الطعن رقم 203 لسنة 23 قضائية
النقض المدني
1958-5-15
سنة المكتب الفني: 9
ملخص / وقائع الدعوى:
مسئولية
المبادئ القانونية المستخلصة
⚖️ تسبيبه - تسبيب كاف
⚖️ المسئولية التقصيرية
نص وأسباب ومنطوق الحكم
🏛️ هيئة المحكمة والديباجة
برياسة محمود عياد وحضور محمد متولى عتلم ومحمد زعفرانى سالم والحسينى العوضى ومحمد رفعت .
📜 وقائع وأسباب ومنطوق الحكم
بعد الاطلاع على الاوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعه وبعد المداولة .
من حيث ان الطعن قد استوفى اوضاعه الشكلية .
وحيث ان الوقائع تتحصل - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر اوراق الطعن - فى ان الطاعن اقام الدعوى رقم 3642 كلى سنه 1947 امام محكمة مصر الابتدائية " الوطنية " على المطعون عليهما - مبينا فى صحيفتها انه بتاريخ 15/9/1946 اصدر وزير الدفاع قرارا بندب ولده المرحوم .............. وكان قائد سرب بسلاح الطيران " الملكى " للعمل بشركة مصر للطيران بناء على طلب الشركة - ووفقا للشروط والاوضاع التى سبق الاتفاق عليها بينهما وقد تعهدت الشركة بعدة تعهدات لمصلحة الطيارين المعارين من وزارة الدفاع ومن بينهم ابن الطاعن - وقد كان من اكفا الطيارين - فهو اول خريجى مدرسة الطيران فى دفعه 29 من مايو سنه 1939 وقام بدوريات استكشافية فى البحرين الاحمر والابيض واشترك من المناورات الكبرى التى اجرتها القوات البريطانية والهندية بمنطقة السويس والاسماعيلية كما كلف القيام بدوريات استكشافية فوق القوات الايطالية ...... الخ . وفى 10 من ديسمبر سنه 1946 كلف بان يقود احدى الطائرات من نوع " بتشكرافت " فى عودتها من بغداد للقاهرة فقام بها من بغداد قاصدا الى دمشق - وقد تاخرت فى موعد قيامها من بغداد ساعة وربعا بسبب ما كان قد طرا على جهاز اللاسلكى بها من خلل مما نتج عنه ان وصلت دمشق متاخرة كذلك عن الموعد المحدد فى التعليمات - وفى اثناء الرحلة من بغداد الى دمشق عاود الخلل جهاز اللاسلكى - كما ظهر بالتليفون اللاسلكى بها خلل - واحاط الطيار الفقيد رجال مطار دمشق بذلك - ثم غادرت الطائرة مطار دمشق فى الساعة 55.5 مساء فى امان مجتازة اخطار الهبوط والصعود منه - ولكن حدث - بعد ان اجتاز منطقة الخطر التى تحف به ان اصاب الطائرة وهى فى حو حيفا طارئ تخلف عنه احتراق الطائرة وتدميرها - وضياع حياة الطيار وعامل اللاسلكى والراكب الوحيد الذى كان بها مسافرا من دمشق الى " الماظه " - ولم يبق من حطام الطائرة اثر ولا من جميع الجثث الا قطع صغيره من عضلات وجلد . وبعد ان اورد الطاعن فى الصحيفة - ما ذكره شهود الحادث وما جاء فى التقارير الطبية والفنية - والاراء المختلفة عن سبب الحادث - قال انه سواء كان السبب هو اختلال جهاز اللاسلكى بالطائرة ام العطب الذى بالاتها ومحركاتها عطبا اسفر عنه التهابها ثم انفجارها فى الجوفان ايهما يجعل الشركة مسئولة عن الحادث ويلزمها واجب التعويض وخاصة وان الطيار الفقيد كان امل البلاد المرتجى فى هذا المضمار ........ الخ وان الرابطة القانونية التى كانت تربطه بالشركة هى رابطه تعاقدية - وان وزارة الدفاع ساهمت فى تقصير الشركة بعدم تحريها صلاحية طائراتها - وكان عليها ان تسهر على سلامة حياة طياريها وخصوصا وانها حرمتهم حق الاعتراض على هذه الاعارة وقال انه بصفته وارثا للفقيد يقدر التعويض المستحق من الشركة بمبلغ 20000 ج عشرين الفا من الجنيهات ويقدر التعويض عن الضرر الادبى الذى نالة بفقد ابنه والذى لا يمكن جبره بمبلغ عشرة الاف جنيه وانتهى الى طلب الحكم اولا - بالزام الشركة المطعون عليها الاولى بان تدفع له بصفته وارثا مبلغ 20000 جنيه مع المصاريف والاتعاب ثانيا - الزام الشركة ووزارة الدفاع " المطعون عليهما " بان تدفعا اليه عن نفسه مبلغ 10000 ج والمصاريف والاتعاب وبتاريخ 24 من مايو سنه 1951 قضت محكمة الدرجة الاولى بالزام المطعون عليهما الاولى بان تدفع للطاعن ملبع 3000 ج والمصاريف المناسبة ومبلغ الفى قرش اتعابا للمحاماة ورفضت ما زاد على ذلك من الطلبات . فاستانفت المطعون عليها الاولى هذا الحكم بالاستئناف المقيد بمحكمة استئناف القاهرة برقم 613 لسنه 68 ق طالبه الغاء الحكم المستانف ورفض الدعوى مع الزام رافعها المصاريف والاتعاب عن الدرجتين ، كما استانفه الطاعن بالاستئناف رقم 635 لسنه 68 ق " استئناف القاهرة " طالبا فى موضوع استئنافه تعديل الحكم المستانف والزام المطعون عليهما بان يدفعا له على وجه التضامن مبلغ 30000 جنيه والمصاريف والاتعاب عن الدرجتين - وبجلسة 12 من يناير سنه 1952 قررت المحكمة ضم الاستئناف الثانى للاول . وبتاريخ 26 من ابريل سنه 1953 اصدرت محكمة استئناف القاهرة حكمها فى هذين الاستئنافين قاضيا بقبولهما شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستانف ورفض الدعوى والزام رافعها بمصروفاتها عن الدرجتين وعشرين جنيها اتعابا للمحاماة بين شركة مصر للطيران ووزارة الحربية . وبتاريخ 16 من يوليو سنه 1953 طعن الطاعن فى هذا الحكم بالنقض - وبعد استيفاء اجراءاته ابدت النيابة رايها بالمذكرة المقدمة منها بطلب رفض الطعن ، وعرض الامر على دائرة فحص الطعون فصممت النيابة على رايها السابق المبدى بمذكرتها ، وقررت دائرة الفحص احالة الطعن الى هذه الدائرة لنظرة بجلسة 20 من فبراير سنه 1958 وفيها صممت النيابة على رايها السابق بيانه .
