الطعن رقم 28 لسنة 19 قضائية
النقض المدني
1950-5-28
سنة المكتب الفني: 1
ملخص / وقائع الدعوى:
طلبات رجال القضاء
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ عزل القضاه
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة أحمد فهمى ابراهيم وكيل المحكمة وأحمد حلمى وأحمد حسنى وفهيم ابراهيم عوض وعبد العزيز محمد ومحمدعلى رشدى وعبد المعطى خيال وسليمان ثابت وابراهيم خليل ومحمد نجيب أحمد ومصطفى فاضل .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
ومن حيث ان وقائع الدعوى تتحصل فى ان الطالب عين وكيلا للنائب العام فى الدرجة الثالثة فى 20 من ابريل سنه 1942 ثم رقى الى الدرجة الثانية فى 25 من يونية سنه 1944 وفى 15 من سبتمبر سنه 1946 عين قاضيا فى الدرجة الثانية بالمحاكم الابتدائية والحق بمحكمة قنا الكلية .
وفى 11 من مايو سنه 1947 رفعت وزارة العدل الى مجلس الوزراء مذكرة بطلب عزله لامور عزيت اليه قالت عنها انها تحرتها وثبتت لها صحتها وانها تتنافى مع كرامة القضاة ومحصلها :
أ) ان حضرته كان يثبت فى استمارات بدل السفر انه لم يكن يستعمل الاستراحات الحكومية مع انه كان يبيت باستراحة محكمة ادفو التى ندب للعمل فيها ليستولى بذلك على بدل سفره كاملا دون ان يخصم المستحق للحكومة .
ب)وانه صرف اجرا لعربات ببلدة "دشنا" حيث لا توجد عربات ، ولما ان نبهه احد كتبه الحسابات الى ان اثبات ذلك خالف الواقع كتب بدل اجرة العربة اجرة مشال مع انه اقتضى اجرة المشال فى نفس الاستمارة . وبذلك يكون قد قبض اجرة المشال مرتين ثم عاد فى استمارات لاحقه لها الى اقتضاء اجور عربات فى نفس البلدة .
ج) وانه قبض مصروفات حمالين بمحطة قنا لم يدفعها فعلا اذ انه استانف سفره بنفس القطار من مصر الى ادفو ولم يتخلف فى محطة قنا .
د) وانه اتصل بمنزل تحوطه الشبهات .
وقد استدعى الامر تحرى سيرته قبل عمله فى القضاء فثبت انه كان يعمل ببنك مصر من سنه 1933 الى سنه 1938 وانه استقال بعد ان قدمت فى حقه شكاوى تفيد عدم دفعه ثمن ما يستهلك من حاجيات ، وانه كان يواجه زوجة وكريمات جار له بما يؤدى حياءهم ، وانه بعد ان اشتغل بالمحاماه عين فى النيابة العمومية سنه 1942 ولم تكن سيرته فيها باحسن منها فى بنك مصر اذ شكا اهالى مركز العياط ، حيث كان يعمل ، من تصرفاته فى تحقيق بعض القضايا ونسبوا اليه الرشوة واتصاله بالنساء وقد قال عنه حضرة المحامى العام انه منذ كان يعمل معه كان يحوم حوله كثير من الشبهات .
وقد بان من التفتيش على عمله القضائى انه ضعيف فى قضائه .
ونظرا الى ان هذا فى مجموعه لا يتفق وما يجب ان يكون عليه القاضى من خلق وعلم بنص المادة 10 من القانون رقم 66 لسنه 1943 " استقلال القضاء " التى تجيز عزل القاضى قبل انقضاء ثلاث سنوات من تاريخ تعيينه ، عرضت وزارة العدل امر الطالب على مجلس القضاة الاعلى وفقا لاحكام المادة 11 من القانون المشار اليه بمذكرة مفصلة ، فكان قراره فى 6 من جمادى الاخر سنه 1366 الموافق 27 من ابريل سنه 1947 ، الموافقة على عزله .
