاذب, فلا يصح أن ينعي عليها أي خطأ.
فقرة رقم -1
وحيث إن واقعة الدعوى, كما يؤخذ من الحكمين الابتدائي والاستئنافي, تتحصل في أن المطعون ضدهم الثلاثة أبلغوا مأمور مركز أجا بتاريخ 13 نوفمبر سنة 1942 بأن الطاعن يبيع السكر بثمن يزيد على السعر المقرر, وأنه يختزنه في منزله, وأنه تسلم كمية من السكر المخصصة لتجارته من المركز بتاريخ 26 سبتمبر سنة 1942 وامتنع عن بيعها, وأنهم سبق أن قدموا شكويين الأولى بتاريخ 17 سبتمبر سنة 1942 إلى مدير الدقهلية, والأخرى بتاريخ 19 سبتمبر سنة 1942 إلى رئيس النيابة فلم يعمل تحقيق فيهما. وقد اعتمد الحكم الابتدائي في القول بكذب البلاغ على أن الأشخاص الذين نسب إليهم في الشكوى المقدمة من المطعون ضدهم أنهم اشتروا بثمن يزيد على السعر المقرر وقدموا شكاوى ضد الطاعن, نفوا جميعا ما نسب إليهم إذ قالوا إنهم لم يقدموا أية شكوى ولا يعلمون أن الطاعن يبيع بثمن أزيد من السعر الجبري. كما استند إلى اعتراف المطعون ضده الأول بأنه هو الذي كتب بخطه جميع التوقيعات التي على البلاغ اعتمادا على أنه سبق أن تقدمت منه ومن باقي المطعون ضدهم شكاوى أخرى, وعلى أنه ثبت من التحقيق الذي أجراه البوليس أن التبليغ كان غير صحيح, وثبت من دفتر الطاعن أن المطعون ضده الأول اشترى منه نصف أفة من السكر بثمن لا يزيد على السعر المقرر لا أفة بثمن يزيد على ذلك السعر كما يزعم المطعون ضده المذكور. وأن الطاعن أشر في نهاية حسابه بعدم معاملة المطعون ضده المذكور في المستقبل لسوء معاملته, وأن المطعون ضده الثالث لم يستطع لا في التحقيق ولا أمام المحكمة إثبات أنه اشترى أقتي سكر من الطاعن بثمن يزيد على السعر المقرر, وأن المطعون ضده الثاني اعترف في الجلسة بأنه الكاتب للشكوى بخطه دون أن يوقع عليها بإمضائه. ثم قال إنه "يؤخذ من مجموع ما تقدم أن المتهمين الثلاثة (المطعون ضدهم) كونوا عصبة ضد المجني عليه (الطاعن) وقدموا بلاغهم الكاذب وهم يعلمون كذبه ومع سوء القصد وبنية الإضرار. وثبت كذبهم وعدم استطاعتهم تقديم أي دليل على صحة اتهامهم للمجني عليه, سواء أكان في التحقيق أم أمام هذه المحكمة, سوى أقوال أرسلوها وقد أنكرها عليهم من زعموا أنهم اشتروا من المجني عليه بالسعر الزائد قانونا" أما الحكم المطعون فيه فقد استند في قضائه بالبراءة ورفض الدعوى المدنية إلى ما قاله من: "أن الشكويين الأوليين قد أحيلتا إلى مركز أجا, وبالاستعلام عما تم فيهما رد المركز بعدم استدلاله عليهما. وأن اختفاء هاتين الشكويين وعدم معرفة ما تم بشأنهما يحول دون القطع بكذب ما جاء بهما. وأن ضياع الشكويين كان له أثره في نفوس الشاكين. من ذلك أن................ أحد الشاكين عندما سئل نفى ما أسند إلى المدعي بالحق المدني, ولما ووجه بالشكوى التي تحمل توقيعه والمرسلة إلى معالي وزير التموين أقر بصدورها منه. وأنه نسب إلى المدعي بالحق المدني (الطاعن) أنه يختزن السكر وأنه امتنع عن بيع السكر المسلم إليه في 26 سبتمبر سنة 1942. وهذه الوقائع لم يتناولها تحقيق. وأنه لأجل ثبوت جريمة البلاغ الكاذب يجب أن يثبت كذب الوقائع الواردة في البلاغ, ولا يؤخذ من عجز المدعي عن إثباتها دليل على أنها مكذوبة. خصوصا وأنه يلاحظ أن التحقيقات التي أجراها البوليس كانت قاصرة عن إظهار الحقيقة, والتحقيقات التي أجرتها محكمة أول درجة جاءت متأخرة, وأن الشكوى المؤرخة 11 سبتمبر سنة 1942 أعيدت إلى النيابة دون تحقيق. وأنه يلاحظ أن محقق البوليس كان متشبعا بكذب البلاغات إلى حد أنه أثبت ذلك في محضر تحقيق الشكوى الوحيدة التي تناولها التحقيق. وأنه تبين من كل ما تقدم أن كذب البلاغات المقدمة من المتهمين (المطعون ضدهم) غير مقطوع به. ومن ثم تكون التهمة المنسوبة إليهم على غير أساس".