ومن حيث ان اسباب الطعن تضمنت تعييب الحكم فيما قضى فيما قضى به من رفض الدعوى فى شطريها ، ويقول الطاعن فى السبب الثانى من اسباب نعيه على الحكم فى خصوص ما قضى به من رفض طلب التعويض عن الضرر الذى اصابه شخصيا ان الحكم مشوب بالقصور فى التسبيب ومخالفة الثابت فى الارواق وذلك من وجهين اولهما : ان كلا من الحكمين الابتدائى والاستئنافى قد ثبت فيهما ان جهاز اللاسلكى بالطائرة التى وقع لها الحادث كان غير صالح لاداء الغرض المقصود من وجوده والذى تحتمه القواعد المرعية فى الملاحة الجوية - سواء عند القيام فى اول المرحلة من مطار الماظة - او عند مبارحة بغداد الى دمشق او عند القيام من مطار دمشق ، وان ذلك مما يوجب مسئولية المطعون عليها الاولى - ولكن الحكم المطعون فيه نفى هذه المسئولية تاسيسا على ما ورد فيه من ان الطيار الفقيد قد اخطا بمغادرته مطار دمشق قبل ان يقوم باصلاح هذا الجهاز - وهو عالم بفساده - ومن ان عدم صلاحية الجهاز المذكور لم يكن مع ذلك ليغير فى مجرى الكارثة - لضالة الفترة الزمنية بين ظهور الوهج فى الطائرة وبين انفجارها ضالة لم تكن لتسمح بالافادة من هذا الجهاز " وان ما قرره الحكم المطعون فيه من خطا الطيار بفرض ثبوته - لا ينفى وقوع الخطا ايضا من الشركة ، فكان يتعين على الحكم المطعون فيه ان يوازن بين هذين الخطاين ليقدر ان كان ايهما قد استغرق الاخر - كما ان القول باقدام الطيار على الطيران مع علمه بعدم صلاحية الجهاز وعدم العمل على اصلاحه مخالف لما هو ثابت فى الاوراق - من ان الشركة المطعون عليها كانت تقيم دفاعها على انها تقوم بفحص اجهزة الطائرات قبل قيامها وتتحقق من سلامتها بما يفيد ان الطائرة المنكوبة لم تغادر مطار دمشق الا بعد الفحص والاصلاح . وقد ثبت فى اوراق الدعوى ان ذلك الفحص والاصلاح لم يكونا دقيقين لان هذا الجهاز قد انتابه العطل فى كل مرحلة من المراحل التى قطعتها الطائرة - ذلك الى ان القول من جانب الحكم المطعون فيه بان عدم صلاحية الجهاز لم يضيع على الطيار فرصة الاستعانه به لضالة الفترة الزمنية بين ظهور الوهج والانفجار ، مناقض لما هو ثابت ايضا فى ذات الحكم المطعون فيه من انه كانت هنالك فترة كافية للاستعانه به اذ اثبت الحكم عند تحصيل الوقائع ان الطائرة بينما كانت تحلق فوق خليج حيفا طرا عليها ما يستدعى تغيير اتجاهها فحلقت فوق جبل الكرمل واجتازت السلسلة الاولى وشاء حظها العاثر ان تصطدم بالسلسلة الثانية فحلت بها النكبة وتناثرت اشلاء راكبيها ........." ومن ذلك يتبين ان زمن محنه الطائرة كان سابقا على ظهور الوهج - بما كان يسمح للجهاز باداء وظيفته وتجنب الكارثة لو كان صالحا لما اعد له . ويتحصل ما ورد بالوجه الثانى من هذا السبب فى ان الحكم اسند للطيار الخطا بمخالفته لتعليمات الشركة التى تقضى بتحديد الوقت الذى يجوز فيه النزول فى مطار دمشق بما لا يقل عن نصف ساعة قبل الغروب - وبانه ليست له خبرة او دراية بالطيران فى هذه المنطقة الوعرة المتشعبة جبالها - والحال ان سبب الكارثة لا يتصل ادنى صلة بمخالفة التعليمات المشار اليها - اذ ان الطيار قد نزل الى مطار دمشق فى الوقت الذى نزل فيه اليه وبارضه ايضا - سالما دون ان يقع له او للطائرة حادث ما - فليس لهذا الخطا المسند للطيار صلة ما بالحادث محل الدعوى - وهو بالتالى لا ينفى مسئولية الشركة - هذا الى ان تاخره عند النزول الى