وفى 19 من مايو سنه 1947 صدر مرسوم بعزل الطالب من وظيفته ، وفى 27 من الشهر المذكور صدر قرار وزارى تنفيذا لهذا المرسوم باعتبار عزله ابتداء من التاريخ التالى لاعلانه كتابة بهذا القرار ورفع اسمه من سجل قيد اسماء رجال القضاء فى المحاكم الابتدائية من التاريخ المذكور .
ومن حيث انه ثابت من مطالعة ملف الطالب السرى ، المقدم من وزارة العدل ، ان الوزير طلب فى ابريل سنه 1947 الى رئيس مجلس القضاة الاعلى عرض امر الطالب على المجلس للنظر فى حالته والبت فى صلاحيته للبقاء فى منصبه بالتطبيق لاحكام المادة 11 من قانون استقلال القضاة رقم 66 لسنه 1943 . وقد ارفق الوزير بكتابة هذا مذكرة - عن حالة الطالب - متضمنه ما هو منسوب اليه مستخلصه مما اجرة حضرة وكيل التفتيش القضائى بوزارة العدل من تحريات . وبعد ان اطلع مجلس القضاء الاعلى على هذه المذكرة والتحريات المرافقة لها ، وافق على العزل فى 27 من ابريل سنه 1947 .
ومن حيث ان الطالب يطلب القضاء له : ( اولا ) باحالة الدعوى على التحقيق لاثبات عدم صحة الوقائع المنسوبة اليه واساءة استعمال السلطة . ( ثانيا ) الغاء المرسوم الصادر بتاريخ 19 من مايو سنه 1947 بعزله . " ثالثا " الحكم له بتعويض مؤقت قدره مبلغ جنيه واحد عما اصابه من ضرر حتى يفصل فى الدعوى الخ -
مؤسسا طلباته هذه على ان المرسوم الصادر بعزله وكذلك القرار الصادر تنفيذا له صدرا باطلبين للاسباب الاتية :
( اولا ) لانه لم يكن من الدفاع عن نفسه وسماع اقواله امام مجلس القضاة .
( ثانيا ) مخالفته للقانون موضوعا لانعدام الاساس القانونى بسبب عدم صحة الوقائع التى نسبت الى الطالب .
( ثالثا ) مخالفته للقانون بسبب ما وقع فيه من اساءة استعمال السلطة .
ومن حيث انه ثابت من مطالعة مذكرة حضرة وكيل التفتيش القضائى والاوراق المقدمة من وزارة العدل الى مجلس القضاء الاعلى انه وان كان الافعال المسندة الى الطالب مستمدة من تقرير وكيل التفتيش المؤسس على التحريات التى قام هو بها - ومن ملف خدمة المدعى الداخلى والسرى - بل ومن ذات الايضاحات التى ادلى بها المدعى الى وكيل التفتيش القضائى ، فانه ثابت ايضا بذات التقرير - الذى كان تحت نظر مجلس القضاة ومحل تقديره - ان الطالب عندما بدت بوادر مؤاخذته على ما صرف بغير حق كبدل السفر طلب الى وكيل نيابة ادفو ان يقرر - على خلاف الواقع - انه كان يبيت بمنزل - وليس فى الاستراحه الحكومية - فصارحه وكيل النيابة بانه " لا يرتضى لذمته ان يقول غير الواقع " كما ان الطالب كان يمحو ويثبت فى كشوف مصاريف انتقالاته ويبالغ فى بعضها بما يجعل ما يقبضه منها لا يتفق وحقيقة ما يدفعه . ويقول وكيل التفتيش القضائى فى تقريره انه رجع الى هذه الكشوف المرافقة لطلبات الصرف - وقد قدمت ضمن الاوراق الى هذه المحكمة - واذونها فوجد الكثير من المبالغ الواردة فيها محل تعديل وتبديل كما ان الكثير منها يزيد على المقرر لمثله فى حسابات المحاكم بل ان المحو والاثبات اديا فى بعض الحالات الى صرف الاجرة عن عمل واحد مرتين ، وان الطالب قد اعترف له بان علة هذا الاجراء " ان ما تسمح الخزينه بصرفه قانونا لا يتناسب مع ما ينصرف فعلا وانه بهذا يوازن فى كشوفه بين ما يدفعه وما يقبضه وان تجافى كشف مطلوبه مع الواقع ".