مطار دمشق عن الوقت المحدد بالتعليمات انما كان مرده خطا الشركة المطعون عليها وهو خطا ابتداء من اول رحلة الطائرة من مطار الماظة لعدم صلاحية الطائرة الاصلية التى كان مقررا ان تقوم بالرحلة ولما انتاب جهاز اللاسلكى فى الطائرة موضوع الحادث من عطل - فضلا عن ان التزام الطيار بالتوجه الى دمشق كان بسبب وجود راكبين صرفت لهما الشركة تذكرتين للسفر - وهما عقدا نقل ارتبطت بهما - احداهما من بغداد الى دمشق وثانيتهما من دمشق الى القاهرة - كما ان القول من جانب الحكم المطعون فيه بخطا الطيار الفقيد - فى الطيران بالمنطقة التى وقع بها الحادث وهو لا خبرة له ولا دراية بالطيران فيها - مخالف لما هو ثابت فى الارواق المقدمة فى الدعوى - وهى تقرير قائد السرب " عز الدين رمزى" ومذكرة وكيل وزارة الدفاع وشهادة كبير مفتشى الطيران بالبعثة العسكرية .,
وحيث ان هذا النعى بوجهيه مردود - ذلك انه يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه ان محكمة الاستئناف اقامت قضاءها برفض دعوى الطاعن فى خصوص ما طلبه من التعويض عما لحق به من ضرر من جراء فقد ابنه - على ما اودته من ان " خلاصة تقارير الفنيين سواء من كان منهم منتدبا من الوزارة او من شركة الطيران تكاد تجمع على عدم معرفة السبب الحقيقى للحادث " وانه " ازاء هذا الغموض الذى اكتنفه ولم تكشف عنه بقايا الطائرة او غيرها من الاثار المادية اخذ رجال الفن يتلمسون الاسباب لعلهم يجدون منفذا يضئ امامهم الطريق ويخرج بهم من دياجير الظلمة التى احاطت تلك النكبة المروعة ولهذا لجاوا الى التخمين والاستنتاج وانتهى بهم الامر الى القول بان الحادث اما ان يكون وقع نتيجة احتراق الطائرة وهى تحلق فى الفضاء فسقطت على غير هدى - واما ان يكون قائد الطيارة طرا عليه ما استدعى تغيير اتجاهه فاثر النزول فى مطار حيفا مع انه مطار صغير وغير معد لنزول الطائرات ليلا ونظرا لان هذه المنطقة جبلية وعرة فقد صادفته سلسلة الجبال وتمكن من ان يمر فوق السلسلة الاولى وهى الاقل ارتفاعا بان ادار المحرك لاقصى سرعة ولكنه ما عتم ان واجهتهه السلسلة الثانية فارتطمت الطائرة بها وكانت الكارثة " ثم قالت المحكمة انها " لا ترى داعيا لاستعراض ما جاء فى هذه التقارير من تفاصيل سبق ان اشار اليها الحكم الابتدائى وذلك اكتفاء بالنتيجة التى تضمنتها هذه التقارير والتى تقدم ذكرها "- واعقبت ذلك القول " بانه مما يجب تسجيله بادئ ذى بدء ان الخطا لا يفترض افتراضا الا فى احوال المسئولية المفترضة قانونا وليست هذه الحالة من بينها فيما عدا ما ورد فى دفاع المستانف " الطاعن " خاصا بالمسئولية الشيئية ..........." الى ان قالت :" لا يجوز فى القانون افتراض الخطا بل يتعين على المضرور ان يثبت وقوع الخطا وعلى المسئول ان ينفى وقوعه ويثبت حصوله بسبب اجنبى عنه - ولا يجوز ايضا ان يبنى الحكم على مجرد التخمين والاستنتاج " ومفهوم ما تقدم ان محكمة الاستئناف بعد ان تبينت من التقارير الفنية ان السبب الحقيقى للحادث غير معروف - وانه محوط بالغموض ولم تكشف عنه الاثار المادية اشارت الى ان رجال الفن قد لجاوا الى التخمين والاستنتاج - ثم انتهت الى القول بان الحكم فى صدد المسئولية التقصيرية لا يصح ان يبنى على شئ من ذلك وانما يتعين على من يدعى الخطا ان يثبته - وقد عرضت محكمة الاستئناف بعد ذلك الى ما ورد فى هذه التقارير - من الاحتمالين