ومن حيث ان قانون استقلال القضاء - اذ نص فى المادتين العاشرة والحادية عشرة منه على ان " قضاة المحاكم الابتدائية يكونون غير قابلين للعزل متى امضوا ثلاث سنوات فى القضاء " وعلى انه " لا يجوز عزل احد من قضاة المحاكم الابتدائية الذين لم يمض على تعيينهم المدة المشار اليها فى المادة السابقة الا بموافقة مجلس القضاء الاعلى " كان يهدف الى عدم اسباغ ضمانه عدم قابلية الحديثين من رجال القضاء للعزل الا بعد انقضاء فترة معينه ، قدر انها تكفى لتفهم حالتهم وتكشف عن مدى صلاحيتهم وتجعل من اجتازها بسلام اهلا لهذه الحصانه وجديرا بهذا الحق - كما راى ان لا تنفرد السلطة التنفيذية بالبت فى شان هذه الصلاحية ، بل وكل القول الفصل فيها الى راى مجلس القضاء الاعلى ، فجعل موافقته شرطا اساسيا للعزل من وظيفة القضاء .
ومن حيث ان هذه السلطة التى يباشرها مجلس القضاء الاعلى اعمالا للمادة 11 من قانون استقلال القضاء - تختلف فى جوهرها عن سلطة مجلس التاديب المنصوص عليها فى المواد 50 وما بعدها من القانون المشار اليه . اذ اوجب القانون فى التاديب اعلان القاضى بعريضة تشتمل على التهمة والادلة المؤيدة لها ، واعلانه للحضور امام المجلس ( م 58 ) كما اوجب سماع طلبات النيابة العمومية - ودفاع القاضى المرفوعة عليه الدعوى - على ان يكون القاضى اخر من يتكلم ( م 64 ) واجاز للقاضى ان يحضر بشخصة او ينيب عنه محاميا ، واوجب ان يكون الحكم الصادر فى الدعوى التاديبية مشتملا على الاسباب التى بنى عليها وان تتلى اسبابه عند النطق به فى جلسة سرية ( م 65 ) وبين العقوبات التاديبية التى يجوز توقيعها على القضاة وهى توجيه اللوم والعزل ( م 66 ) كما نص على ان " كل فعل يزرى بشرف القضاة او يخل بكمال حريتهم فى ارائهم يكون جزاؤه العزل " وان " من يحكم عليه بالعزل لمجلس التاديب ان يحرمه من كل حقه او بعضه فى المعاش او فى المكافة " ( م 67 ) - وهذا يغاير ما قرره بالنسبة الى سلطة مجلس القضاء اذ لم يضع مثل هذه القيود ولم يرسم لها اجراء معينا غير موافقة المجلس على العزل ، ولهذا جاء نصه من حيث عمومه واطلاقه شاملا لكل ما يراه مجلس القضاة من اسباب ، كعدم النزاهة او الاستقامة او العناية بالعمل او عدم توافر الاهلية العلمية او غير ذلك مما يراه المجلس - وهو مؤلف من كبار رجال القضاء - حسب تقديره - من ان مقترفها غير اهل لولاية القضاء - ولهذا لم ير الشارع موجبا لتنظيم اجراءاتها ولم يوجب سماع اقوال القاضى ولا دفاعه عنها امام المجلس ، تاركا له ان يتخذ من الاجراءات ما يراه مؤديا الى تكوين عقيدته فى امر القاضى . ولما كان امر العزل متروكا لموافقة المجلس فهو يملك بغير شبهة ان يقرر سماع اقوال القاضى المطلوب عزله متى راى لزوما لذلك ، كما له ان يستقى معلوماته التى يبنى عليها قراره ممات يشهد به ملف الخدمة او غيره من الاوراق- ويكتفى بذلك دون حاجة الى اى استيضاح او دفاع - لما كان ذلك ، كان نعى الطالب على المرسوم الصادر بعزله بحجة انه قد حرم من حق الدفاع وبذلك شابه البطلان لا يستند الى سبب من القانون .