اللذين وردا بهما تصويرا لكيفية وقوع الحادث - واول هذين الاحتمالين هو ما تمسك به الطاعن - وثانيهما هو ما تمسكت به المطعون عليها الاولى - وقد مهدت لذلك بالقول بانه " ومع ذلك فان مسايرة المستانف " الطاعن " فيما ذهب اليه - ومجاراة التقارير الفنية فيما انتهت اليه لا يؤدى شئ منها الى ثبوت الخطا من جانب الشركة ثبوتا كافيا لكى يكون دعامة للحكم عليهما بالتعويض ". ثم تناولت الفرض الاول الذى صور فيه الطاعن الحادث بانه وقع نتيجة احتراق الطائرة فى الجو قبل ان تصطدم بالجبل فقالت :" وحيث انه مع التسليم جدلا ، بان الحادث وقع نتيجة احتراق الطائرة فى الجو قبل ان تصطدم بالجبل فان هذا لا يكشف عن سبب الحريق بل يظل سببه غير معلوم ولا يعرف هل حصل الحريق نتيجة خطا من القائد او مرافقية او نتيجة عيب فى تركيب الطائرة - على ان فكرة العيب او الخلل تكاد تكون مستبعده لان الطائرة من احدث الطائرات صنعا ولم يكن مضى على تسييرها سوى اربعة عشر يوما وهى مجهزة بكافة الاجهزة للوقاية من الحريق كما انها ذات محركين حتى اذا طرا طارئ على احدهما حل محله المحرك الاخر ، ولعل هذا يشعر بانه من المجازفه الجرى وراء الاستنتاجات التى يمليها الفرض او الخيال . يضاف الى ذلك ان من المعروف فى عالم الطيران ان الطائرة متى ارتفعت فى الجو وانطلقت فى الفضاء قد تتعرض لاحداث لم تكن فى الحسبان ولا تدون فى خلد احد ممن يراقبون حالتها ويتاكدون من صيانتها وصلاحيتها - ذلك ان الاختراعات الحديثة مهما بلغت من التقدم والدقه فلا يغرب عن الخيال ان الطائرة لا تسير على ارض ممهدة وانما تسبح فى الفضاء وتسيطر عليها عوامل الطبيعة وهى مازالت عصية على الانسان يحاول دائما ان يتحكم فيها ويتغلب عليها فتابى الا ان تقف شامخة فى وجهه فالصراع بينهما دائم مستمر ولم يصبح بساط الريح حتى الان مركبا ذلولا بل لا تزال الاحداث تترى هنا وهنالك واسرارها مجهولة واسبابها غامضة غير معلومة فمن غير الجائز فى مثل هذه الظروف ان يسند الخطا الى الشركة لمجرد وقوع حادث فى الطائرة التى استخدمتها ولم يعرف له سبب " ويبين من ذلك ان محكمة الاستئناف قد اقامت قضاءها برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية على ان وقوع الحادث للطائرة دون ان يعرف سببه لا يلزم منه اعتبار الشركة " المطعون عليها " مرتكبة لخطا يقتضى الحكم عليها بالتعويض - اذ يتعين على المضرور ان يثبت وقوع الخطا المعين الذى نشا عنه الحادث وارتبط معه برابطة السببية . وانه متى كان سبب احتراق الطائرة فى الجو غير معلوم ولا يمكن اسناده لعيب معين فى تركيب الطائرة فان مسئوليتها عن التعويض تعتبر منتفية . وهذا التاسيس الذى لم يورد عليه الطاعن مطعنا صالح لاقامة الحكم المطعون فيه - وكاف فى دفع مسئولية المطعون عليها الاولى اما ما اثاره الطاعن فى وجه الطعن خاصا بخطا الشركة فى عدم اعداد جهاز اللاسلكى اعدادا صالحا لاداء وظيفته - فان الحكم المطعون فيه قد اوضح فى عبارة صريحة انه " اذا صح ان النار اشتعلت فى الطائرة بسبب خلل طرا على الاتها فان اللاسلكى لا يمكن ان يكون هو السبب المباشر لهذا الخلل " كما انه عرض لما يثيره الطاعن فى وجه الطعن - من انه لو كان الجهاز صالحا لاستعان به الطيار فى درء المخاطر التى تعرض لها فذكر فى هذا الخصوص " انه يكفى للرد على ذلك ما اجمع عليه شهود الرؤية من انه لم يمض بين ظهور الطائرة واثار الوهج بادية فيها وبين انفجارها سوى ثوان لا تسمح بتقديم ايه معونه "- ومن ذلك يبين انه لم يكن ثمت مجال للخوض فى بحث خطا الشركة بعدم اعدادا الجهاز اعدادا صالحا - ولا لاجراء موازنه بين هذا الخطا وخطا الطيار الفقيد - باقدامه على مغادرة مطار دمشق قبل اصلاح الجهاز - ولا للنظر فى مدى استغراق كل من الخطاين للاخر - لم يكن ثمت مجال لهذا البحث لعدم جدواه - بعد اذ حصلت محكمة الموضوع من الوقائع - ان جهاز اللاسلكى لم يكن له اثر فى حصول الحادث على النحو الذى صوره الطاعن من احتراق الطائرة فى الجو قبل اصطدامها بالجبل - وان الفترة بين ظهور الوهج والانفجار لم تكن الا ثوان لا تمكن من الاستعانه بهذا الجهاز على ايه صورة - اما ما اشار اليه الطاعن فى وجه النعى من ان الحكم المطعون فيه قد حصل الوقائع على صورة مناقضة لهذه الصورة يبين منها ان زمن محنه الطائرة كان سابقا على ظهور الوهج - وان ذلك كان منذ حلقت الطائرة فوق خليج حيفا - ثم طرا عليها ما يستدعى تغيير اتجاهها فحلقت فوق جبل الكرمل واجتازت السلسلة الاولى ثم شاء حظها العاثر ان تصطدم بالسلسلة الثانيه فحلت بها النكبة - وانه فى هذه الصورة كان يتيسر الاستعانه بجهاز اللاسلكى لو كان صالحا - فنتلافى الكارثة - هذا الذى اثاره الطاعن فى وجه الطعن مردود بان محكمة الاستئناف لم تورد ما اوردته فى هذا الخصوص - الا رواية عن الحكم المستانف - اذ يبين من الاطلاع على الحكم الابتدائى انه ساق هذه العبارات فى مقام بيان دعوى الطاعن وسردا لوقائعها - اما محكمة الاستئناف فانها نهجت فى ايراد الادلة الواقعية منهجا اخر بدانه بذكر خلاصة تقارير الفنيين عن الحادث ، ثم عرضت لما جاء فى هذه التقارير من الاحتمالين السابق الاشارة اليهما تعليلا لكيفية وقوع الحادث - وليس فيما حصلته محكمة الاستئناف من الوقائع ما يتفق مع تلك العبارات المقتبسة من الحكم المستانف ولا ما يفيد اعتمادها واقراراها واذ كان ذلك فليس ثمت محل للنعى على محكمة الاستئناف بالقصور فى التسبيب استنادا الى وقائع لم تكن من تحصيلها ولم تعول عليها فى قضائها - ولا مجال بعد ما تقدم ايراده للنظر فيما نعى به الطاعن على الحكم المطعون فيه خاصا بما اسندته محكمة الاستئناف للطيار الفقيد من اخطاء ارتكبها اذ بحسبها ان تكون اقامت حكمها على ما ثبت لها من ان الضرر الذى اصاب الطاعن قد نشا عن سبب اجنبى لم يكن للمطعون عليها الاولى يد فيه وليس على المحكمة بعد ذلك ان تتحرى وقوع خطا من المضرورو او خطا من الغير ولا مجال كذلك للنظر فيما نعى به الطاعن فى السبب الاول من اسباب طعنه " فى صدد التعويض عن الضرر الذى اصابه شخصيا " بخطا الحكم المطعون فيه فى تطبيق نصوص المرسوم الصادر فى 23 من مايو سنه 1935 والقرار الوزارى الصادر فى 26 من مايو سنه 1942 بشان ما ورد فيهما من الزام كل طائرة تقوم بالنقل الدولى فى مصر او مارة بها بان يكون فيها شخص حاصل على اجازة ملاح ليقوم باعمال الملاحة فيها اذا كانت تطير بدون هبوط لمسافة تزيد على 160 كيلو مترا نهارا او 25 كيلو مترا ليلا - لا مجال للنظر فيما ورد فى هذا النعى - لان التعرض له عقيم - ما دام ان الوقائع التى اثبتها الحكم المطعون فيه - على ما سبق بيانه - لا تؤدى الى ان ما اصاب الطائرة كان نتيجة مباشرة لغياب الملاح او ان الملاح كان فى استطاعته ان يمنع الحادث لو كان موجودا .