ومن حيث انه عن السببين الثانى والثالث - فهما مردودان : اولا بان التهم المسندة الى الطالب ، والتى استوجبت فصله بقرار من مجلس الوزراء بعد موافقة مجلس القضاء ، وان كان بعضها يبدو من الهنات لو نظر الى ضاله المبالغ التى استولى عليها الطالب بغير حق - الا انها مع ذلك تعتبر بالغة الخطورة لصدورها من قاض مما لا يصح معه وصف هذا القرار بالتعسف ان هو راى فى التصرفات التى ثبت على المدعى بعضها باعترافه - وبعضها بما ادلى به بعض زملائه فى التحريات التى قام وكيل التفتيش القضائى باجرائها - وفيما تبين من فحص ملف خدمته من انه ضعيف فى قضائه معيب فى سلوكه وتصرفاته - اذ راى ان فى ثبوت هذه التصرفات ما يخل بالمثل العليا التى يجب ان لا ينحرف عنها القاضى والا اصبح غير اهل للقضاء .
📌 المبدأ / الفقرة (1)
إن قانون استقلال القضاء إذ نص في المادتين العاشرة والحادية عشرة منه على أن قضاة المحاكم الابتدائية يكونون غير قابلين للعزل متى أمضوا ثلاث سنوات في القضاء، وعلى أنه " لا يجوز عزل أحد من قضاة المحاكم الابتدائية اللذين لم يمض على تعيينهم المدة المشار إليها في المادة السابقة إلا بموافقة مجلس القضاء الأعلى "- كان يهدف إلى عدم إسباغ ضمانة عدم قابلية الحديثين من رجال القضاء للعزل إلا بعد انقضاء فترة معينة قدر أنها تكفى لتفهم حالتهم و تكشف عن مدى صلاحيتهم وتجعل من اجتازها بسلام أهلاً لهذه الحصانة وجديراً بهذا الحق، كما رأى ألا تنفرد السلطة التنفيذية بالبت في شأن هـذه الصلاحية بل وكل القول الفصل فيها إلى رأى مجـلس القضاء الأعلى، فجعل موافقته شرطاً أساسياً للعزل من وظيفة القضاء. وهذه السلـطة التي يباشرها مجلس القضاء الأعلى إعمالاً للمادة 11 من قانون استقلال القضاء تختلف في جوهرها عن سلطة مجلس التأديب المنصوص عليها في المواد 50 وما بعدها من هـذا القانون، إذ لم توضع لها قيود و لم ترسم لها إجراءات - على خلاف الحاصل في حالة التأديب - بل جاء النص في خصوصها عاماً مطلقاً شاملاً كل ما يراه مجلس القضاء من أسباب، كعدم النزاهة أو الاستقامة أو العناية بالعمل أو عدم توافر الأهلية العلمية أو غير ذلك مما يراه المجلس عدم صلاحية لتولى القضاء، ولم يــوجب سماع أقـوال القاضي ولا دفاعه عما يسند إليه من ذلك أمام المجلس، بل ترك للمجلس أن يتخذ من الإجراءات ما يراه مؤدياً إلى تكوين عقيدته في أمر القاضي، فإن شاء سمع أقوالـه وإن شاء اعتمد على ما يستقيه من المعلومات التي يشهد بها ملف خدمته أو غيره من الأوراق.