وحيث ان الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه - فى خصوص ما طلبه من التعويض ميراثا عن ابنه " الطيار الفقيد " - الخطا فى القانون من وجهين : حاصل ما ورد بها ان محكمة الاستئناف قد اقامت قضاءها فى خصوص المسئولية التعاقدية على القول بانها غير ذات موضوع اذ لم ينشا للطيار الفقيد حق فى التعويض لانه وقد مات فور الحادث فهو لا يستطيع ان يكسب حقا ينقله الى وارثة وقد اخطات محكمة الاستئناف فى هذا القضاء الذى اخذت فيه براى لا يعرض الا فى صدد المسئولية التقصيرية - لا المسئولية التعاقدية - وهو على ايه حال راى لا تقره جمهرة الفقهاء ولا احكام المحاكم ذلك ان حق المصاب فى التعويض ينشا بمجرد حصول الحادث وهو اسبق من الوفاة حتما - وهو يكون منها بمنزله السبب من المسبب فهو سابق عليها - ومهما يكن من قصر الفترة الذمنية بين الحادث ونتيجته - الا انه لا يحل مطلقا اهدار حق المصاب فى التعويض عما لحقه من جراء اصابته - وفى انتقال حقه فى ذلك الى ورثته واذ لم يكن المجال فى خصوص هذا المطلب الا مجال المسئولية التعاقدية ، فقد كان يتعين على محكمة الاستئناف ان تعتد بما تمسك به الطاعن من ان ثمت التزاما على عاتق الشركة بسلامة الطيار نشا منذ التعاقد - وحقا للطيار فى اقتضاء هذا الالتزام عينا او بما يعادله - نشا من ذلك الوقت ايضا - وبات معتبرا عنصرا من عناصر ذمته المالية وهو سابق " بطبيعة الحال " على وقوع الكارثة - التى لم يكن وقوعها الا اخلالا من الشركة بالتزامها بضمان السلامة - وحدوث الوفاة لا يترتب عليه انقضاء هذا الالتزام فاذا كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه لم يسبب قضاءه برفض التعويض فى خصوص المسئولية التعاقدية الا على الاساس الخاطئ المتقدم فانه يكون مخطئا فى القانون متعينا نقضه .
وحيث ان النعى بما ورد فى هذا السبب فى خصوص الدعوى الحالية غير مجد ذلك ان الطاعن قد طلب بدعواه الحكم له بمبلغ التعويض الموضحين من قبل على اساس ان احدهما يقابل ما ناله من ضرر بسبب خطا تقصيرى وان المبلغ الثانى يمثل حصته الميراثية فيما يستحقه مورثه من تعويض قبل المطعون عليها الاولى نتيجة خطئها التعاقدى - وقد عرضت محكمة الموضوع وهى بسبيل تحقيق مسئولية المطعون عليها الاولى - التقصيرية - لما اسند اليها من خطا - وما دفعت به هذا الخطا - فاوضحت - كما سبق بيانه - ان الحادث الذى اعتبر اساسا لدعوى التعويض وهو احتراق الطائرة - قد وقع بسبب اجنبى - لا يدا للمطعون عليها الاولى فيه - يتمثل فى صورة حادث مفاجئ مجهول السبب وغير متصل باى خطا من جانب المطعون عليها الاولى - ولما كان ذلك وكانت المسئولية التعاقدية تندفع باثبات السبب الاجنبى فانه لا جدوى من اثارة البحث الذى عرض له الطاعن فى سبب الطعن اذ مهما يكن وجه الراى فيه فان عدم تعرض الحكم المطعون فيه للبحث فى المسئولية التعاقدية لا تتحقق به - فى خصوص المنازعة الحالية - اى مصلحة للطاعن - ما دامت المسئولية التقصيرية المسندة للمطعون عليها الاولى مندفعه بما يصلح اساسا لدفع المسئولية التعاقدية .
وحيث ان الطاعن قد عرض فى تقرير طعنه لما قرره الحكم المطعون فيه من انقضاء مسئولية المطعون عليه الثانية - وعيب الحكم المطعون فيه - فى هذا الخصوص - بمخالفة القانون اذ لم يعتد - فى صدد مسئولية المطعون عليها الثانية بتقصيرها فى عدم الاشراف على تنفيذ المرسوم والقرار الوزارى المنظمين للملاحة الجوية بالرغم من انها هى الجهة المكلفة بتنفيذها - وتقصيرها فى ان تقتضى من المطعون عليها الاولى التزامها بسلامة الطيار - فى حين انها مسئولة عن سلامته اثناء العمل الذى ندب له قسرا عنه .
وحيث ان هذا النعى مردود بما سبق بيانه فى الرد على باقى اسباب الطعن .
وحيث انه لما تقدم يكون الطعن على غير اساس متعينا رفضة .
📌 المبدأ / الفقرة (1)
متى كانت محكمة الاستئناف قد أقامت قضاءها برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية على أن وقوع الحادث للطائرة - والذي أودى بحياة طيارها - دون أن يعرف سببه لا يلزم منه اعتبار شركة الطيران مرتكبة لخطأ يقتضي الحكم عليها بالتعويض إذ يتعين على المضرور أن يثبت وقوع الخطأ المعين الذي نشأ عنه الحادث وارتبط معه برابطة السببية، وأنه متى كان سبب احتراق الطائرة في الجو غير معلوم ولا يمكن إسناده لعيب معين في تركيب الطائرة فإن مسئوليتها عن التعويض تعتبر منتفية - فإن هذا التأسيس صالح لإقامة الحكم وكاف في دفع مسئولية الشركة المذكورة.
📌 المبدأ / الفقرة (2)
بحسب المحكمة أن تكون قد أقامت حكمها برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية - على ما ثبت لها من أن الضرر الذي أصاب المضرور قد نشأ عن سبب أجنبي لم يكن للمدعى عليه يد فيه وليس على المحكمة بعد ذلك أن تتحرى وقوع خطأ من المضرور أو خطأ من الغير.
📌 المبدأ / الفقرة (3)
متى كانت محكمة الموضوع وهي بسبيل تحقيق مسئولية شركة الطيران التقصيرية قد عرضت لما أسند إليها من خطأ وما دفعت به هذا الخطأ فأوضحت أن الحادث الذي اعتبر أساساً لدعوى التعويض وهو احتراق الطائرة قد وقع بسبب أجنبي لا يد للشركة فيه يتمثل في صورة حادث مفاجئ مجهول السبب وغير متصل بأي خطأ من جانب الشركة فإنه لا مصلحة للمضرور في التمسك بعدم تعرض الحكم للبحث في المسئولية التعاقدية التي أسس عليها أحد مبلغي التعويض المطالب بهما باعتبار أنه يمثل حصته الميراثية فيما يستحقه مورثه من تعويض قبل الشركة نتيجة لخطئها التعاقدي ذلك لأن السبب الأجنبي يصلح أساساً لدفع المسئولية التقصيرية وكذلك لدفع المسئولية التعاقدية.
📌 المبدأ / الفقرة (4)
لا محل للنعي على محكمة الاستئناف بالقصور في التسبيب استنادا إلى وقائع لم تكن من تحصيلها ولم تعول عليها في قضائها.